يعمل التشكيلي العراقي منصور السعيد في تحولاته من خلال خاصية اللون المائي، وفق الكيفية التي عليها سطح اللوحة وحراك الذهن وطبيعة المحتوى (المعنى) عبر كيفيات تشتغل من أجل حراك الأشكال والحيوات، واتخاذها هيئات ذات تخطيطات متحركة، معتمدة على الحس الموسيقي حصراً، بحيث تكون في وجودها البنيوي على السطح أكثر فاعلية في استنباط بنية جديدة، عبر كسر الأنماط، أو لنقل إنه يعمل على الانزياح في الشكل، لخلق انزياح في الدلالة.
هذا ما يخص حصراً حركة الحيوات، أما في اللون كصيغة تمثيل للون في الطبيعة، فهو كما يبدو لنا كثير التلقائية في ترك اللون يتحرك لصياغة ذاته، مغادراً موقعه في الطبيعة، نحو موقعه القار على السطح. وهذا يعني من جملة ما يعنيه، أن اللون في الطبيعة شيء واللون على السطح شيء آخر. فالتمثيل لا يعني النقل والبهرجة التي تحفل بها الألوان، بقدر ما تتم صياغة لون اللوحة ذي الخاصيات الذاتية وليس المنقول. هذا المنهج في خلق حيوات السطح، يعني امتلاك القدرة على التحكم في نقل شعرية اللون الخام نحو الشعرية في مجال اللوحة، والتعامل معها بتلقائية مدروسة ذاتياً. ونعني بالتعامل مع اللون، وفق ذات قادرة على الفرز وإمكانية تشكيل النمط الآخر، أي لا يغُيب نمط الشعري للون، لأنه الأساس في خلق لون السطح. ليس بعيداً بمنأى عن اللون في الطبيعة، بقدر ما يكون نوعاً من التفاعل بين (طبيعة + ذات + سطح) خصوصاً أننا إزاء خلق عالم جديد يعبر بجدارة عن المعاني في الوجود. وفلسفياً يتخذ الفنان موقفاً جمالياً من الظواهر، لكن بأسلوب وكيفيات فنية عالية، متخذاً من جدلية الطبيعة، مع عناصرها المكونة للوجود ركيزة أساسية تُحدد طبيعة التعامل، تنبذ المباشرة والجاهزية باتجاه الجمالية. من هنا يمكننا القول إن منصور السعيد يتدخل مع حركة الخط واللون المائي عبر رؤيته الموسيقية وتشكلاته الهرمونية. ونستطيع اجتراح عبارة (موسقة اللون) كتعبير عن وعينا لمشتغلاته، وخلقه علاقات متنامية دائماً. فاللون كما يراه في الطبيعة متنامياً ومتوائماً، وإزاء هذا العمق الدلالي للون في الطبيعة، نجده يعيد صياغته في اللوحة وفق منظور ما يراه هو، وما يُدركه لاوعيه الخالق للأشياء. فدرجة اللون وحركته، وتجاور خصائصه شأن فني خالص. إذ لا يمكن بمنطق الفنان أن يُعاد نقل الأشياء من الطبيعة، أو رسمها كما هي محددة من وعي أعلى ضمن نظام الكون، وإنما تتداخل في إعادة صياغته رؤى جديدة ذات معرفة بقدرة اللون على التحول. من هنا نجد أن التحولات عند الفنان تساير المتغير المعرفي. وهي نوع من الدأب في فهم العلاقات اللونية والخطية، فهي تنتمي إلى جدلية صياغة محتوى اللوحة

منصور السعيد
منطق مسار اللون
للون في لوحات منصور السعيد منطق قار، يفتح له آفاقا جديدة في كل ممارسة كما ذكرنا، لكنه يتمسك بحقيقة استنبطها ذهنه الفني، عبر مجمل أعماله التي أتيحت لنا فرصة مشاهدتها وفحصها عبر المنهج المقارن، وتتلخص في رؤيته الذاتية للون حصراً، إذ نجده يعود به تارة أخرى، لا من أجل استكمال صيرورته، بقدر ما يمنحه حركة انسيابية، ورشاقة واضحة مستدامة. وهنا لا بد من التأكيد على انسيابية اللون في لوحاته، أي انسكابه بجمالية خالصة، فمسار اللون في لوحاته، يقترب من جريان الماء في الأنهار بهدوء، تلك الشفافية اللونية التي يخلقها ويصوغ تشكلها الماء لذاته، يستلها الفنان على أنها صيغة جمالية وأسلوب في التعامل، فيأخذ بالشفافية والانحناء في الخطوط ودرجة الميل الدقيقة، والتدافع ذي المنطق الشعري في العلاقة. فهو إنما يتعامل مع جسد بصيغة الماء، والماء بصيغة اللون، خاصة التعامل مع الجسد، ينحو به لونياً بمنطق الرؤى الصوفية، من خلال موجوداته وشفافية الحلم الذي يفوق المرئي. إنها حالة من التوافق بين الرؤى الموضوعية والرؤى الصوفية اللون، بما يؤدي ويقود إلى التبدل عبر تغيير الحركة في اللون ذاته. اللون يخبئ الخطوط قدر ما تُتيح الرؤى عند الفنان، فتندمج حافات الشكل مع حافات الخط بشفافية لا تُلغي وجود كل منهما، بل إن ما يراه المرء عبارة عن ضرب من جدران تتواءم مع بعضها بشفافية الحلم، شفافية تُلغي السبب والنتيجة، إذ تصبح اللوحة نتيجة واحدة، يتحكم فيها اللون بشفافيته. فالحلم طيف من الشفافية الخالصة، بعيداً عن العلاقات الاجتماعية المختلطة، فهو صيغة لواقع مرتقب. الفنان هنا حين يمزج بين شفافية الحلم، وشفافية حلم الطبيعة، إنما يضع اللون كقاسم مشترك لصياغاته، ولنعد إلى التماثل مع مياه النهر؛ فهو يستفيد من كل ما يأتي به المرئي، الانسياب الطولي، والأفقي، السقوط والصعود. هذه المجموعة من الحراك الشفاف، تولد مجازات هي أقرب إلى الشعر في تلونه وتمثيله للواقع المرئي واللامرئي، من خلال شعرية الذات وقدرتها على صياغة صورة جديدة لصورة الواقع باستثناء مثير. فاللون في لوحته، من خلال علاقاته الأبستمولوجية للجسد تُولد نوعا من الجمالية، بسبب مرونة التعامل مع اللون أساساً، فتلقائية التعامل تخلق تلقائية في العلاقات داخل سطح اللوحة. وبهذا نجد ثمة علاقة أكثر شفافية بين الجسد واللون، تخلقها كما ذكرنا المرونة التي تُكسب الجسد صور متغيرة، وهيئات مثيرة تتجاوب مع حراك الأشياء في الطبيعة، كحركة الشجر، وشفافية الضباب والطيف الشمسي، وموسيقى الهواء والرياح الخفيفة. كل هذه مجموعة محكيات الطبيعة تسردها وترويها للفنان وهو بدوره يتمثلها بالأساليب التي يراها مناسبة لوعيه، وهو يُصغي بقصد استلال ما هو مؤثر في ذاته الفنية، فهو بهذا خالق لمعادل فني خالص، عبر رؤى واعية تكتسب الكيفية قبل النقل، فالذي يراه الفنان غير الذي يراه الإنسان المراقب، وهذه خاصية جينية عند الفنان، كما هي عند الشاعر. إن الفنان منصور يرسم الشعر بخطوطه المتماهية مع ألوانه.
الانطباعية والابتكار
لسنا بصدد الانطباعية كمنهج فني، لما لهذا التوجه من حس جمالي وشعور بأهمية الأمكنة وتأثيرها، وتوثيقاً لبنيات الزمان والمكان، وعلاقتها بالتراث العام والموروث الأسطوري والتراث الشعبي. في هذا الضرب من الفن يحرص منصور على توثيق الذاكرة الفردية والجمعية، كذلك اعتنى الفنان بالتحولات التي تطرأ على المشهد الفني، في ما يخص الذات والموضوع. في سياق اشتغاله بإعادة جُهده في مجال الانطباع الحاصل من المراقبة. فهو فنان متأثر بالمكان، وحصراً الأمكنة الشعبية، وبيئة المدينة بما تحمله من صور المقدس، التي تتطلب الحراك الدائم في ما نطلق عليه الدخول والخروج إلى المدينة. فهي مدينة مزارات وأضرحة. تأثر الفنان بمثل هذا التشكل، شأنه شأن الفنانين في المدينة ومنهم، فاضل طعمة، فاضل ضامد، عبد الأمير علوان، أياد زيني، جبار عبد الرضا، جبار مهدي، حسام محمد، رزاق الطويل، صاحب أحمد، عبد الأمير طعمة، عماد جواد، ثامر الشيباني، غير أن الذي يهم في هذا المجال هو التحول عند الفنان منصور، التحول الذي شمل نتاج الفنانين الآخرين. منصور اعتمد الكيفية في التحول لا بمعنى مارس الانزياح في الآلية المنبثقة من تحولات الرؤى، وحصراً في مجال اللون. التحول في اللون أضفى على الأمكنة جمالية خاصة، وسردية مختلفة. فالفنان الانطباعي يهتم بجمالية الشكل والمحتوى، من خلال الممارسة في إضفاء الضوء والظِل على التشكلات المكانية. ومن هذه الممارسة تبرز معالم المكان، سواء كانت السلبية أو الإيجابية، أي سريان الزمان على المكان.

شفافية اللون… وضوح الرؤى
الفنان معني بالكثافة اللونية، لكنه في هذا اعتمد الشفافية، من خلال الاشتقاق، ولعل دأبه في توثيق هيبة الأمكنة دفعه إلى مراعاة جدلية وجود المكان، والمكان التراثي، الذي شكّل عبر الأزمنة هُوية المدينة وطابعها القدسي، لذا نجد أن جُهد الفنان منصب على إعادة الصورة التي سرى عليها الزمن بواسطة المحو القسري. فألوانه تخبئ إشراقاتها ضمن المحتوى العام، أي ما يعنيه القصد من الاختيار للمَشاهِد. فهي وإن بدت عفوية، إلا أنها مدروسة، يفرضها العقل الباطن، متمثلاً في الذاكرة الفردية، التي تستلهم مفردات الذاكرة الجمعية، لأنه بصدد تاريخ سيري للمدينة، يهمه عمقها التراثي المتمثل في هويتها الذاتية، التي تعرضت للإزالة عبر الأزمنة، والتشييد العشوائي للأبنية والمعالم الجديدة، أي إلغاء عمارتها التراثية، الممثلة لهويتها. إن غياب المعالم الذاتية للمدينة، يعني اضمحلال ذاكرتها المكانية، التي يُحكي عنها التاريخ في قادم الزمان. إن انشغال الفنان هنا، بمثابة صرخة بوجه المدمِر للمكان، واستصراخ من أجل الإمساك بأضعف الإيمان هو استعادة الذاكرة عبر الفن التشكيلي.
تشكيلات منصور، تحاكي وتستجيب للأحلام، التي تُمسك ببقايا الأشياء قبل الزوال والاندثار، نحن إزاء أمكنة ؛ لم يبق لنا منها سوى استعادة صورتها عبر الفن والسرد والشعر، وأرى أن الفنان إنما ساير مثل هذه الفكرة، أو النظرة للواقع والتاريخ والذاكرة، فأحسن الاختيار الذي يومئ إلى جدلية ممارسته لفنه عبر تحولات لافتة للنظر.
كاتب عراقي