حساسية المنطقة وتداخلات القوى المتصارعة فيها، تحمل شيوخ العشائر هناك عبئا كبيرا، حيث يسعون لمنع النظام والميليشيات الإيرانية من سرقة نتائج انتفاضتهم.
تعقد المشهد في شرق الفرات بعد انتفاضة أبناء العشائر العربية ومقاتلي المجلس العسكري ضد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» ولم تقتصر الانتفاضة المسلحة على أبناء قبيلة العكيدات على ضفة نهر الفرات اليسرى المعروفة باسم «الجزيرة» محلياً، بل تسلل عناصر من الدفاع الوطني التابعين للنظام السوري للمشاركة في الهجوم ضد المقاتلين الأكراد. كما تدخل الطيران الحربي الروسي في ريف منبج الشمالي وقصف قرية محسنلي ويعتبر القصف بمثابة رسالة تحذيرية لتركيا ومنعها من تسهيل تحرك مقاتلي الجيش الوطني السوري المعارض من مناطق السيطرة التركية في «نبع السلام» و«درع الفرات» بريفي الرقة وحلب.
ميدانيا، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان الخميس الفائت، بمقتل 40 شخصًا، بينهم خمسة مدنيين في المواجهات بين «مجلس دير الزور العسكري» والعشائر من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» من جهة أخرى، والتي اندلعت على خلفية اعتقال قوات سوريا الديمقراطية، قائد مجلس دير الزور العسكري، أحمد الخبيل، المعروف بلقب «أبو خولة» مساء الأحد الماضي، واقتحام القرى والبلدات في محاولة فرض السيطرة على المنطقة والتي خلفت مقتل عدة مدنيين.
وأضاف المرصد، أن مسلحين من أبناء عشيرة «البكارة» سيطروا على حاجز البريد في بلدة محيميدة بعد اشتباكات مع مقاتلي «قسد» فيما سيطرت الأخيرة على قرية العزبة بريف دير الزور بعد اشتباكات مع مجلس دير الزور العسكري وقوات العشائر المساندة له.
المواجهات في دير الزور شملت قرى وبلدات، بلجة وذيبان وأبهرية والعزبة وزغير جزيرة، كما شهدت منطقة المعامل ومعيزيلة بريف دير الزور الشمالي الشرقي اشتباكات بالأسلحة المتوسطة بين الطرفين، واستهدف مقاتلو «مجلس دير الزور العسكري» بقواذف «أر بي جي» حاجز بلدة درنج شرق دير الزور، ما أسفر عن مقتل عنصرين من «قسد» والتي عزلت ببيانٍ لها نشرته على موقعها الإلكتروني مساء الاربعاء، قائد مجلس دير الزور العسكري، أحمد الخبيل «أبو خولة».
وجاء في البيان، «بناءً على أمر اعتقال من النيابة العامة في شمال وشرق سوريا، قرر مجلس دير الزور العسكري، وبموافقة المجلس العسكري لقوات سوريا الديمقراطية، عزل أحمد الخبيل من مهامه، لارتكابه العديد من الجرائم والتجاوزات المتعلقة بتواصله والتنسيق مع جهات خارجية، وارتكاب جرائم جنائية بحق الأهالي والإتجار بالمخدرات، وبسبب سوء إدارته للوضع الأمني ودوره السلبي في زيادة نشاط خلايا تنظيم داعش» كما شمل البيان عزل أربعة قياديين آخرين في المجلس، لارتباطهم بنفس التهم التي عزل بموجبها «الخبيل».
الجدير بالذكر، أن مجلس دير الزور العسكري عيّن بشكل مؤقت أبو الليث خشام، قائدًا له، رافضًا مطالب قسد بترك سلاحه، ووضع نفسه تحت تصرف المجلس العسكري لـ «قسد» التي يشكل مقاتلو وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري.
وكانت «قسد» قد اعتقلت قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل مساء الأحد، بعد أن دعته لاجتماع في استراحة الوزير في الحسكة، كونه ممثل أحد مكونات قوات سوريا الديمقراطية، واحتجزته مع عدد من قيادات المجلس، وحاصرت مجموعة أخرى من المجلس في منطقة خشمان في الحسكة، ومن بين المجموعة شقيق أبو خولة، في حين ظهر الشقيق الآخر، أدهم الخبيل في مقطع مصور اتهم من خلاله «قسد» بأنها أوقعت بأخيه ووصفها بـ «الدواعش الصفر».
اعتقال «الخبيل» تزامن مع إطلاق قسد عملية «تعزيز الأمن» في الحسكة ودير الزور، بعد أيام عن إعلانها فرار عدد من مقاتلي تنظيم «داعش» من سجن الصناعة في الحسكة، حسب ادعاء «قسد» فرضت قسد بعدها حظرًا للتجول استمر من مساء الأحد الماضي حتى الإثنين.
العشائر العربية شرق الفرات أعلنت النفير العام ضد «قسد» بعد اجتماعٍ حضره عدد من وجهاء العشائر في مقر مجلس دير الزور العسكري في قرية الربيضة، عشية اعتقال «الخبيل» وطالبوا قوات التحالف بالتدخل لإطلاق سراح المعتقلين من قيادات مجلس دير الزور العسكري، وفك الحصار عن المجموعات المحاصرة في منطقة خشمان بالحسكة.
أما قائد «لواء البصيرة» جلال الخبيل شقيق قائد مجلس دير الزور العسكري، فقال في بثٍ مباشر نشره على صفحته في فيسبوك، إن قسد حاصرت قيادات من المجلس العسكري لدير الزور واعتقلتهم خلال اجتماع في قاعدة الوزير، مهددًا قسد في حال رفضها إطلاق سراح شقيقه، وكانت قسد قد اعتقلت في 18 آب (أغسطس) الجاري جلال الخبيل خلال عودته من الرقة مع والدته، وأطلقت سراحه بعد يومين.
ومساء الإثنين الفائت، ظهر عدد من أبناء عشيرة «البكير» التي يتزعمها «أبو خولة» في تسجيل مصور من قرية الحريجية، أعلنوا من خلاله رفضهم اعتقال «الخبيل» وأمهلوا قسد 12 ساعة لإطلاق سراحه، وحل الخلافات مع مجلس دير الزور العسكري.
وفي سياقٍ متصل، قال شيخ عشيرة «العكيدات» إبراهيم الهفل في بيانٍ تلاه في مقطع مصور، إن التطورات في شرق الفرات هي «حراك عشائري بالمعنى المطلق، وليس كما تدعي قسد على أنه خلايا إرهابية» وطالب الهفل التحالف الدولي بتشكيل مجلس قيادة عسكرية من أعيان عشائر دير الزور، وعلى ان يكون تواصل المجلس بشكل مباشر مع التحالف الدولي، والقوات الأمريكية على وجه الخصوص. كما دعا الوجيه العشائر العربية للتوحد في وجه ممارسات «قسد» ضد المكون العربي في الجزيرة السورية.
بدوره قال شيخ عشيرة «البكارة» نواف راغب البشير الموالي لإيران في تصريحٍ لصحيفة «الوطن» السورية الموالية، إن أهداف ما وصفها بـ «انتفاضة العشائر لن تتوقف حتى تحقق أهدافها المتمثلة بطرد الغرباء من أكراد جبل قنديل، وداعميهم من الأراضي السورية».
رابطة المستقلين الكرد السوريين المقربة من أنقرة، أعلنت في بيانٍ رفضها ممارسات «قسد» واتهموها بالعمالة للنظامين الإيراني ونظام الأسد، وجاء في البيان «ندين ونرفض استخدام السلاح والقوة العسكرية ضد السكان المدنيين الأمنيين ونحمل التحالف الدولي المسؤولية الكاملة عن إرهاب الميليشيات التي تتبع له ويؤمن لها الغطاء العسكري تحت مسمى قسد بحق المواطنين السوريين في دير الزور».
وفي محاولة خلط الأوراق، تسلل عدد من مقاتلي الدفاع الوطني التابع للنظام السوري والذي يقوده فراس العراقية إلى مناطق «الجزيرة» وأكد مصدر محلي لـ «القدس العربي» انتماء المتسللين إلى ميليشيا الدفاع الوطني موضحا أن «بعضهم معروف لأبناء المنطقة وهم يتواجدون بشكل دائم على حاجز وريدة».
وفي سياق نفي الاتهامات التي تسعى لإلصاق الانتفاضة بإيران والنظام السوري ومحاولة بلورة مطالب سياسية واضحة يسعى شيخا عشيرتي العكيدات والبكارة، إبراهيم الهفل وحاجم البشير لتحديد المطالب وحل التوتر الكبير في شرق الفرات من خلال تشكيل مجلس عسكري جديد يتواصل بشكل مباشر مع قيادة عملية العزم الصلب، كما عبر أهالي بلدة الشحيل في بيان مصور، صباح الجمعة، أن تحرك العشائر جاء نصرة للمدنيين وليس على خلفية الخلاف بين «قسد» ومجلس دير الزور العسكري ولا ينتمي لأي فصيل، كما أكد المتحدث موقفهم المعادي للنظام والميليشيات الإيرانية.
وعبر التحالف الدولي عن التزامه بدعم قوات سوريا الديمقراطية في الهزيمة الدائمة لداعش. وحذرت قيادة العزم الصلب مما يحدث ووصفت الانحراف عن قتال تنظيم الدولة بانه سيؤدي «إلى عدم الاستقرار ويزيد من خطر عودة ظهور داعش».
ودعت إلى «وقف العنف في شمال شرق سوريا، وعودة الجهود إلى إحلال السلام والاستقرار في شمال شرق سوريا، خالية من تهديد داعش».
وعلمت «القدس العربي» من مصدر عشائري مطلع أن قناة تواصل فتحت بين الشيخ حاجم البشير وقيادة التحالف في قاعدة حقل العمر، وأضاف المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه أن البشير طلب من القيادة الأمريكية الاجتماع مع قادة العشائر من التوصل لاتفاق مع «قسد» يعيد الاستقرار للمنطقة، دون الإفصاح عن نتائج ذلك.
إلى ذلك قال الباحث المتخصص بديناميات المنطقة الشرقية في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، سامر الأحمد إن أحد قادة حزب العمال الكردستاني هو الذي تسبب بانفجار منطقة شرق الفرات، وحذر «من تغلغل الخلايا الإيرانية خصوصا في الحسكة والقامشلي» وحول المخرج للتوتر الأمني زاد «الحل المرضي هو بيد التحالف الدولي من أجل نزع فتيل الأزمة، حيث يتوجب عليه التفاوض مع زعماء العشائر من أجل كف يد القيادة الأمنية لـ«قسد» عن المنطقة وتحسين الواقع الحوكمي وتوزيع عادل للثروة ومنع احتكارها من قبل «قسد» وإعادة هيكلة المجلس العسكري والحفاظ على وضع أمني مستقر يمنع نشاط داعش وايران هناك».
ان حساسية المنطقة وتداخلات القوى المتصارعة فيها، تحمل شيوخ العشائر هناك عبئا كبيرا، حيث يسعون لمنع النظام والميليشيات الإيرانية من سرقة نتائج انتفاضتهم، والوصول إلى حل مقبول مع «قسد» بضمانة أمريكية، يحفظ مجلس دير الزور العسكري ويعيد تشكيله. أما استمرار الانتفاضة بدون دعم موقف شيوخ العشائر الرئيسية في التوصل إلى اتفاق سياسي سيؤدي إلى انحراف بوصلة الاحتجاجات بسرعة شديدة لأن عدم التموضع إلى جانب قوة دولية أو إقليمية بسرعة سيؤدي إلى تقاسم المنطقة من قبل المتصارعين جميعا.