انتفاضة السودان غائبة عن الصحف والقنوات التلفزيونية المحلية

صلاح الدين مصطفى
حجم الخط
0

الخرطوم -“القدس العربي”: حجبت القنوات الفضائية والصحف المحلية في السودان أخبار التظاهرات المستمرة منذ أكثر من شهر وذلك لأسباب متعلقة بطريقة تكوين وعمل القنوات الفضائية، وقمع السلطات الأمنية للصحف.

وحسب متابعين فإن الأجهزة الأمنية في السودان تمنع القنوات الفضائية سواء أكانت حكومية أو تابعة للقطاع الخاص، من بث أي أخبار تنتقد الحكومة أو تفضح ممارساتها في كل المجالات. أما الصحف فتعاني من الرقابة القبلية والبعدية والعقاب بالمصادرة وإيقاف الصحافيين من الكتابة.

ووفقا للشبكة العربية لإعلام الأزمات “تتعرض الحريات الصحافية وحرية الرأي والتعبير في السودان لهجمة شرسة وغير مسبوقة من قبل جهاز الأمن والمخابرات السوداني، ارتفعت وتيرتها آواخر كانون الأول/ديسمبر الماضي مع موجة احتجاجات اجتاحت العاصمة الخرطوم ومدن وولايات السودان مطالبة بتنحي الرئيس، وعلى ضوء ذلك اتخذ جهاز الأمن إجراءات أكثر تشدداً ضد الصحافة والصحافيين تحد من عملية النشر تمثلت في إعادة فرض الرقابة المسبقة أو القبلية “قبل الطبع” مع استمرار مصادرة الصحف بعد الطبع، واعتقال واستدعاء الصحافيين والصحافيات ومراسلي القنوات الفضائية لإرهابهم وتخويفهم والتنكيل بهم ومنعهم من الوصول لموقع الحدث”.

منع الصحافيين من تغطية الأحداث

وتعددت الانتهاكات التي تمارسها الأجهزة الأمنية ضد الصحافيين بمنعهم من تغطية الأحداث واعتقالهم ومصادرة أجهزتهم المهنية وهواتفهم المحمولة. ويزداد التضييق عليهم بمعاقبتهم بالفصل والتشريد، بسبب كتاباتهم في صفحاتهم الخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي في انتهاك كامل للخصوصية ومصادرة حرية الرأي والتعبير واستغلال السلطات والنفوذ الإداري من قبل الموالين للنظام بمراقبة زملائهم والتجسس عليهم”.

ودعت الشبكة العربية لإعلام الأزمات في بيان لها المنظمات الدولية والإقليمية والعاملة في مجال حقوق الإنسان والمعنية بالحريات الصحافية، إلى تسليط الضوء على الانتهاكات التي تتعرض لها حرية الرأي والتعبيرفي السودان والضغط على النظام لاحترامها والالتزام بالمواثيق والاتفاقيات التي وقع عليها ووقف تعديات وانتهاكات جهاز الأمن ورفع يده عن الصحافة.

وبجانب الرقابة العامة لكل الصحف تتعرض صحف “الجريدة” و “التيار” و”البعث “و”الميدان” لاستهداف ممنهج بسبب تمسك الصحافيين بتغطية الحراك الشعبي ورفضهم توجيهات الرقيب الأمني بنزع أخبار الاحتجاجات. ونالت صحيفة “الجريدة” العبء الأكبر من التضييق.

وقالت شبكة الصحافيين وهي (هيئة طوعية تدافع عن الصحافة في السودان) إن جهاز الأمن والمخابرات اعتقل (28) صحافياً وصحافية، قبل أيام أثناء اعتزامهم المشاركة في وقفة صامتة أمام مقر إدارة الإعلام في جهاز الأمن في شارع المك نمر، وتقديم مذكرة احتجاجاً على الرقابة الأمنية ومنع الطباعة والمًصادرات المتكرّرة لجريدة “الجريدة” التي بلغت 15 مرة في أقل من شهر.

وأضافت الشبكة أن جهاز الأمن أوقف صدور جريدة “البعث” الأسبوع الماضي مطالباً بإزالة أخبار التظاهرات والأعمدة، وصادر صحيفة “اليوم التالي” في 12 كانون الثاني/يناير الحالي على خلفية تغطيتها لموكب الرحيل الرابع بأم درمان الأربعاء الماضي وتم اعتقال عدد من الصحافيين في التظاهرات المستمرة في الخرطوم وولايات السودان المختلفة.

محاصرة مبنى صحيفة “الجريدة”

وقال الصحافي أيمن مستور إن الإجهزة الأمنية حاصرت مبنى صحيفة “الجريدة” منذ الصباح الباكر يوم الإثنين الماضي بعدد من سيارات الأمن والشرطة ورجال الأمن الملثمين بالزي المدني وذلك بعد أن أعلنت “الجريدة” عن وقفة صامتة عند الساعة 12 ظهراً، أمام مكتب الإعلام التابع لجهاز الأمن والمخابرات الوطني في الخرطوم لتقديم مذكرة لمدير الجهاز صلاح عبد الله قوش، احتجاجاً على التوقيف التعسفي الذي ظلت تتعرض له الصحيفة لأكثر من عشرين مرة منذ بدء الاحتجاجات الأخيرة.

وأضاف في حديثه لـ “القدس العربي” أنه عند وصول الصحافيين إلى المكان المحدد اعتقل جهاز الأمن 27 صحافياً وصحافية منهم على رأسهم رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير ومدير التحرير، وعدد من الصحافيين المتضامنين معهم من صحف أخرى قبل أن يطلق سراهم لاحقا.

وقال الصحافيون بعد إطلاق سراحهم إنه في البداية تم التعامل معهم بصورة فظة بعد وصولهم مقر الأمن وشتمهم ونعتهم بالكاذبين وإجلاسهم في الأرض وأمرهم بالتوجه إلى الحائط، قبل أن تتغير طريقة التعامل وتم إحضار كراسي لهم.

وقد سلمت إدارة “الجريدة” نسخاً من المذكرة إلى مجلس الصحافة والمطبوعات (جهة حكومية) واتحاد الصحافيين ولجنة الإعلام في البرلمان، وقد تسلمت هذه الجهات المذكرة لكن جهاز الأمن اعتقل الصحافيين وقطع الطريق أمام تسليم مذكرتهم بمجرد وصولهم إلى المباني التابعة لإدارة الإعلام التي تتبع له في شارع المك نمر، وذلك بعد أن طلب من إدارة الصحيفة عدم تنفيذ الوقفة الاحتجاجية وبعد إصرارها أخطر المسؤولين بالصحيفة أنه سيتم التعامل مع حضورهم باعتبار أنه تجمع غير مشروع.

تجدر الإشارة إلى منع “الجريدة” من تغطية الاحتجاجات وحتى تصريحات مسؤولي الحكومة، وكشفت إدارة “الجريدة” عن خسائر وصفتها بالفادحة لحقت بها جراء المنع من الصدور منذ بدء الاحتجاجات، في ظل اعتمادها على التوزيع وحرمانها من الإعلان الحكومي. واعتبرت في مذكرتها المقدمة جاء أن إعاقة صدورها تعسفياً يعني مزيداً من الخسائر.

وأشارت المذكرة إلى أن “الجريدة” منذ تفجر الاحتجاجات ظلت ملتزمة بخطها المهني تنقل تفاصيل الأحداث وتداعياتها من جميع أطرافها (حكومة ومعارضة)، وفيما تفعل ذلك كل الفضائيات المحلية والعالمية التي تستضيف قيادات من الحزب الحاكم للتعليق، تمنع الرقابة الصحيفة من نشر ما رصدته من وقائع بدون تضخيم، يرفض الرقيب الأمني حتى النقاش حولها.

معلومات خاطئة وتحليلات متحيزة

 

ومع ابتعاد الصحف عن نقل ما يدور من احتجاجات في الشوارع، تتاح الفرصة للكتّاب الموالين للحكومة لشن ما يشبه الحملات الصحافية والتقليل من شأن الاحتجاجات وانتقاد التظاهر وشتم المحتجين، وقد قوبلت هذه الحملات بحملات مضادة في مواقع التواصل الاجتماعي ضد من تمت تسميتهم بكتّاب السلطة.

على صعيد متصل شن السودانيون على مواقع التواصل الاجتماعي هجوما شرسا على القنوات الفضائية المحلية واتهموها بعدم تغطية التظاهرات وتضليل المشاهدين بمعلومات خاطئة وتحليلات متحيزة ووصف المتظاهرين بالمخربين. وطالب كثيرون بمقاطعة هذه القنوات وشرعوا في إرسال رسائل قوية عبر صفحات هذه القنوات في وسائل التواصل الاجتماعي تعبر عن احتجاجهم ومقاطعتهم لتغطية القنوات للتظاهرات.

ويرى موسى حامد، وهو منتج تلفزيوني، أن المتابع لتاريخ ونشأة وظروف هذه القنوات يستوعب طبيعة عملها وتغطيتها لكل الأحداث المتعلقة بالشأن المحلي. ويقول موسى في حديثه لـ “القدس العربي” إن كل هذه القنوات نشأت في جلباب القناة الرئيسية (تلفزيون السودان) وتشربت بالبيئة التي نشأ فيها التلفزيون القومي، كما أن معظمها يمتلكها محسوبون على التيار الحاكم.

وحسب موسى فقد تعرضت هذه القنوات رغم ذلك لمضايقات عديدة وتم إيقاف العديد من البرامج الجريئة. ويشير إلى وجود حساسية عالية في التعامل مع القنوات المرئية من قبل الأجهزة الأمنية بحيث توجد خطوط حمراء كل من يتجاوزها يدفع ثمنا غاليا.

ويقول موسى إن موقف هذه القنوات معروف سلفا لدى المشاهدين، وليس جديدا بسبب الاحتجاجات الأخيرة فهي “تنتهج طابعا ناعما في معالجة العديد من القضايا والمشكلات الموجودة في المجتمع السوداني فيما يخص الثقافة والدين والمسكوت عنه اجتماعيا”. ويضيف أن بعض القنوات ناقشت الاحتجاجات بشكل فيه خجل مهني مع طغيان الرأي الواحد وغياب الرأي الآخر، وهو دأبها دائما حيث تغيب الكاميرات عن حراك المعارضة واعتقالات رموزها ونقاشهم الجريء للشأن العام. ويقول إن القنوات الخارجية غطت الحراك السوداني من زوايا متعددة. وحسب وجهة نظر الجهة الممولة فكانت بعضها متوازنة وأخرى حادة في التناول ومجموعة ثالثة غائبة تماما عن هذه الأحداث.

اقتباسات

الأجهزة الأمنية تمنع القنوات الفضائية الحكومية أو الخاصة، من بث أي أخبار تنتقد الحكومة

يزداد التضييق على الصحافيين بمعاقبتهم بالفصل والتشريد

جهاز الأمن اعتقل الصحافيين وقطع الطريق أمام تسليم مذكرتهم لإدارة الإعلام

ابتعاد الصحف عن نقل ما يدور من احتجاجات في الشوارع، أتاح الفرصة للكتّاب الموالين للحكومة للتقليل من شأنها

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية