بعد أكثر من عام على انقلاب الجيش السوداني الذي أطاح بالحكومة الانتقالية في تشرين الأول/أكتوبر 2021 وقعت أطراف مدنية وعسكرية بالقصر الرئاسي بالخرطوم، يوم الاثنين الماضي، اتفاقاً إطارياً من شأنه أن يُفضي إلى تشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية، حال توقيع اتفاق نهائي خلال الأسابيع المقبلة.
يضم الاتفاق الموقع مع الجيش والذي يستند على وثيقة الدستور الانتقالي التي اقترحتها نقابة المحامين السودانيين في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، قوى الحرية والتغيير، ومجموعة كيانات ونقابات وأحزاب، بالإضافة إلى ثلاث حركات مسلحة.
ومع أن الاتفاق وجد مباركة إقليمية ودولية وأممية واسعة، إلا أنه في المقابل، يواجه معارضة داخلية كبيرة، حيث تتفق قوى سياسية وعسكرية ومهنية، من أقصى اليسار، مروراً بالوسط، إلى أقصى اليمين على رفضه، لأسباب مختلفة، معتبرةً أنه اتفاق ثنائي إقصائي بالنسبة للحركات المسلحة والإسلاميين والحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بزعامة محمد عثمان الميرغني. أما بالنسبة للحزب الشيوعي وتجمع المهنيين وأطياف أخرى معارضة، فإنها ترى بأن الاتفاق يُعيد إنتاج الشراكة بين قوى الحرية والتغيير والجيش بالإضافة إلى شرعنة السلطة العسكرية الحاكمة، بجانب ابتعاده عن مصالح السودانيين. كما شددت لجان المقاومة أيضاً على رفضها القاطع للاتفاق قبل أن تصفه بـ«السلطة الزائفة».
ومع سيل هذه الانتقادات للاتفاق، إلا أن أطرافه الرئيسية، سواء كان الجيش والدعم السريع من جهة، وقوى الحرية والتغيير والحركات المسلحة الموقعة عليه، من جهة أخرى، ترى أنه يحقق المطلوب منه ويعيد البلاد إلى نقطة التحول المدني الديمقراطي مرةً أخرى.
بالنسبة لقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) لا يُعد الاتفاق الإطاري جيداً وحسب، بل مضى إلى أبعد من ذلك في كلمته خلال الاحتفال بمراسم توقيعه، عندما اعتبر انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر كان خطأ سياسياً. فيما اعتبر قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، أن الرافضين للاتفاق الإطاري قد تكون لديهم أجندة خارجية.
أما ممثل قوى الحرية، الواثق البرير، فقد قال في كلمته أثناء الاحتفال بتوقيع الاتفاق، إن الاتفاق غايته توحيد الشعب وبناء دولة الحكم المدني، مضيفاً أن «التوقيع يجيء في إطار إنهاء ظواهر الحكم الشمولي للأبد وتأسيس مسار انتقالي جديد أكثر فاعلية يقود البلاد لانتخابات تحقق السلام المستدام».
وتمثلت أهم بنود الاتفاق الإطاري الذي قوبل بانقسام داخلي قبولاً ورفضاً، في؛ أن يكون رئيس الدولة، هو القائد الأعلى للقوات العسكرية، واختيار رئيس وزراء من قبل قوى الثورة، وإجراء انتخابات عامة بنهاية الفترة الانتقالية المحددة بعامين، والتي تبدأ بعد توقيع الاتفاق النهائي.
أيضاً منح الاتفاق، رئيس الوزراء سلطة تعيين مدير جهاز المخابرات العامة، كما أكد على قيام جيش وطني موحد مهني، ودمج قوات الدعم السريع ضمن الجيش.
ونص كذلك، على تبعية قوات الأمن لوزارة الداخلية، والالتزام بمبدأ تجريم الانقلابات العسكرية، منع القوات العسكرية من ممارسة الأعمال الاستثمارية.
ومع ذلك، أجل الاتفاق النص على أبرز القضايا المثيرة للجدل، إلى حين توقيع الاتفاق النهائي، الذي لم يحدد موعده بعد.
والقضايا المؤجلة هي «العدالة، العدالة الانتقالية، إجراء تعديلات على اتفاق السلام 2020 وتفاصيل الإصلاح الأمني والعسكري، وإزالة تمكين النظام السابق». بالنسبة للجان المقاومة قائدة الاحتجاجات في البلاد، فإن القضايا المؤجلة تمثل مطالبها الرئيسية، وقد خرجت في تظاهرتين توجهتا صوب القصر الرئاسي بالخرطوم تنديداً بالاتفاق. الأولى؛ تزامنت مع يوم توقيعه والثانية كانت يوم الخميس، تحت شعار «لا للسلطة الزائفة» في إشارة إلى أن الاتفاق يأتي لشرعنة السلطة العسكرية الحاكمة.
بالنسبة للجان المقاومة، هناك أسباب أخرى تعضد رفضها للاتفاق الإطاري، يتمثل ذلك في العنف الأمني الموجه ضدها، ففي تظاهرات يوم الخميس أصيب العشرات على أيدي قوات الأمن، بعد أيام فقط من وصول المدنيين والجيش إلى اتفاق مبدئي.
الرفض السياسي للاتفاق تصدره داخل معسكر مؤيدي الانقلاب، رئيس حركة جيش تحرير السودان، مني أركو مناوي من خلال تغريدة كتبها على حسابه الرسمي بموقع تويتر أشار فيها إلى أسباب انفصال جنوب السودان عن السودان، وملمحاً إلى أنه فرض فرضاً.
وقال مناوي «الاتفاق الإقصائي الذي فُرض على المجلس المركزي والمكون العسكري، إن لم يع موقعوه سيكون خطاً فاصلاً بين الوحدة الدائمة والمؤقتة، مثلما حدث في اتفاق أديس أبابا، حينما وصف النميري الاتفاق بأنه (لا قرآن ولا كتاب مقدس) وأصبح الاتفاق فاصلا تاريخيا انتهى بانفصال السودان بعد عشرين عاما فقط».
وفي عام 1972 عقد الرئيس المخلوع، جعفر نميري وحركات متمردة في جنوب السودان اتفاق أديس أبابا الذي أنهى نحو عقدين من الحرب الأهلية في البلاد. ولكن، لاحقاً عاد نميري وألغى الاتفاق من جانبه، قبل أن يندلع تمرد جديد في الجنوب عام 1983 أفضى اتفاق نيفاشا في نهاية المطاف الموقع عام 2005 إلى استقلال جنوب السودان في عام 2011.
وفي سياق الرفض، اتفق رئيس حركة العدل والمساواة، جبريل إبراهيم مع مناوي، في أن الاتفاق الإطاري، هو اتفاق ثنائي إقصائي.
وقال إنه بعيد كل البعد عن الوفاق الوطني الذي يحقق استقرار الفترة الانتقالية ولا يفضي إلى انتخابات حرة نزيهة في المستقبل المأمول. مضيفاً في تغريدة على حسابه بموقع تويتر «الرهان على المجلس المركزي لتحقيق التحول الديمقراطي رهان خاسر لأن فاقد الشيء لا يعطيه» وفق تعبيره.
وينضوي مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم في تحالف الكتلة الديمقراطية الذي يتزعمه نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل) جعفر الميرغني، والذي يضم أيضاً جماعات سياسية أخرى، بمن فيهم الزعيم الأهلي بشرق السودان، محمد الأمين سيد ترك.
ورغم اجتماع هذه الكتلة في تحالف مشترك، إلا أن مصدر مطلع بإحدى الحركات المسلحة المنضوية في التحالف، قال لـ«القدس العربي» إن التوجه الحالي للحركات يضر بمصالحها على رأسها تنفيذ اتفاق السلام.
وأوضح أن بعض مكونات الحركات، تعتقد أن موقف قادتها، يفتقد للوعي السياسي وفيه تعنت كبير، بالإضافة إلى أن الأحزاب التي تحالفوا معها ليست محل اهتمام سياسي بالنسبة إليهم.
وعاد المصدر وشدد على أن حركتي جيش تحرير السودان والعدل والمساواة ستوقع على الاتفاق في نهاية المطاف.
ويدلل على حديث المصدر تصريحات أدلى بها متحدث باسم الكتلة الديمقراطية في أعقاب اجتماعهم مع قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي» قبل يوم من توقيع الاتفاق الإطاري.
قال السكرتير العام للحرية والتغيير الكتلة الديمقراطية،عمر عثمان، إن حميدتي أكد خلال الاجتماع، على ضرورة أن يتم التواصل بين الكتلة الديمقراطية والمجلس المركزي وبقية الأطراف الموقعة على وثيقة الاتفاق الإطاري. وأضاف قائلاً «اتفقنا والتزمنا مع بعضنا وسوف نتواصل للتشاور مع إخوتنا في الحرية والتغيير المجلس المركزي، حتى نصل إلى رؤية مشتركة ترضي الجميع وتخلق تسوية حقيقية تحقق الاستقرار للبلاد».
وأشار إلى وجود تواصل مع بعض القوى داخل الحرية والتغيير المجلس المركزي، وأنه سيتم التواصل معهم من أجل الوصول إلى رؤية مشتركة. وتابع «سيتم الاتفاق على تسوية تجمع كل الأطراف وسوف يتم التوقيع بصورة كاملة».
بينما يرفض الإسلاميون الذين تشظوا بعد الثورة السودانية، الاتفاق الإطاري، من منطلقات عديدة، فبالإضافة إلى تقاربهم مع الجيش في أعقاب الانقلاب، فإنهم يتخوفون من إعادة مصادرة ممتلكاتهم وواجهاتهم في حال عادت قوى الحرية والتغيير إلى السلطة مرة أخرى.
وفي أعقاب إعلان قائد الجيش في 4 تموز/يوليو الماضي خروج المؤسسة العسكرية من العملية التفاوضية التي ترعاها الآلية الثلاثية ودول الرباعية من جهة أخرى، سرعان ما خرج الإسلاميون إلى واجهة المشهد السياسي عبر مبادرة رجل الدين الصوفي، الطيب الجد، (نداء أهل السودان) على أمل ضمان وجودهم في أية مساومة سياسية مستقبلية.
غير أن حميدتي، سرعان ما وجه انتقادات للمبادرة، قبل أن يرحب بمبادرة قوى الحرية والتغيير التي أتت عبر الدستور الانتقالي الذي اقترحته نقابة المحامين السودانيين، إلى أن صار أساساً للعملية السياسية الحالية والتي تمخض منها الاتفاق الإطاري.
في أعقاب توقيع الاتفاق الإطاري وحديث حميدتي عن أن الانقلاب فتح الباب لعودة قوى الثورة المضادة على حد تعبيره، أصبحت الشقة واسعة أمام عودة الإسلاميين إلى الواجهة.
ومع ذلك، أبدى الإسلاميون، في مبادرة (نداء أهل السودان) رفضهم القاطع للاتفاق وأعلنوا أنهم سيعملون على إسقاطه.
في المقابل، أبدت الحركة الإسلامية والتي يعتبر حزب المؤتمر الوطني المحلول واجهتها الحزبية موقفاً رافضاً للاتفاق بطبيعة الحال. وبدا موقفها، حسب بيان أصدرته بمناسبة توقيع الاتفاق الإطاري، غير واضح المعالم، وأقرب إلى كونه انحناء لعاصفة الاتفاق مع تحذيره من إعادة مصادرة أموال وأصول الحركة.
في خضم عملية سياسية تجد دعماً خارجياً كبيراً، يأمل المؤيدون للاتفاق الإطاري أن يتم استيعاب القوى المسلحة الرافضة، حتى الآن للاتفاق، قبل توقيع الاتفاق النهائي الذي يؤدي إلى استعادة مسار التحول المدني الديمقراطي بالنسبة لهم. في المقابل، يبدو أن التيارات السياسية المتعددة الرافضة للاتفاق، بعيدة جداً من أن تكون جزءاً منه استثناء الكتلة الديمقراطية. وهؤلاء أعلنوا باكراً أنهم يعارضون الاتفاق ويعملون على إسقاطه، فاستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي بالنسبة لهم، تمر فقط عبر إسقاط السلطة العسكرية الحاكمة حالياً في السودان.