انقلاب المواقف على الأرض بعد الهجوم الأوكراني الأخير

صادق الطائي
حجم الخط
2

عندما شن الرئيس بوتين حربًا غير مبررة ضد أوكرانيا قبل أكثر من ستة أشهر، قلل بشكل كبير من استعداد الحكومات الغربية للانخراط في الصراع بين جارتين سوفيتيتين سابقتين، وقد رأى بعض الخبراء أن هذا التقدير الخاطئ ظهرت نتائجه بشكل واضح في 10 ايلول/سبتمبر الجاري، حيث حققت أوكرانيا أحد أكبر انتصاراتها حتى الآن عندما تم إطلاق هجومين رئيسيين في الشمال الشرقي والجنوب في محاولة فعالة لاستعادة الأراضي التي احتلها الجيش الروسي. التصريحات الرسمية الأوكرانية حول الهجوم الأخير جاءت على لسان عدد من القيادات الأوكرانية، إذ قال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن قوات بلاده استعادت 6000 كيلومتر مربع من الأراضي التي سيطرت عليها روسيا في جنوب وشرق البلاد. كما قال نائب وزير الدفاع الأوكراني، حنا ماليار، إن القتال لا يزال مستعرا في منطقة خاركيف شمال شرق أوكرانيا. وأضاف أن «الهدف هو تحرير منطقة خاركيف وما وراءها، أي جميع الأراضي التي تحتلها روسيا» وبين أن «القتال مستمر، ولا يزال من المبكر القول بأن السيطرة الكاملة على منطقة خاركيف قد تمت بالفعل. أن قوتنا تنبع من حقيقة أننا متحمسون للغاية، وقد خططنا بدقة للعمليات».
وقال وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكين للصحافيين في مكسيكو سيتي إن «القوات الأوكرانية أحرزت تقدمًا مهمًا في هجومها المضاد ضد القوات الروسية، رغم أنه من السابق لأوانه التنبؤ بالنتيجة. من الواضح أننا شهدنا تقدمًا كبيرًا من جانب الأوكرانيين، لا سيما في الشمال الشرقي، وهذا نتاج الدعم الذي قدمناه، ولكنه أولاً وقبل كل شيء نتاج شجاعة القوات المسلحة الأوكرانية ومرونتها في التحرك». وقد زعمت وزارة الدفاع الروسية يوم السبت 10 ايلول/سبتمبر أن ما أسمته «إعادة التجميع» تمت دون خسارة روسية، بينما كانت الخسائر الأوكرانية بالمقابل مقتل حوالي 4000 عسكري، وهي تأكيدات لا تدعمها الوقائع على الأرض. من جانبه قال المتحدث باسم الرئيس فلاديمير بوتين، دميتري بيسكوف، يوم الاثنين 12 ايلول/سبتمبر إن الحرب «ستستمر حتى تتحقق الأهداف التي تم تحديدها». ومع ذلك، من الصعب معرفة ما هي هذه الأهداف، وبالرغم من الانتكاسات، يصر الكرملين على أن الحرب ستستمر، وبالامكان توسيع نطاقها.
لقد ردت روسيا على الهجوم الأوكراني بشن ضربات مدفعية وصاروخية مكثفة، وقطعت إمدادات الكهرباء والمياه عن مدينة خاركيف، وألغيت 80 في المئة من المرافق التي كانت موجودة. ويبدو أن الرئيس بوتين فعل كل ما في وسعه لتجنب التعبئة العسكرية الإلزامية التي تخاطر بإثارة معارضة عامة أوسع للحرب، على الرغم من أن العديد من الخبراء العسكريين الروس يعتقدون أنه لا توجد طريقة لهزيمة أوكرانيا عسكريًا سوى إعلان التعبئة العامة، كما يعتقد البعض عدم استبعاد نشر سلاح دمار شامل في الحرب الأوكرانية، إلا أن العديد من الخبراء ما زالوا مصرين على تقليل المخاوف من قيام بوتين بذلك، لأنه سيدمر دعمه الدولي المتضائل وبشكل خاص من شركاء مهمين مثل الصين والهند.

الوضع المتشنج في روسيا

عندما أطلقت الألعاب النارية في سماء العاصمة الروسية احتفالًا بيوم مدينة موسكو يوم السبت 10 ايلول/سبتمبر، في تلك الليلة كان الفصيل المتشدد في إدارة بوتين المؤيد للحرب في أوكرانيا غاضبا، لانه كان مدركًا للحجم الفعلي لخسائر روسيا نتيجة الهجوم الأوكراني. لكن الرئيس فلاديمير بوتين بدا أصمًا بشكل مذهل، وحافظ على صمت واضح بشأن الانتكاسة العسكرية، على الرغم من أن أخبار الانسحاب بدأت تتسلل إلى وسائل الإعلام الحكومية. وبشكل سريالي إلى حد ما، شارك بوتين في افتتاح دولاب هواء فيريس العملاق في موسكو، وقال متفاخرا «لا يوجد شيء من هذا القبيل في أوروبا» وذكر بشكل عابر الصراع في أوكرانيا في خطابه، إذ أشار إلى «الجنود الذين يقاتلون من أجل حياة سلمية في الدونباس» ووجه تحية لأسر رفاق السلاح «الذين لقوا حتفهم، وضحوا بأرواحهم من أجل روسيا». المفارقة أن دولاب الهواء تعطل في غضون ساعات، وطالب الناس باسترداد قيمة التذاكر. لكن سرعان ما تم إصلاح فيريس، لكن يبدو إن إصلاح ما تعطل من إستراتيجية بوتين الحربية سيكون أصعب بكثير. الكثير من الضغوط باتت تشكل ازعاجا للرئيس بوتين الذي يتعرض لتدقيق متزايد على الرغم من حملة موسكو القمعية لانتقادات الحرب. إذ وقع نواب في البرلمان الروسي عن عدد من البلديات طلبا في الأيام الأخيرة لإقالة بوتين، وهي علامة نادرة على معارضة علنية في روسيا. وقال محللون إن معظم الروس العاديين لم يعودوا يهتمون كثيرًا بأخبار الحرب، وربما لم يكونوا على دراية بالتراجع الكبير. لكن إذا واجهت روسيا المزيد من الانتكاسات، فقد يزداد الغضب من المتشددين المؤيدين للحرب، وسيزداد الوعي العام، ومعه الضغط على بوتين.
يشير مايكل كوفمان، مدير الدراسات الروسية في مركز التحليلات البحرية ومقره أرلينغتون إلى أن «فلاديمير بوتين لديه بالتأكيد الإرادة على مواصلة هذه الحرب، لكنه كان يعمل إلى حد كبير تحت وهم أن الجيش الروسي كان يحقق الانتصارات وأنه سيفوز في النهاية». وأضاف كوفمان «كان العديد من الروس فاترين إلى حد ما فيما يتعلق بدعم الحرب، أو حتى عدم الاهتمام بها، حيث رأوا أن حياتهم لم تتأثر إلى حد كبير بتلك الحرب لأنهم يعتقدون أن أولادهم لن يتم إرسالهم للقتال، لكن ستتغير مواقف الناس بالتأكيد إذا علموا أن اولادهم سيتم إرسالهم لهذه المحرقة». وعلق عالم الاجتماع بوريس كاجارليتسكي على الوضع الروسي بالقول، إن نسبة تصل إلى 80 في المئة من الشعب الروسي تحول إلى كتلة من المخلصين (السلبيين) لحكم الرئيس بوتين، إذ اعتبروا أنفسهم خارج السياسة، وباتوا يركزون على حياتهم الخاصة، ويرون أن الحرب ليست من شأنهم». ويضيف كاجارليتسكي، أن «هؤلاء الناس لا يثقون بالتلفزيون الروسي، لكنهم لا يثقون بمعلومات شبكة الإنترنت أيضًا، لذا فإن الدعاية التلفزيونية لا تعمل معهم، ولكن أي نوع من الدعاية المناهضة للحرب أو خطاب المعارضة لا يعمل معهم أيضًا، لأنهم لا يشغلون بالهم بأي شيء له علاقة بالسياسة أو القضايا الاقتصادية أو القيم العامة أو أي شيء لا يؤثر عليهم بشكل مباشر». وأضاف أن هؤلاء المواطنين يبحثون في مواقع الإنترنت عن مقاطع فيديو عن صيد الأسماك والطهي وعروض الأزياء والحيوانات وما شابه ذلك. ليخرج بخلاصة يمكن أن تصف عهد بوتين مفادها: «المواطن الروسي الصالح اليوم هو المواطن السلبي، الذي لا يتورط في أي شيء.»
وقالت المحللة السياسية تاتيانا ستانوفايا، من مؤسسة مجموعة آر بوليتيك التحليلية، إنه حتى مع تصاعد الإخفاقات والضغط من اللوبي المتشدد المؤيد للحرب، كان بوتين مترددًا في المخاطرة بإثارة غضب الجماهير السلبية، لا سيما مع إشارة استطلاعات الرأي التي أظهرت تراجع الاهتمام بالحرب. بدلاً من ذلك، كان الكرملين يحافظ بعناية على رواية أنه لم تكن هناك حرب، إنما فقط «عملية عسكرية خاصة» حيث يتم التخطيط لكل شيء ويمكن أن تستمر الحياة، بالنسبة لمعظم الناس، كالمعتاد.
المواقف الأوروبية بعد الهجوم الأوكراني
لقد استهدفت روسيا إمدادات الغاز الطبيعي في القارة الأوروبية، حيث أغلقت خط أنابيب نورد ستريم 1 وتركت خط أنابيب رئيسيًا واحدًا فقط ينقل الغاز إلى أوروبا بأكملها رداً على العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا. ولا تزال آفاق الطاقة في جميع أنحاء أوروبا قاتمة إلى حد ما، ويتوقع المراقبون أن بوتين سيحاول دفع أوروبا إلى أقصى حدودها مع حلول فصل الشتاء في غضون أشهر قليلة.
وجاء في تقرير أعد بتكليف من الرئيس الأوكراني، وشارك في كتابته الأمين العام السابق لحلف الناتو، أندرس فوغ راسموسن «أن أقوى ضمان أمني لأوكرانيا يكمن في قدرتها على الدفاع عن نفسها ضد المعتدين. وللقيام بذلك تحتاج أوكرانيا إلى الموارد اللازمة للحفاظ على قوة دفاعية كبيرة قادرة على الصمود أمام القوات المسلحة والقوات شبه العسكرية التابعة للاتحاد الروسي، وهذا أمر يتطلب جهدًا على مدى عقود من الاستثمار المستمر في القاعدة الصناعية الدفاعية في أوكرانيا، ونقل أسلحة قابل للتطوير ودعم استخباراتي من الحلفاء، ومهام تدريبية مكثفة وتدريبات مشتركة بعلم الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي».
موقف ألمانيا، الدولة الأكبر في الاتحاد الأوروبي، من التغيرات التي أحدثها الهجوم الأوكراني على خاركيف بدا متذبذبا بشكل واضح، إذ صرحت وزيرة الدفاع الألمانية، كريستين لامبريخت، يوم الاثنين 12 ايلول/سبتمبر بالقول: «أن مكاسب أوكرانيا في ساحة المعركة لن تغير من رفض برلين تزويد الجيش الأوكراني بدبابات قتالية» وخلال زيارة إلى كييف، تعرضت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بربوك لضغوط من نظيرها الأوكراني دميترو كوليبا بشأن حاجة بلاده إلى دبابات قتالية. إذ رفضت بربوك تقديم أي التزامات فيما يتعلق بالدبابات، واكتفت بالقول إن حكومتها ما تزال في مداولات مكثفة بهذا الشأن.
لذلك قال رئيس الوزراء البولندي ماتيوز موراويكي لصحيفة دير شبيغل: «تردد برلين، وتقاعسها عن العمل، يثيران تساؤلات جدية حول القيمة والتحالف مع ألمانيا». وأضاف الزعيم البولندي، الذي كانت بلاده من بين أكثر موردي الأسلحة سخاءً لأوكرانيا، أن «العديد من القادة الحكوميين الآخرين في أوروبا يشاطرونه الرأي». في الواقع، قامت ألمانيا بتسليم أسلحة ثقيلة إلى أوكرانيا، بما في ذلك 10 مدافع هاوتزر وأنظمة مضادة للطائرات وأسلحة دفاعية أخرى بشكل أساسي. ويشير المتابعون إلى أن المساعدة العسكرية الألمانية بلغت 1.2 مليار يورو حتى منتصف آب/أغسطس الماضي. وبالمقارنة، التزمت الولايات المتحدة بنحو 25 مليار يورو كمساعدات عسكرية لأوكرانيا.
وتعاملت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن بشكل عام مع برلين بقفازات حريرية، لكنها بدأت مؤخرا بالتحول إلى نبرة أكثر قوة. إذ قالت آمي جوتمان، سفيرة الولايات المتحدة في برلين، للتلفزيون الألماني: «بقدر ما أنا معجبة وأثني على كل ما تفعله ألمانيا، لكني أقول يجب أن نفعل المزيد» مضيفة أن «السلام والازدهار الخاصين بالغرب على المحك».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية