باريس ـ «القدس العربي»: على الرغم من اجماع زعماء الدولـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على التنديد القوي بالهجوم الذي نفذته حركة حماس الفلسطينية، التي يصنفها الأوروبيون «جماعة إرهابية» يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، والذي أسفر عن مقتل نحو 1400 شخص في إسرائيل، إلا أن المواقف داخل مؤسسات التكتل ودوله الأعضاء تشي بانقسامٌ داخل التكتل الأوروبي، بما في ذلك على المستويين السياسي والشعبي، لاسيما حيال طبيعة حجم الرد الإسرائيلي على غزة، والذي أودى، حتى الآن، بحياة أكثر من 4 آلاف شخص، بينهم العديد من النساء والأطفال.
الانقسام الأوروبي، ظهر بعد ما أثارت المفوضية الأوروبية جدلاً داخل التكتل بشأن مسألة تعليق المساعدات المالية المقدمة للفلسطينيين، حين أعلن المفوض الأوروبي المسؤول عن سياسة الجوار، أوليفر فارهيلي، أن المفوضية الأوروبية ستعلّق مساعدات بقيمة نحو 700 مليون يورو للفلسطينيين. لتردّ بعض الحكومات والبرلمانيين الأوروبيين بالتشديد على رفض الخطوة والمطالبة بعدم خلط الأمور. فسارعت السلطة التنفيذية الأوروبية إلى تغيير الموقف أو تصحيحه، حيث شدد رئيس الدبلوماسية الأوروبية جوزيب بوريل على أن الأمر على العكس من ذلك يتطلب موارد إضافية. قبل أن تعلن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بدورها، عن مضاعفة هذه المساعدات الإنسانية ثلاث مرات لتصل إلى 75 مليون يورو.
هذه الأخيرة (أورسولا فون دير لاين) كانت وراء الانقسام الثاني بعد التصريحات التي أدلت بها، يوم الجمعة 14 من الشهر الجاري، خلال زيارتها إلى إسرائيل، إذ شددت على «حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها ودعمها لها غير المشروط في حربها ضد حركة حماس بغزة». وهو ما لم يمر مرور الكرام داخل البرلمان الأوروبي، حيث طالتها انتقادات العديد من النواب الأوروبيين، لاسيما من اليسار، لعدم تشديدها للمسؤولين الإسرائيليين، في الوقت نفسه، على ضرورة الالتزام بـ«احترام القانون الدولي» في إطار ردّهم على حماس، معتبرين أن عدم قيامها بذلك يعطي انطباعاً بوجود «موقف أحادي الجانب من التّكتّل الأوروبي يتجاهل معاناة المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة». فمثلاً، قالت النائبة الأوروبية الفرنسية ناتالي لوازو إنها «لا تفهم أصلاً ما علاقة رئيسة المفوضية الأوروبية بالسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي التي هي ليست مكلفة بها» وردّ عليها الناطق باسم المفوضية أريك مامر، بالتّشديد على أنه من حق فون دير لايين «السفر إلى حيث تشاء» قائلا، في الوقت نفسه، إنه «لا يتذكّر أن أحداً انتقد رئيسة المفوضية الأوروبية حين توجهت إلى أوكرانيا بعد بدء الحرب».
في محاولة لوضع حد للجدل والمواقف المتباينة ثم توحيد الموقف الأوروبي حيال التطورات في غزة وإسرائيل، دعا رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشيل، الذي بدا وكأنه غير راض هو الآخر على تصريحات زميلته رئيسة المفوضية الأوروبية في إسرائيل، دعا إلى اجتماع طارئ عبر الفيديو يوم 17 من الشهر الجاري، مطالباً القادة الأوروبيين بـ«التماسك» في رد فعلهم حيال الحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس، بعد الفوضى على هذا الصعيد. وقد خرج الاجتماع ببيان مشترك أكد فيه رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي «على دعمهم لإسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها في ظل الاحترام الكامل للقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي». على المنوال نفسه، تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل ذلك، داعياً إسرائيل إلى رد «قوي وعادل» على هجوم حماس يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري. وأضاف القول: «لإسرائيل الحق بالدفاع عن نفسها من خلال القضاء على التنظيمات الإرهابية بما فيها حماس، من خلال ضربات دقيقة لكن مع الحفاظ على التجمعات المدنية لأن هذا هو واجب الديمقراطية».
اليسار الراديكالي والتغريد خارج السرب
وسط الاتجاه العام في أوروبا شعبياً وسياسياً وإعلامياً الداعم لإسرائيل وحقّها في الدفاع عن نفسها والمحمّل لحركة حماس المصنفة «تنظيماً إرهابياً» من الاتحاد الأوروبي مسؤولية ما يحدث في غزة اليوم، ثمة بعض الأصوات القليلة في أوروبا الرافضة لهذا الموقف. فعلى الصعيد السياسي، اتّخذ زعيم اليسار الراديكالي الفرنسي جان ليك ميلاشنون وعددٌ من البرلمانيين عن حزبه «فرنسا الأبية» موقفاً مناقضاً لموقف جميع الطيف السياسي الفرنسي، حيث رفض وصف حركة حماس بأنها «جماعة إرهابية» بعد الهجوم الذي شنته على إسرائيل، معتبراً أن «كلّ أعمال العنف التي أطلقت ضد إسرائيل وفي غزة تثبت شيئا واحدا فقط وهو أن العنف يولّد العنف» داعيا إلى وقف إطلاق النار. من جانبها، اعتبرت النائبة البرلمانية في الحزب دانيال أوبونو أن حركة حماس هي «مجموعة سياسية إسلامية تقاوم الاحتلال من أجل تحرير فلسطين» الأمر الذي فتح عليها باب الانتقادات اللاذعة على غرار ميلانشون، ودفع وزير الداخلية جيرار دارمانان إلى الدعوة إلى فتح تحقيق جنائي بحقها بشبهة «تمجيد الإرهاب». وأيضا، وصف المغني الفرنسي اليهودي المعروف انركيو ماسياس، قياديي حركة «فرنسا الأبية» بأنهم «متواطئون» مع حركة حماس، داعيا إلى «محوهم وربما حتى جسديا». وبسبب موقف «فرنسا الأبية» حيال الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، علق الحزب الاشتراكي الفرنسي مشاركته في تحالف اليسار. وأمام هذا الشّرخ السياسي الداخلي، حث الرئيس إيمانويل ماكرون الفرنسيين «على البقاء متحدين والامتناع عن جلب الصراع بين إسرائيل وحماس إلى بلدهم».
محاولة إبادة جماعية في غزة
وفي إسبانيا، هي الأخرى، رفض حزب «بوديموس» اليسار الراديكالي، المشارك في حكومة بيدرو سانشيز الائتلافية، إدانة هجوم حماس على إسرائيل، مندداً، في المقابل، بالأعمال الانتقامية الإسرائيلية على قطاع غزة. وذهبت إيوني بيلارا، وزيرة الحقوق الاجتماعية المنتمية، المنتمية إلى الحزب، إلى حد مطالبة حكومة بلادها بتقديم شكوى ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب «جرائم حرب» كجزء من «محاولة إبادة جماعية في غزة». الأمر الذي تسبب بأزمة دبلوماسية «خاطفة» حيث نددت السفارة الإسرائيلية لدى مدريد بالتصريحات «غير الأخلاقية للوزراء الإسبان المنتمين إلى اليسار الراديكالي الذين قرروا الوقوف في صفّ الإرهاب» على حد تعبيرها. فردّ وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بالتوضيح، قائلاً: «في كل حكومة هناك حساسيات مختلفة. لكن بالنسبة للسياسة الخارجية هناك صوتان فقط: صوت رئيس الوزراء وصوت وزير الخارجية».
حظر المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين
في خضم ذلك، اتّسعت رقعة المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين تدريجياً في أوروبا، على غرار ما هو حاصل في العديد من العواصم حول العالم، على الرغم من أنها تثير جدلاً في معظم البلدان الأوروبية، والتي اتّخذت حكوماتها خطوات لتعزيز أمن الجاليات اليهودية. ففي ألمانيا وفرنسا ذهبت السلطات إلى إصدار قرارات بحظر المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، بحجة أنها «من المرجح أن تخل بالنظام العام» وإن كان ذلك لم يمنع من خروج البعض في مدن فرنسية كمرسيليا وليون باريس في مظاهرات استخدمت فيها الشرطة الفرنسية الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه لتفريقها. لكن مجلس الدولة، أعلى سلطة قضائية إدارية في فرنسا، رفض بعد ذلك، «الحظر الممنهج» للمظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في فرنسا، قائلا إن الأمر متروكٌ لتقدير السلطات الإدارية المحلية وحدها.
مجزرة مستشفى المعمداني
عقب المجرة التي حصلت جراء قصف مستشفى المعمداني في حي الزيتون جنوب غزة، مساء الثلاثاء الماضي، والذي راح ضحيته 500 مدني بينهم العديد من الأطفال، حاولت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصحيح موقفها، حيث أكدت، خلال كلمة لها في البرلمان الأوروبي، «ألا شيء» يمكن أن يبرر «قصف مستشفى مكتظ بالمدنيين» منددة بالمشاهد «المروعة» في الموقع. وشددت على حق إسرائيل في «الدفاع عن نفسها» موضحة أن ذلك يجب أن يتم «وفقا للقانون الدولي» وهو توضيح لم تذكره خلال زيارتها لإسرائيل وفتح عليها باب انتقادات عدد من النواب الأوروبيين. بدروه، قال رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال إن استهداف المنشآت المدنية ينتهك القانون الدولي. في حين، عبر مسؤول العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل عن أسفه لأن «المدنيين الأبرياء يدفعون مرة أخرى الثمن الباهظ» مشددا على أن الحروب «تستند إلى قواعد دولية، وأن قطع المياه والإمدادات الأساسية عن السكان لا يتوافق مع قانون الحرب». وأتت الإدانة أيضا من الغالبية العظمى لرؤساء دول وحكومات البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، في مقدمتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني أولاف. هذا الأخير، زار مصر وإسرائيل، يوم 17 من الشهر الجاري، حيث أكد من القاهرة أنه أتى للبحث عن طرق «للقيام بشيء ما حيال المعاناة الإنسانية» موضحا أنه برلين تعمل مع شركائها وحلفائها لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة في أسرع وقت ممكن، بما فيها الماء والغذاء والدواء. كما حذر المستشار الألماني من حدوث تصعيد آخر في النزاع بالشرق الأوسط، وطالب بإطلاق سراح الرهائن المحتجزين لدى حماس في قطاع غزة دون أية شروط مسبقة، وأكد أيضا على الأهمية الكبيرة للمساعدات الإنسانية لسكان قطاع غزة، «الذين هم أيضا ضحايا ورهائن لحماس». من جانبه، أعلن الرئيس الفرنسي أنه سيتوجه إلى منطقة الشرق الأوسط، قائلاً: «رغبتي هي أن نتمكن من السفر إلى هناك عندما نتمكن من التوصل إلى اتفاق ملموس، إما بشأن عدم التصعيد أو بشأن القضايا الإنسانية».
في غضون ذلك، عقد تشارلز ميشيل، رئيس المجلس الأوروبي، وأورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، قمةً مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، يوم الجمعة في البيت الأبيض، حاول خلالها الجانبين إظهار جبهة أوروبية أمريكية موحدة حيال الحربين في غزة وأوكرانيا. وكما فعل جو بايدن، ربطت أورسولا فون دير لاين الحرب بين روسيا وأوكرانيا والحرب بين حماس وإسرائيل، قائلة: «إن هاتين الأزمتين، على الرغم من اختلافهما، فإنهما تدعوان أوروبا والولايات المتحدة إلى اتخاذ موقف حاسم لحماية ديمقراطياتنا». كما يسعى الأوروبيون والأميريكيون أيضاً إلى تجنب فتح جبهة ثانية بين إسرائيل حزب الله اللبناني، وما هو أبعد من ذلك، التصعيد الإقليمي الذي قد تكون له تداعيات لا يمكن التنبؤ بها. بهذا الخصوص، أوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن باريس بعثت رسائل «بشكل مباشر للغاية» إلى حزب الله اللبناني من أجل ثنيه عن الدخول في النزاع بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، وذلك وسط تزايد تبادل القصف على الحدود الإسرائيلية اللبنانية.