اهتراء التفاهم

حجم الخط
12

التفاهم الذي نعنيه في هذا المقال ليس شيئا مرتبطا بحسن تحصيل المستمع للأقوال التي يتقاسمها مع غيره في سياق تواصليّ معلوم فقط، بل يعني أيضا الاتفاق في الأفكار، وسوف نبيّن كيف أنّ العنصرين يترابطان.
حين أقول لصديق بعد أن خسر فريقنا المشترك لكرة القدم مباراة مهمّة (خسرنا خسارة مُذلّة) ويجيبني فيقول: (خسرنا معركة ولم نخسر الحرب) فإنّ التفاهم بمعناه الأوّل هو أن يفهم عنّي صديقي ما أقول وأفهم عنه ما يقول. والتفاهم بالمعنى الثاني، يتعلق بتقاسم الأفكار نفسها أي أن يشاركني صديقي لا في معنى الخسارة فذلك من المحصّل الحادث؛ بل في كون تلك الخسارة مذلة. فالإذلال الذي يصحب الخسارة هو معنى ليس صديقي مضطرا لأن يقاسمني فيه.
من جهة أخرى، فإنّ التفاهم درجات من جهة الجهد الإدراكي، الذي يبذله كل شخص من أجل أن يفهم كلام محاوره، حتى يفهم صديقي حديثي أعلاه سيبذل جهدا إدراكيا كي يفهمني وسأبذل جهدا كي أفهمه، لكنّ جهده الذي سيبذله سيكون أقل من جهدي، فأنا أتحدّث عن أشياء عادية حدثت ويعرف هو حيثياتها وهي، خسارة الفريق الذي نشجعه معا، ويعرف ما معنى أن تكون الخسارة قاسية. لكنّ قوله (خسرنا المعركة…) تتطلب مني جهدا كبيرا لأفهم عنه ما يريد قوله: هل يريدني أن أفهم ما قال، إنّ لقاء العودة ما زال أمامنا ويمكن أن نتدارك؟ أم هل يعني أنّ فريقنا يظلّ في الترتيب المشرف، وأنّ هذه الخسارة لن تؤثر فيه؟ وهل يعني أنّ فريقنا الذي نشجّعه لا تهزه الهزائم، ما دام يلعب بروح عالية؟ ربما تنقل ذهني وأنا أبحث عن قصده بين هذا الفهم أو ذاك، لأنّ صديقي صاغ جوابه بشكل غير صريح، وعليّ أن أبحث استلزاماته، وهذا ما سيعسّر عليّ الفهم، وسيجعل نسبة التفاهم بيني وبينه أقلّ من نسبتها في حديثي المباشر إليه. ولو قال لي صديقي بدلا من جملته تلك جملة صريحة من نوع (سنربحهم في الجولة القادمة) أو (لن تؤثر هزيمتنا في الترتيب)، أو غير ذلك من الأقوال، فسيكون جهدي المبذول في الفهم أقلّ من جهدي الذي بذلته في قوله الأوّل؛ وسيكون التفاهم المحصّل أعلى درجة بيننا.
حين يتعلق الأمر بالتواصل، لا يوجد حدّ واحد بين التفاهم وعدم التفاهم، بل توجد أنواع كثيرة من التفاهمات المتحققة أو الفشل فيها. ويرتبط حدوث الفهم أوّلا عند كل طرف ثمّ حدوثه عند الطرف الثاني بحوسبة جيدة للمعاني في الذهن، حوسبة تقود إلى توصيل المعنى. حين أقول لصديقي في السياق نفسه (ربح الفريق المنافس ربحا عريضا: ستة يا رجلǃ) فأنا قد بنيت الوضعية بشكل آخر مركّزا على ربح الفريق المنافس ومؤكدا على عدد الأهداف المسجلة. وإذا أردت أن أقارن بين درجة التفاهم الحاصلة بهذه الجملة، والتفاهم الحاصل بالجملة الأولى، فإنّه لا بدّ أن أدخل عناصر تعبيرية، هي التي تصنع الخلاف بين الجملتين وستصنع الوعي بالخسارة بشكل تعبيري آخر. الشكل التعبيري المضمّن في القول هو أيضا من العناصر التي تصنع الفارق في درجة التفاهم. هناك فرق بين قولي خسارة مذلة/ وستة يا رجل من جهة المضمون التعبيري، والوقع التأثيري الذي ينبغي أن يُتلقّف في سياق التفاهم. الخسارة المذلة هي تقريرية الأسلوب، ويمكن أن تحمل، بالطريقة التي تلقى بها، انفعالا قد يتراوح بين الحزن والغضب، والتقريع وجلد الذات.. لكنّ قولي: ستة يا رجلǃ بما فيها من تعجب تحمل ضربا من الدهشة التي لم تصنعها الخسارة، بل صنعها عدد الأهداف المتقبلة في حالة من حالات الخسارة النادرة. لا يحدث التفاهم على المضامين فقط، بل يحدث أيضا حول المشاعر والأحاسيس التي تكسو تلك المضامين وهذه المشاعر يمكن أن تكون موضوع تفاهم أو اختلاف بالمعنى الثاني المحدد أعلاه للتفاهم.

كان أبو العلاء المعري يقول في سياق قريب: (فانفرد ما استطعت فالقائل الصــا/ دق يضحي ثقلا على الجلساء). تصوّر أنّك وأنت تسمع أحدهم يبالغ في وصف شيء ويسألك في سياق مجاملة (أليس كذلك؟) فتجيبه (لا ليس كذلكǃ) لن يكون الإشكال متعلقا بأنك تعرف أنّه ليس كذلك، وليس المشكل أنّه يعرف أيضا أنه ليس كذلك، بل المشكلة في أنّك لم تُدر لسانك في فمك مرات وصدعت بالحقيقة.

لنفترض أنّ صديقي الذي يشاركني حبّ الفريق الذي أشجعه لا يشاركني تصوّري حول اعتبار الهزيمة مذلة. ومن هذا الاعتبار يقول لي ما قاله من أنّ خسارة معركة لا تعني خسارة حرب. سيحدُث ضرب من ضروب صدّ الرأي وإنبات الجدل الذي يمكن أن يراكم في نفسيتي ضربا من النفور من مواصلة الحديث. سنكون متفاهمين بالنظر إلى ما يقوله كلّ منا، وغير متفاهمين حول ما يقوله كل طرف منّا. في كثير من اللهجات الحديثة كالتونسية، يستعمل لفظ (تفاهم) في معنى الانسجام العاطفي والفكريّ في علاقة معينة أهمها علاقات الأسرة وعلاقات الصداقة والعمل. ونحن نؤمن بأنّ قول التونسي عن زوجته (متفاهمين) أو نقيضها (ما ناش متفاهمين: لسنا متفاهمين) له صلة بالتفاهم التواصلي، رغم أنّ السياق الاستعمالي لا يوحي بذلك.
هناك مثل فلسفي عامي يقول: البلاء موكّل بالمنطق. والمنطق هنا يعني مصدر النطق بمعنى اللسان، ويعنى به أنّ أكثر البلاء يأتي الإنسان من كلامه. أكثر ما تكون الخصومات كلامية وتصير إلى عداوة، وهذا يعني أنّ للكلام طابعا انفعاليا سلوكيا مدمّرا في أحيان كثيرة، ويؤدّي إلى ما لا تحمد عقباه. حين يقول لي صديقي في سياق تخاطب بسيط عن خسارة الفريق (خسرنا معركة..) وأجد عسرا في فهم ما يقصد؛ وحين يظلّ يجيبني بأسلوب ملغز غامض في المواضيع التافهة واليومية التي نتشارك فيها بالتواصل، فإنّي – ولميلي إلى الكسل الذهنيّ- قد أتجنب الحديث معه وأتحاشاه، فقط لأنّي أقول له الكلام بوضوح فيعيده عليّ بقلة الوضوح. فعن أيّ معركة وأيّ حرب يتحدث لو تعلق الأمر بكلمة واحدة لفهمت على سبيل التقريب استعاريّته: إنّ اللعبة هي معركة، أو هي حرب لكنّه استعمل العبارتين معا فعليّ أن أبحث عمّا يناسبهما في سياق الحديث عن فريقي وخسارته.
كان أبو العلاء المعري يقول في سياق قريب: (فانفرد ما استطعت فالقائل الصــا/ دق يضحي ثقلا على الجلساء). تصوّر أنّك وأنت تسمع أحدهم يبالغ في وصف شيء ويسألك في سياق مجاملة (أليس كذلك؟) فتجيبه (لا ليس كذلكǃ) لن يكون الإشكال متعلقا بأنك تعرف أنّه ليس كذلك، وليس المشكل أنّه يعرف أيضا أنه ليس كذلك، بل المشكلة في أنّك لم تُدر لسانك في فمك مرات وصدعت بالحقيقة.
إنّ التربية على العيش المشترك تقتضي التّفاهم لا في معناه الأوّل فقط، بل في معناه الثاني أيضا. التفاهم في معناه الأوّل هو إدراك للقول واستيعاب لمضامينه الصحيحة والتفاهم في معناه الثاني هو إدراك للوضعية التي قيل فيها القول كما قيل، واختيار لأنسب طرق التعايش السليم. بعبارة أخرى حين أقول لصديقي: (إنّ الخسارة مذلة)، فأنا أنتظر منه ألاّ يفهم قولي فقط بل أنتظر منه أيضا أن يفهم الوضعية النفسيّة التي أنا عليها بعد الخسارة، ويصوغ جوابا واضحا ومنسجما مع ما انتظره منه من مواقف داعمة. في الحياة اليومية ولكي يكون التفاهم من طبقتين، أن يحدث انسجام نفسي في القول وفي إدراكه وفي التفاعل المطلوب منه.
حين يتحدث ياباني معي أنا الذي لا أفهم اليابانية، عليّ أن أجد وسيلة لكي أفهمه بها أني لا أفهم لسانه كأن أسأله بالإنكليزية: هل تتكلم الإنكليزية؟ أنا بهذا السؤال أبحث عن لغة وسيطة لنتفاهم. هناك في مستوى التفاهم حول الآراء والأفكار والعواطف منطقة وسطى بين مشاعرنا يمكن أن نحل بها معا ونتحاور: ما يصنع عسر التفاهم بيني وبين الياباني أن يظل يتكلم بلسانه وأتكلم بلساني وما يصنع عسر التفاهم بيني وبين من يخالفني أنّي أظل قابعا في دائرتي ويظل ماكثا في دائرته ولا ننتقل إلى دائرة تفاهم وسطي. هكذا يهترئ التفاهم: أن أظلّ أفهمك لفظا ومعنى ولكنّي لا أفهم لماذا لا تؤيّدني وتخالفني في كلّ مرّة.

 أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية