القاهرة ـ «القدس العربي»: لا تزال موجة الحزن تسيطر على أغلبية المصريين، بسبب أعداد الذين سقطوا شهداء من الجيش في الهجوم الإرهابي الذين شنه «داعش» شمال سيناء، ثم شهداء الشرطة من الضباط والأمناء والجنود، الذين ذهبوا للقبض على الإرهابي الذي ألقى القنبلة على الأمن، في محيط مسجد الاستقامة في الجيزة.
اتهام السيسي بالسعي لتركيز السلطة بين يديه واستمرار المخاوف على استقلالية الهيئات القضائية
وإعجاب وتقدير لجهاز الأمن الوطني والأمن العام والجنائي في وزارة الداخلية بسبب السرعة التي توصلوا بها لتحديد شخصية الجاني، ومحل إقامته، رغم أنه كان يخفي وجهه. كما زاد الإعجاب بالهجوم عالي الاحتراف الذي شنه جهاز الأمن الوطني على مجموعتين إرهابيتين في العريش، وقتلهم جميعا وعددهم ستة عشر، وأهمية العملية أن المداهمة تمت على منزلين تحت الإنشاء، أي بعيدا عن أعين السكان، ما يعني أن البدو الذين يحرسون هذه المناطق أبلغوا الأمن عنهم، خوفا من اتهامهم بالتعاون معهم. والملاحظ أيضا أن الشرطة لم تفقد فردا واحدا في عملية تبادل إطلاق النار مع الإرهابيين، بسبب مستويات التدريب العالية التي أصبحت تتلقاها، وهي كما علمت تتساوى مع تدريبات الصاعقة في الجيش من مجموعة ثلاث سبعات وبالتسليح نفسه، ومع ذلك فهناك استعدادات أمنية إضافية نتيجة المؤتمرات العديدة التي تشهدها البلاد، مثل المهرجان الدولي لسينما المرأة في مدينة أسوان، الذي بدأ فعلا. والاستعدادات لمؤتمر الحوار العربي الأوروبي في شرم الشيخ، والحرص على عدم وقوع أي حادثة إرهابية تعكر الصفو العام، والاستعدادات لمباريات كأس الأمم الإفريقية في يونيو/حزيران المقبل كل ذلك يفرض على الشرطة استعدادات إضافية وسوف يساعدها الجيش بكل تأكيد. وإلى ما عندنا….

صدمة الإرهاب
ونبدأ بردود الأفعال على العملية الإرهابية ضد الجيش في شمال سيناء، وربط مجدي سرحان في «الوفد» بينها وبين ذكري قيام الطيران المصري بضرب الإرهابيين في ليبيا، الذين ذبحوا الأقباط المصريين وقال: «ليست مصادفة أن يتزامن الهجوم الإرهابي على إحدى النقاط العسكرية قرب مطار العريش، الأحد الماضي، الذي أسفر عن مصرع 7 إرهابيين واستشهاد عدد من الجنود، لم يتم تأكيده رسمياً مع ذكرى الضربة العسكرية الناجحة التي نفذتها القوات الجوية المصرية ضد بعض تمركزات تنظيم «داعش» الإرهابي في ليبيا، ثأراً لعملية ذبح المصريين الواحد والعشرين في ليبيا على أيدي سفاحي «داعش»، والتي أذاع التنظيم الإرهابي فيديو صادماً لها قبل أيام من هذه العملية الثأرية، التي تعهد بها الجيش قصاصاً للشهداء. فالذين خططوا ونفذوا هجوم العريش الأخير اختاروا توقيت عمليتهم بدقة، وكان هذا التوقيت أهم بكثير من العملية نفسها ومن الخسارة التي تكبدوها بمقتل 7 من عناصرهم الإرهابية لماذا؟ لا شك في أن جريمة ذبح المصريين الواحد والعشرين في ليبيا على أيدى سفاحي «داعش» في عام 2015 ستظل واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبتها «عصابات المتأسلمين» الذين يمارسون باسم الدين أفظع أعمال القتل وسفك الدماء وإزهاق الأرواح وأكثرها وحشية وخسة وبربرية على مدار التاريخ الإسلامي بوجه عام، وهي الجريمة التي كشفت أمام العالم كله مدى وحشية وهمجية وخطر هؤلاء السفاحين، وإلى اليوم مازالت هذه الضربة توجعهم ويحاولون بكل قوة محو أثرها من ذاكرة التاريخ، ومن هنا جاء اختيارهم توقيت جريمة العريش الأخيرة متزامناً مع ذكرى هذه الضربة، وأيضاً جاء تعمدهم إسقاط عدد كبير من الشهداء الجنود كمحاولة بائسة لإشاعة الإحباط واليأس بين أفراد القوات المسلحة، وأيضاً بين الجماهير التي يحزنها موت شبابها وهم في عمر الزهور، في هذه الحرب التي طال انتظار حسمها. هذا التأثير النفسي السلبي هو الهدف الذي يريده هؤلاء السفاحون، وللأسف يسهم الكثيرون من البسطاء والمغيبين في تحقيقه بدون وعي أو دراية منهم، بإقبالهم على نشر صور قديمة لشهداء الجيش على أنها صور لشهداء العملية الأخيرة، وكذلك بنشرهم قوائم مجهولة المصدر بأسماء لمجندين شهداء، رغم أن الجيش لم يعلن رسمياً عن هذه الأسماء».
رفع الحواجز
ورغم ذلك فإن الامن ازال الحواجز الخرسانية التي كانت موجودة حول الوزارات والمؤسسات بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 ليدلل على استقرار الأمن، ما دعا محمود غلاب في «الوفد» لان يقول في العدد نفسه: «إزالة الحواجز الخرسانية من أمام المنشآت أكبر دليل على عودة الأمن والأمان، والوجه الجميل والحضاري إلى القاهرة أم الدنيا، وإلى كل شبر على أرض مصر المحروسة، بعد سنوات عجاف فرضت علينا. عشنا مع الإغلاق والمتاريس عقب ثورة 25 يناير لتأمين منشآت البلد الحيوية الواقعة في قلب القاهرة ومناطقها المختلفة، وتحملت وزارة الداخلية عبء استقرار الأمن، واضطرت إلى إقامة حواجز أدت إلى إغلاق معظم الشوارع الجانبية. خالص التحية لوزارة الداخلية وأجهزتها التي تحملت عبئا ثقيلا في تأمين الجبهة الداخلية، وقدمت في سبيل ذلك أغلى أبنائها فداء لمصر وشعبها. حاليًا العاصمة بدون حواجز خرسانية، جميع المصالح الحكومية تتنفس حرية وأمنا، تفتحت الشرايين المرورية في كل مكان وانتهت المعاناة اليومية التي كان يواجهها الجمهور في كل يوم. إنجاز جديد ومشروع جديد وأمل جديد فمصر عصية على كل من يريد بها شرا».
فتاوى الدم
وفي «الأخبار» هاجم كرم جبر المشايخ الذين يصدرون الفتاوى بالقتل وحملهم المسؤولية قائلا: «فتاوى الدم جعلتهم ريبوتات قاتلة مثل الذي نراه في أفلام الرعب، فلا يدرك ولا يحس ولا يعي ولا يعرف إلا شيئاً واحداً، هو الاتجاه صوب الهدف الذي تمت برمجته عليه، الإرهابي المبرمج أخطر من الريبوتات القاتلة التي يسخرها العلماء لتجاربهم، فصنعوا بعضها للقتل وبعضها للتجسس وبعضها للاشتراك في الحروب، وبعضها لخدمة البشرية. الزوايا والمساجد التي لا تخضع لرقابة الأوقاف، ويعتلي منابرها متطرفون يرتدون عباءات دينية ويلوثون عقول وأفكار الشباب، بما هو أخطر من الديناميت والمتفجرات. الخطاب الديني وتجديده ليس قفزاً على الشريعة الإسلامية، وإنما إعلاء لمبادئها التي تحض على السماحة والسلام والحفاظ على أرواح الآمنين. الرقم الصعب هو تجديد الخطاب الديني لأن من مصلحة البعض أن يظل جامداً حتى يظلوا أصحاب نفوذ مهما كان الثمن».
الحور العين
وفي «الوطن» اهتم الطبيب والكاتب خالد منتصر بتحليل نفسية هذا النوع من الانتحاريين بأنهم يتعجلون الموت للصعود إلى الجنة ومضاجعة الحور العين وقال: «لحظة أن ضغط إرهابي الدرب الأحمر على زر التفجير، وجذب صمام الأمان، وفك كوابح حزامه الناسف لحظة عبثية قراءتها وفك شيفرتها، توفر علينا الكثير وتساعدنا على إجابة سؤال عويص وهو «كيف يستهين شخص ما بأهم غريزة إنسانية ألا وهي غريزة الحياة؟»، كيف لإنسان مثلنا من المفروض أن يفزع ويُغمى عليه عند مشاهدة دم ينزف من عقلة إصبعه، أن يمزق نفسه أشلاء، أكبر جزء فيها أصغر من هذا الإصبع؟ إنها الفكرة المخدرة التي تُفرمِت العقل والإحساس والروح، تزيف وعيه وتصنع وعياً جديداً لاإنسانياً يرى الآخر ذئباً ويرى نفسه هو وجماعته ملائكة أطهاراً منزهين، وكلاء الله على الأرض، محتكري الحقيقة. لحظة الضغط على الزر لمعت في ذهنه أثداء حور العين الكواعب اللاتي ينتظرنه في الفردوس، هو في قمة الاستعجال والسرعة».
كلب النار
واذا كانت هذه هي التركيبة النفسية لهؤلاء الإرهابيين فقد اهتم علاء عريبي في «الوفد» بتحليل نفسية ضباط وأمناء وجنود الشرطة، الذين ذهبوا للقبض على الإرهابي وبطولتهم وقال عنهم والدموع تملأ عينيه: «ما الذي يمكن أن تصف به حادث حارة الدرديري في حي الأزهر الذي راح ضحيته 3 من رجال الشرطة وأصيب فيه 4 آخرون؟ ما الذي يمكن أن تقوله لأسر الشهداء؟ ما الجمل التي يمكن أن تقولها لأولادهم الذين ينتظرون عودتهم؟ مثل أي مواطنين ذهبوا إلى عملهم. المعلومات التي توصلوا إليها أكدت خطورة المشتبه فيه، والتحريات أكدت ضلوعه في تفجير مسجد الاستقامة في الجيزة والمراقبة لتحركاته، أوصت بسرعة القبض عليه لخطورته، فقد يقوم بعملية جديدة في أي لحظة يروح ضحيتها العديد من المواطنين، أو رجال الشرطة أو الجيش. اجتمع فريق البحث ودرس جميع المعلومات والتوصيات ووضع أكثر من خطة للقبض على كلب النار، وبمناقشتها تفصيليا استقر الرأي على القبض عليه خارج المنزل، القبض عليه داخل الشقة قد يسفر عن ضحايا، فكروا في مداهمة الشقة في الفجر وهو غارق في النوم، وفكروا في انتحال أحد الضباط صفة كشاف الغاز أو الكهرباء ودخول الشقة والقبض عليه قيل: ربما يفجر نفسه ويتهدم المنزل على السكان وتقع أسر كاملة ضحايا تفجيره، وربما يفتح النار ويصاب الأبرياء. في النهاية وجدوا أن أسلم طريقة للقبض على كلب النار انتظاره أسفل المنزل والقبض عليه خلال ركوبه العجلة يفاجئونه وينقضون عليه ويلقون القبض عليه. انتظروا أسفل المنزل في عز البرد لساعات، وفي حوالي التاسعة ظهر كلب النار خرج من باب البيت يحمل حقيبته ويضع طاقية على وجهه وكمامة على أنفه وفمه، لكي يخفي معالم معظم وجهه عند مروره أمام الكاميرات المثبتة في الشوارع والمحال. أسرع نحوه الأمين محمود أبوزيد والمقدم رامي هلال، كلب النار فجّر قنبلة كانت بحوزته استشهد ثلاثة من أولادنا واصيب ستة آخرون: محمد سالم سليمان 32 سنة معاون مباحث الجمالية، وضابط شرطة أحمد محمد فاخر38 سنة، وعقيد شرطة شهاب مرتضى. ضغط كلب النار على القنبلة واستشهد أولادنا الأبطال صعدوا إلى الله عز وجل أحياء سيرزقهم من عنده، وصعد كلب النار إلى عذاب ما بعده عذاب. اللهم متع أولادنا برزقك السماوي وعذّب كلب النار بأشد عذابك وألهم أسر الشهداء الصبر والفخر ببطولتهم».
خطوط كاشفة
وأخيرا إلى أكرم القصاص رئيس التحرير التنفيذي لـ«اليوم السابع» الذي أشاد ببراعة الشرطة وأجهزة البحث العلمي لديها وقال: «هناك علامات وخطوط كاشفة في تفجير حارة الدرديري في الدرب الأحمر، وبالطبع يصعب على الشخص العادي أن يقدم تحليلا حاسما للحادث الإرهابي مثلما يفعل بعض المدعين على مواقع التواصل، لكن أهم نقطة واضحة هو حجم الجهد الذي بذلته وما تزال أجهزة البحث الأمني تبذله للتوصل إلى الإرهابي بعد زرع قنبلة لاستهداف قوات الأمن في الجيزة، فقد تم تفريغ عشرات الكاميرات وتحليل الفيديوهات لتتبع خطوات الإرهابي، الذي اتخذ لنفسه وكرًا في مكان مأهول ومزدحم. ما يتوفر من معلومات حول الإرهابي الحسن عبد الله العراقي الذي فجّر نفسه أثناء محاولة ضبطه بعد التوصل إليه من قبل رجال الأمن أنه وراء إلقاء عبوة ناسفة لاستهداف قوات الأمن عند مسجد الاستقامة في الجيزة. واضح أن الإرهابي كان مكلفًا بتنفيذ أكثر من عملية، وهناك خيوط تربطه بخلية أو أكثر، وهو ما يمكن أن تكشف عنه الساعات المقبلة، ومن حجم وشكل التفجير لسنا أمام مجرد متفجرات بدائية لشخص مرتبك، لكنه تصرف محترف ينوي استهداف أعداد أكبر، وأحد الفيديوهات تظهره بالقرب من مديرية أمن القاهرة، وإن كانت عملية الـتأمين تجعل هناك صعوبة في تنفيذ عملية في المكان، وهناك تأكيد على أهمية كاميرات المراقبة كجزء من مواجهة الإرهاب والجريمة عمومًا. الكاميرات ساعدت في تتبع الإرهابي بعد عملية مسجد الاستقامة الفاشلة، وهي ليست المرة الأولى التي تنجح كاميرات المراقبة في الكشف والمساعدة في التوصل للإرهابيين، وهو تأكيد على وجود شبكة مراقبة توظف التكنولوجيا بتوسع لمواجهة الإرهاب والجريمة».
تعديل الدستور
وإلى أبرز ما نشر عن تعديل الدستور وأوله للواء الشرطة السابق الدكتور محسن الفحام الذي هاجم المعارضين بقوله في «الدستور»: «بطبيعة الحال وكما هو متوقع فإنه سوف يحاول العديد من المتربصين لأي نجاحات تتحقق على الساحة المصرية داخليًا أو خارجيًا اختزال عملية التعديلات الدستورية على تلك الجزئية الخاصة بتعديل فترة رئاسة الجمهورية، في محاولة لتسطيح الهدف الرئيسى من تلك التعديلات، متجاهلين في ذلك أن تلك المادة قد فتحت المجال لكل من يجد لديه القدرة على قيادة الوطن اعتبارًا من عام 2022 أن يخوض غمار العملية الانتخابية، سواءً قرر السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي الترشح لذلك من عدمه. نحن هنا لا نروج لاتجاه محدد أو لتبني موقف بعينه، بل نحن نناشد الجميع الحيادية والموضوعية في عرض فكرة التعديلات الدستورية، وأهميتها طبقًا لطبيعة المرحلة وأن تتم مناقشتها بهدوء ومنطقية من خلال شخصيات تحظى بالمصداقية والتقدير من قبل المواطن المصري البسيط، وأيضًا المثقف، وأن يكون هذا الطرح بأسلوب مبسط وشامل لكل المواد المطلوب إعادة النظر فيها وعدم اختزالها على مادة أو مادتين فقط من تلك المواد، نحن نراهن على وعي الشعب المصري وعلى قدرته لاستيعاب ما تتطلبه المرحلة الحالية من ضرورة إحداث متغيرات تتواءم مع طبيعتها لاستكمال ما بدأناه من مسيرة التطوير والتغيير الشامل، الذي يهدف إلى إعلاء شأن الوطن والمواطن، وإلى خلق مستقبل أكثر إنجازًا وطموحًا حتى نلحق بركاب الدول المتقدمة الكبرى، وهو أمل من حقنا أن نحلم ونعمل على تحقيقه».
الفصل بين السلطات
وفي عدد «الدستور» نفسه هاجم حمدي البطران وزير الخارجية والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى الذي رأس لجنة الخمسين، التي اعدت دستور 2014 واتهمه بأنه كان يريد أن يرأس مجلس النواب لذلك قلل من سلطة رئيس الجمهورية وقال: «كان عمرو موسى يعتقد أنه سيصبح رئيسًا للبرلمان، وأنه سيتم تعيينه في البرلمان بقرار رئاسي، وبالتالي جاءت صياغة الدستور ليطغى البرلمان كسلطة تشريعية على السلطة التنفيذية التي رأسها رئيس الدولة، فاشترطت موافقة البرلمان على أي تشكيل وزاري، وعلى أي وزير يتم تغييره في أي تعديل وزاري، فطالما كان الرئيس مسؤولًا عن السلطة التنفيذية، فإن سلطته في اختيار الحكومة ووزرائها تصبح مطلقة، لأنه المسؤول الوحيد عنها وعن أدائها أمام البرلمان، طالما هناك مبدأ دستوري بضرورة الفصل بين السلطات، وينبغي أن لا تطغى سلطة على سلطة أخرى».
تركيز السلطة
أما فريدة النقاش فشنت في «الأهالي» هجوماعنيفا على عملية تعديل الدستور مؤكدة أنها تستهدف تركيز السلطات في يد الحكم الذي اتهمته بأنه يعمل لصالح الرأسمالية، وقالت تحت عنوان «فلسفة تركيز السلطة»: «تركيز السلطة هو الجانب المخفي لفلسفة التعديلات الدستورية ولا يحتاج مثل هذا التركيز لجهد كبير لكشفه، لأنه بوسع أي قراءة متأنية لغالبية المواد المقترح تعديلها أن يكشف هذا التوجه بوضوح، وتركيز السلطة في ظل حكم التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية، يعني بصورة تلقائية تركيز الثروة وإدامة الانقسام الطبقي وتعميق التفاوت الاجتماعي، ذلك أن حكم الرأسمالية أيا كان الشكل الديمقراطي الذي يصاحبه هو دائماً حكم أقلية على افتراض شائع في أوساط الطغمة من كبار الملاك. ويقول هذا الافتراض أن الشعب المصري وقواه السياسية والاجتماعية لم ينضج بعد بما فيه الكفاية لممارسة الديمقراطية. تقترح التعديلات الدستورية إضافة مادة انتقالية تقول إنه يجوز لرئيس الجمهورية الحالي عقب انتهاء مدته الحالية، إعادة ترشحه على النحو الوارد بمقترح التعديل، وطبقاً للتعديل تصبح الفترة الرئاسية الواحدة ست سنوات بدلا من أربع سنوات وبحد أقصى فترتان وبذلك تنتهي ولاية الرئيس. وكانت تجربة بقاء شخص واحد في الحكم لمدى الحياة قد أفضت لحصاد مرّ لا في مصر وحدها، وإنما أيضاً في كل البلدان التي عرفت نظماً مشابهة، إذ احتمى الفساد بالاستبداد، وماتت الحياة السياسية حين جرى تهميش وإقصاء المعارضين وإسكات صوت كل القوى الحية في البلاد. إن طريقة اختيار النائب العام تلزم في صورتها الحالية «أن يتولى النيابة العامة نائب عام يختاره مجلس القضاء الأعلى، ويصدر بتعيينه قرار من رئيس الجمهورية» ويشير المقترح الجديد إلى «أن يتولى النيابة العامة نائب عام يصدر بتعيينه قرار من رئيس الجمهورية من بين ثلاثة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى» وتقلص التعديلات صلاحيات مجلس الدولة المنوط به في النصوص القائمة مراجعة وصياغة كل القوانين، والفصل في المنازعات الإدارية، وجاء التعديل المقترح حول «مراجعة وصياغة مشاريع القوانين والقرارات ذات الصلة» ليضيف أي التعديل عبارة «التي تحال إليه» وهو ما يعني أن كلا من رئيس الجمهورية ومجلس النواب يمكنهما اتخاذ قرارات وإصدار قوانين لا يحق لمجلس الدولة مراجعتها أو الموافقة عليها».
استغاثات
لا يكاد يوم واحد يمر إلا ونجد أنفسنا أمام استغاثات منشورة على مساحات عريضة في الصحف، وتكون موجهة في الغالب إلى رئيس الجمهورية. أحياناً تكون استغاثات جماعية وتحمل توقيعات من أكثر من شخص، وأحياناً تكون فردية عليها توقيع شخص واحد، ولكنها في الحالتين، حسب رأي سليمان جودة في «المصري اليوم»، ترجو الرئيس أن يتدخل لحل المشكلة المعروضة، لأن أصحابها طرقوا كل باب دون باب الرئاسة، فكان طرقاً بلا جدوى. ولابد أن المكتب المختص بمتابعة مثل هذه الاستغاثات في مؤسسة الرئاسة يحولها في كل مرة إلى المسؤول الذي تقع المشكلة في نطاق عمله، مع التأشير عليها، بما يعني ضرورة الحل والمتابعة والإفادة، وبما يعني أن على كل مسؤول أن يؤدي مهمته في مكانه على نحو ما يجب.. فلو أدّاها لما تدحرجت المشكلة في صورة استغاثات صارخة، حتى تصل إلى باب الرئيس الذي يحمل من الأثقال ما يكفي. وعندما تكون المشكلة مقبلة من محافظة بعيدة عن القاهرة، فهذا معناه أن المحافظ المسؤول قد عجز عن التعامل معها، وأن الوزير المسؤول أيضاً في العاصمة لم يعرف كيف يتوصل فيها إلى حل، أو أنهما- المحافظ والوزير- أعيتهما الحيلة في الموضوع. وهذه استغاثة جاءني عليها ما يقرب من مليون توقيع غير مباشر، وقد فهمت أنها في طريقها إلى مكتب الرئيس، وأن سكان المنصورة والمساحات المجاورة لها من بين ضحاياها، وأنهم طرقوا باب المحافظ كمال شاروبيم، فلم يصلوا إلى شيء، وأن الأمل عندهم مُعلّق على باب الرئيس. وبما أنني ذكرت المنصورة، فلابد أن القارئ خمّن المشكلة التي تحملها الاستغاثة، وكيف أنها تتجسد في مصنع سماد طلخا، الذي يقع على 400 فدان هناك، ويوزع التلوث في كل صباح، ليس فقط على الإنسان، ولكن على الحيوان والنبات. فهذا ما تقوله أبحاث علمية جرت في المكان، وهذا ما تؤكده، وإذا كانت قضية هذا المصنع قد أثيرت من قبل كثيراً، فسبب إثارتها هذه الأيام أن أبناء المنصورة استبشروا بالمحافظ شاروبيم، لولا أن ملوثات المصنع لاتزال تحاصر المواطنين في المدينة وتخنق أنفاسهم، وتسحب من المنصورة لقب عروس الدلتا الذي اشتهرت به وعاشت عليه سنوات طويلة. إنني أشير إليها قبل وصولها إلى الرئاسة، لأنني أرى أن حلها إنما هو هناك في مكانها على يد المحافظ، ومعه الدكتورة ياسمين فؤاد وزيرة البيئة، ومعهما الدكتورة هالة زايد وزيرة الصحة، لأن مرضى التلوث سوف يدقون بابها في النهاية يطلبون علاجاً.. وإذا كان نقل المصنع متعذراً، فليس أقل من حل بيئي لدى الوزيرة ياسمين ينقذ المليون مواطن من العيش تحت سيف الموت البطيء
العاصمة تختنق
«العاصمة تختنق، ليس لأنها واحدة من أزحم مدن العالم، وليس لأنها تضم عشرين مليوناً من السكان، وليس لأنها الأكثر تكدساً بين كل مدن الشرق الأوسط، وليس لأنها ثاني أزحم مدينة في القارة الإفريقية، فكم من المدن غيرها في قارات العالم، كما تقول درية شرف الدين في «المصري اليوم»، تضم أعداداً مماثلة، وربما أكثر، وربما على مساحة أقل من محافظة القاهرة ومحافظة الجيزة مجتمعتين، أي القاهرة الكبرى، لكنها تختنق بشرايينها من الشوارع الرئيسية والجانبية، التي تكاد تصاب بالانغلاق التام، تحت وطأة وسائل المواصلات بكافة أشكالها وأحجامها وأنواعها، التي لا يردعها قانون صارم للمرور ولا آداب معلومة للسير، ولا لافتات تنظم حركة تلك المركبات ولا تلاحقها مخالفات مرورية يتم تطبيقها في الحال بدون إبطاء وبدون مجاملات لوظائف بعينها، ولاعتبارات المعرفة والمجاملة، وربما الخوف من الاقتراب. نظرة إلى الشوارع، القليل منها، بل النادر، فيه إشارات للمرور التي تتعداها السيارات بجرأة متناهية، حتى تحت عيني رجل الشرطة المنهك، الذي يبدو من مظهره أنه لا حول له ولا قوة، ومعظم الشوارع، حتى الرئيسية منها، لا تحوى تلك الإشارات، مع أن وجودها في غاية الأهمية، حتى في الشوارع الجانبية. ونظرة إلى كورنيش العاصمة وإحصاء سريع لإشارات المرور على تقاطعاته المختلفة تؤكد تلك الملاحظة، ناهيك عن التكاتك التي خرجت من جحورها لترتع بحرية متناهية على كورنيش النيل وتتوقف عند محطات البنزين، لتحصل عليه بكل ثقة في غيبة تامة من رجال المرور، وناهيك أيضاً عن جحافل الميكروباصات التي تسابق الجميع وتزاحم الجميع بسائقيها من المتهورين. ومن الغريب أنه كلما تصاعدت الشكوى من حالة المرور في العاصمة تتصاعد معها الدعوة إلى المطالبة بقانون جديد للمرور يغلظ العقوبات ويعددها، مع أن قوانين المرور الموجودة بالفعل كثيرة ومتعددة، لكنها غير مفعلة وغير مطبقة، والشوارع غير مؤهلة لتفعيل تلك القوانين، حيث لا إشارات ولا إرشادات ولا تحذيرات ولا كاميرات مراقبة ولا تواجد حقيقي أو فعال لرجال المرور، ولا خطوط سير محددة للأتوبيسات ولا ممرات للمشاة، الموتوسيكلات تقفز على الأرصفة لتزاحم الناس الذين يفقدون أعصابهم كل يوم، بل كل دقيقة، وهم يصارعون للوصول إلى أعمالهم أو إلى بيوتهم، فما بالنا بسائح جاء إلينا كي يزور العاصمة المصرية بكل مقتنياتها من الآثار والمتاحف وحتى المقاهي، فلا يكاد يصل إليها عبر ساعات طويلة من الزحام والتكدس واللانظام وضياع الساعات في الشوارع المختنقة. قطعاً هناك حل، بل حلول كثيرة، رحمة بالعاصمة القديمة».
أزمة الإعلام المصري
وإلى أزمة الإعلام المصري التي عالجها عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» وطالب الدولة بالتدخل لمساعدة الإعلام الذي يشهد انهيارا مستمرا، لأن بريطانيا نفسها بدأت تهتم بمساعدة إعلامها وقال: «الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تضرب صناعة الإعلام المصري لا تخفى على أحد، لكن المفارقة أننا لسنا وحدنا الذين نعاني، الإعلام البريطاني يعاني المشكلة نفسها، لكن بالطبع هناك اختلافات ضخمة في الدرجة والشكل والمضمون. قبل أيام نشرت الصحف البريطانية مضمون تقرير في غاية الأهمية أعدته الباحثة الاقتصادية المرموقة فرانسيس كيرنكروس بتكليف رسمي من رئيسة الوزراء تريزا ماي، لماذا نهتم بهذا التقرير هنا؟ لسبب بسيط أنه يتشابه في بعض جوانبه مع أزمتنا ــ مع الفوارق المعروفة ــ وبالتالي يمكن أن ندرس التوصيات والحلول التي تم اقتراحها لحل الأزمة فربما تفيدنا في أزمتنا. تقرير «حال الإعلام البريطاني» استغرق إعداده عاما كاملا وشارك فيه خبراء من الصحافة الورقية والرقمية والإعلانية. أتمنى أن تدرس كل الجهات ذات الصلة بالإعلام في مصر سواء كانت حكومية أو خاصة أو حزبية أو أهلية هذا التقرير لنعرف، هل يمكن أن يفيدنا أم لا؟ وأسأل ما هي إمكانية أن تكلف الحكومة جهة قومية أو نقابة الصحافيين أو المجلس الأعلى للإعلام بإجراء دراسة مشابهة عن حال الإعلام في مصر، وما هي مشاكله الحقيقية؟ وكيف يمكن إصلاحه على أسس حقيقية ومستدامة وليست «ترقيعية»؟ إذا كانت بريطانيا بكل ما لديها من إعلام مهم يأتي في المرتبة الثانية بعد الإعلام الأمريكي، قد شكلت هذه اللجنة للخروج من الأزمة، فالمؤكد أننا أكثر احتياجا منهم، خصوصا أن حال إعلامنا لم يعد يخفى على أحد ولم يعد يسر إلا الأعداء والمتربصين والمتطرفين».
«غنيلها يا سيد»!
وفي «المصري اليوم» عاد محمد أمين للتحذير من انحدار مستوى الإعلام الرسمي والموازي، أي التابع أيضا للدولة وفشله في تغطية الأحداث الإرهابية الأخيرة، وإشغال المواطنين بقضايا تافهة قال عنها: «لا تسألوني كيف وصلنا إلى هذه الحال، أنتم تعرفون بالتأكيد في الليلة التي لم تجف فيها الدموع، وفي الليلة التي كنا نودع 15 شهيداً من خيرة الأبطال، كان الإعلام مشغولاً بالأسرار الكاملة لإلقاء «سيدة البلكونة» في الشارع، وكانت ريهام سعيد تقول لزوجها: «طب صالحها وغنيلها يا سيد»، ونسي الجمهور دم الشهداء حتى سقط شهداء الدرب الأحمر أيضاً. ولم أشأ أن أعرف من الذي تورط في إلقاء سارة مجدي؟ إن كان زوجها أم أنها ألقت بنفسها؟ لم أفقد إيماني أبداً بهذا الوطن، ولم أفقد يقيني بقدرة أبنائه على إنقاذه، كان الإعلام البديل أكثر نشاطاً، وكانت التغطية على مدار اللحظة، صور وفيديوهات ومعلومات أسبق من تلفزيون الدولة، وإعلام الدولة الموازي، فالذين يصنفون كإعلاميين ليسوا كذلك، والذين ليسوا إعلاميين هم من يفهمون في الإعلام وانصرفنا عن الإعلام الرسمي والموازي، فمن الذي خطط لكي يكون الرأي العام في واد واهتمامات الوطن في واد آخر؟ من الذي وضع البرامج والخطط في هذا الشكل العقيم؟ متى يغير الإعلام خريطته إن لم يغيرها في لحظة سقوط الشهداء أو دخول الشرطة في معركة على بعد أمتار؟ فقد كانت الشرطة تخوض معركة مع الإرهابي في الدرب الأحمر عندما طلبت «ريهام» أن يغني سيد لزوجته ورفض. السؤال: كيف هان علينا إلقاء السلاح طواعية؟ هل رأيتم دولة يمكن أن تلقي سلاحها الإعلامي ثم تدخل حرباً هي في الأصل حرب فكرية وثقافية؟ في ليلة كانت «الصناديق» عائدة من الجبهة، ولم نتألم، كانت المذيعة تتحدث عن «سيدة البلكونة» وكانت تقول لزوجها: «غنيلها يا سيد».