لندن ـ «القدس العربي»: يقول المحلل النفسي، جاك لاكان «إن كان الرجل (العادي) يعد مجنوناً إذا ظن نفسه ملكاً، فالملك الذي يظن نفسه ملكاً ليس أقل جنوناً». يشير لاكان هنا إلى أنه بغض النظر إن كان الشخص ملكاً أو مجنوناً يعتقد أنه ملك، فإن التعريفات الذاتية والهويات التي يراها المرء جزءاً من كينونته، تبقى رمزية، أو خيالية، أو مثالية، في حال جردت من دورها العملي في سياقها الاجتماعي والتاريخي. بمعنى آخر، أنه في حين يبقى الملك في النظام الملكي ملكاً، إلا أن دوره قد يتبدل جذرياً ليتوافق مع ما تبقى من النظام السياسي، وبما يتناسب مع الأيديولوجية السائدة، ولذلك في حين أن الملك في بريطانيا هو رأس الكنيسة، إلا أنه حتماً سيعد مجنوناً إذا اعتقد أن الله سخره لهذا الدور، أو أنه بخلاف ما تبقى من أبناء شعبه، تعد الملوكية في جوهره كإنسان.
ولذلك شهدت مقابلة ولي العهد اليوناني، بافلوف، وسط المراسم الملكية بعد وفاة الملكة إليزابيث الثانية في بريطانيا، ردة فعل عنيفة وساخرة على مواقع التواصل من قبل اليونانيين الذي أزالوا والده في استفتاء عام 1974 لتصبح اليونان جمهورية، إذ وصفه البعض بـ«متنكر ملتزم جداً بدوره».
في بريطانيا، أدت «الثورة المجيدة» عام 1688 إلى انتقال البلاد إلى نظام الملكية الدستورية، وحدت دور الملكية، عبر وثيقة الحقوق 1969 وقانون التسوية 1701 وذلك بعد أن كانت «الماغنا كارتا» قد نصت في عام 1215 أن الملك وحكومته ليسوا فوق القانون، الذي أصبح سلطة بذاته. ولذلك فإن العائلات المالكة في بريطانيا تعاملوا مع تفاوت سلطاتهم، وازدياد رمزية أدوارهم لمئات سنين قبل انحلال الإمبراطورية.
ولعل الملكة إليزابيث الثانية، كانت أكثر الملوك وعياً لأهمية الالتزام برمزية دورها كملكة في الحفاظ على مكانة عائلتها إذ وصلت إلى الحكم في مرحلة شهدت إزالة 10 أنظمة ملكية في أوروبا وحدها، لا سيما تقلص حجم الإمبراطورية البريطانية مع إعلان 62 دولة، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، الاستقلال عن الحكم البريطاني. تمكنت إليزابيث من البقاء ملكة على 15 دولة، وجعلت من نفسها إحدى الثوابت القليلة في عالم يتغير بسرعة، وصورت وظيفتها على أنها «خدمة» الشعب لا حكمه. حافظت على شعبيتها، رغم الجدل الذي أثاره علاقتها بزوجة الملك تشارلز السابقة، ديانا، والفضائح حول علاقة ابنها أندرو بجفري ابستين وغيلاين ماكسويل، تجار الجنس للقصر. التزمت الصمت والحياد ولم تتدخل بالشأن السياسي بشكل علني، لأنها علمت بأنه لا معنى لوجودها كملكة خارج إطار الدور الرمزي الذي تلعبه في الحفاظ على النظام السائد في بريطانيا، وأنه في زمن الرأسمالية المعولمة، وحكم الشركات متعددة الجنسيات، باتت قليلة الأسباب التي تدفع شعباً للقبول بها ملكة تستنزف عائلاتها أكثر من 100 مليون جنيه سنوياً من أموال دافعي الضرائب.
وفي كندا وأستراليا تبقى الملكية رمزا لحق المستعمر الأبيض بالسيادة على هذه الأراضي المنهوبة من سكانها الأصليين. أما في دول أخرى، فاستمرت الملكية رغم تضاؤل أهميتها في المجتمع فقط لارتباطها بشخص إليزابيث، كما تشير الباحثة في جامعة كانتربيري بنيوزيلندا، كاتي بيكلز. وتشير بيكلز إلى أن الملك تشارلز وزوجته كاميلا لن يحظيا بالمكانة نفسها.
وإن كان مصير الملكية في عهد إليزابيث اعتمد على لعبها دور الرمز المتعالي عن تفاصيل السياسة، وترويج الإعلام لها كالأم أو الجدة لشعوبها في المخيلة العامة، وكإحدى الثوابت في عالم يتغير، فسيعتمد بقاؤها في عهد تشارلز، حتى في بريطانيا، على قدرة الناس على نسيان وجوده. وإن كان من المستبعد أن تراوح الملكية في بريطانيا مكانها، لأسباب عدة منها إيمان نسبة كبيرة من البريطانيين، المحافظين وغيرهم، بأن الملكية جزء لا يتجزأ من هويتهم رغم فشل الأمير المدلل باسترضائهم أو بالحفاظ على الشعبية التي منحته إياها زوجته السابقة ديانا قبل طلاقهما، فإن ذلك لا ينطبق على المستعمرات السابقة التي يرأسها تشارلز اليوم، والتي مثلت إليزابيث بالنسبة لها الوجه الوردي لماض امبريالي واستعماري دموي لم يغب عن الذاكرة بعد. ومن المستبعد أن تتمكن الحملات الإعلامية التي صورت الملك الجديد على أنه مثقف مهتم بالأديان والثقافات ومناصر للبيئة من تغيير ذلك.
المستعمرات السابقة
وحتى قبل وفاة الملكة، كانت تنمو المشاعر المناهضة للملكية في المستعمرات السابقة، في إطار الحركات المطالبة بالعدالة العرقية، ما أعاد إلى الحديث العام، قضايا الاستعمار وحقوق السكان الأصليين.
وواجه الأمير وليام وزوجته كيت، في آذار/مارس الماضي، أثناء زيارتهم لدول الكاريبي، احتجاجات ومطالبات بالاعتذار والتعويض عن العبودية. وقبل زيارتهما إلى جامايكا، تلقى الأمير وزوجته رسالة مفتوحة موقعة من قبل 100 من القادة المحليين تقول إنه «خلال 70 عامًا على العرش، لم تفعل جدتك شيئًا للتعويض والتكفير عن المعاناة التي عانوها أسلافنا خلال فترة حكمها و / أو خلال مراحل الاتجار البريطاني بالأفارقة، والاستعباد، والسخرة والاستعمار».
واعتبرت سيندي ماكريري، الباحثة المتخصصة بتاريخ الملكية والاستعمار، في جامعة سيدني، أن التوجهات الجمهورية حتماً ستتلقى دفعة بوفاة إليزابيث. وقالت في حديث لمجلة «تايمز»: «أعتقد أن وفاة الملكة سيمنح الجمهوريين في أستراليا وأماكن أخرى مجالًا أكبر للتحدث بصراحة عن المستقبل الدستوري ولتحضير الطريق نحو الجمهورية». وأشارت إلى أن ذلك ينطبق بشكل خاص على دول الكاريبي التي تملك «إرثاً مؤلماً للغاية من العبودية البريطانية» مضيفةً «أعتقد أنها من المرجح أن تكون من بين المناطق التي ستختار أن تصبح جمهوريات».
ولا يمكن الكلام عن التوجهات الجمهورية لدى الدول المنضوية تحت الملكية البريطانية دون التذكر بأن بريطانيا نفسها مهددة بالانقسام. ورغم رفض الحكومة البريطانية، أعلنت رئيسة الوزراء الاسكتلندية، نيكولا ستورجن، نهاية حزيران/يونيو الماضي أنها تريد تنظيم استفتاء جديد حول الاستقلال في 19 تشرين الأول/أكتوبر من عام 2023 وستبحث المحكمة العليا البريطانية في هذا القرار في 11و12 من الشهر نفسه.
وحسب الصحافي، اندرو نيل، فإن «الاتحاد (بين اسكتلندا وبقية المملكة المتحدة) هو على الأرجح في خطر أكبر الآن مع رحيلها، الملك تشارلز يحب اسكتلندا مثل الملكة، لكنه لا يملك سلطتها بكل بساطة». كما اعتبر الصحافي الاسكتلندي، أليكس ماسي، في صحيفة «ذا تايمز» أن «بعض الاسكتلنديين يعتبرون أن نهاية هذه الحقبة تشكّل فرصة طبيعية لانطلاقة جديدة».وأظهر ت النسخة الـ39 من مسح المواقف الاجتماعية البريطانية الذي صدر الخميس الماضي، أن 52 في المئة من سكان اسكتلندا باتوا يفضلون الاستقلال، وهو أكثر بنسبة 23 في المئة من مسح عام 2012 عندما وافقت لندن على إجراء استفتاء استقلال، فاز فيه الميالون للبقاء بنسبة 55 في المئة عام 2014. كما أشار المسح إلى أن 49 في المئة من سكان شمال أيرلندا يرغبون في البقاء في المملكة المتحدة.