مرّت ثماني سنوات على رحيله (ولد في 11 ديسمير 1911، وتوفي في 30 آب/ اغسطس 2006) ومع ذلك ما فتئ نجيب محفوظ يحظى باهتمام بالغ من طرف العالم الناطق باللغة الاسبانية،وما إنفكّت رواياته تتوالى ترجماتها الى هذه اللغة، وتحتلّ يوما بعد يوم مكانة مرموقة في الأوساط الأدبية سواء في إسبانيا أوفي مختلف بلدان أمريكا اللاتينية.
كيف يرى النقاد الإسبان أوّلَ كاتب روائي مصري عانق جائزة نوبل العالمية ، وأصبح كاتبا مألوفا ومعروفا عندهم، يتهافت عليه القرّاء بلهفة وإعجاب وتشوّق وإنبهار..؟ ما هو سرّ الإنتشارالواسع الذي حظيت به أعماله في هذه الأصقاع التي تنأى عن الموطن الأصلي الذي كتبت فيه هذه الأعمال الإبداعية التي أوصلت صاحبها إلى أعلى تكريم أدبي في العالم…؟
زقاق المدقّ
يرى الناقد الإسباني «مانويل بيامور»:» أنّ أوّل ما يلاحظه قارئ «زقاق المدقّ « هو تعدّد وكثافة شخصياتها التي تطلّ عليه من بين سطورالرّواية . وتوحى له أنّ ما يقرأه هي أحداث واقعية يرويها راو عايش ولامس بالفعل ملابسات جميع أفراد شخصيات الرواية.
مردّ ذلك يؤول الى المقدرة الإبداعية الهائلة التي يتميّز بها نجيب محفوظ ، ذلك أنّ الحكايات اليومية العادية عنده تتحوّل الى مادة أدبية ثريّة آسرة، فأقلّ الأحداث وأبسطها تعالج في هذه الرواية بعمق تحليلي يثيرالفضول والتساؤل حول هذه النماذج البشرية التي يمكن أن توجد في أيّ بقعة من بقاع العالم .وهكذا يتحوّل القلم في يديه إلى مجهر يجسّد لنا به ذلك العالم الهائل المتنوّع الغارق في طيّات الزمن، ومجاهيل المكان الذي ليس من الضرورة أن يكون زقاقا من أزقّة القاهرة، بل أيّ مكان في العالم إجتمع فيه : الحبّ، والكراهية، والكسل،والصّبر،والفضول، والطموح، والإخفاق، والرغبة، والجشع، والسّوقية، والعجرفة، والإبتذال، والتواضع، والتسكّع، والهجران .. هذه النعوت والأوصاف نجدها مجسّدة في أناس يمثّلون شريحة اجتماعية سفلى في وسط معيّن مثل بائعة الخبز،والزّوج صاحب المقهى ، والحلاّق ، وبائع الحلويات الغليظ الجثّة..إلخ.
مقدرة المبدع الأصيلة لا تجعله يقتنص الشّخصيات المهمّة ليعكس لنا حقيقة العالم، بل يكتفي بزقاق ضيّق في قاع مدينة مّا ليقدّم لنا وصفا حيّا ودقيقا لنماذج بشرية ذات سمات مشتركة في مجتمع يمكن أن يحدث فيه أيّ شيء، وينتظر منه أيّ شئ . في هذه الرقعة الضيّقة نجد هذه الشخصيات التي تجذبنا إليها بقوّة بواسطة أحداث تبدو للوهلة الأولى وكأنّها ليست ذات معنى ، تتوالى وتترى الشّخصيات في سياق الحكيّ ، وكلما حاولت شخصية مّا ترسيخ خاصّية البطولة فيها لا تلبث أن تحلّ محلّها شخصية أخرى بفضل موهبة الكاتب .
أَدَبَانِ مُتَقاَرِبَان
ويشير نفس الناقد» أنّ قارئ رواية « زقاق المدقّ»: «يشعر وكأنّه أمام نوع من الأدب الجديد خاصّة بعد أن طفق جيلنا يتخلّص رويدا رويدا من رواسب حكايات موروثة شفويا تدور حول كلّ ما هو خيالى، وهمى، وحقيقى واقعى،وأسطورى خرافي،هذه الحكايات المتوارثة استحوذت على الذاكرة الشعبية لمدّة قرون . هذا النوّع من الأدب يخلق فينا متعة أدبية رائعة لا تفضي بنا فقط إلى كتابة رواية بليغة ليس لها وجود من قبل، وإنما هي أنشئت إنشاء مثل الرواية التي نحن بصددها .
إنّ أحداثا مثل طبيب الأسنان وشريكه وهما يضبطان متلبّسين بسرقة طاقم الأسنان لأحد الموتى حديثا،ووقائع أخرى في الرواية تبدو لنا وكأنّها قد إنتزعت إنتزاعا من أعمال «أرثيبريستي دى هيتا « (**) أو من إحدى الروايات الصعلوكية الإسبانية «.
ويضيف: « هذا الصّنف من الأدب لهو أقرب من الغرب وبشكل خاص من إسبانيا، أكثر من أيّ بلد آخر، الشيء الذي يبيّن بوضوح مدى تأثيره البليغ فينا، هذا التأثير الذى يكاد أن يصبح نسيا منسيّا في معظمه، إلاّ أنه في الواقع يقبع في أعماق آدابنا سواء في شبه الجزيرة الإيبيرية أو في بلدان أمريكا اللاتينية ،إنّ كلّ ما هو عربي بالخصوص له سمات وخصائص جدّ متشابهة ومتقاربة مع كلّ ما هو إسباني إبتداء من القرون الوسطى ثم في عصر النهضة «.
ويؤكد الناقد « أنّ هناك مظاهر مشتركة بيننا لا يمكن أن تقدّمها لنا آداب شرقية أخرى مثل الآداب الصينية أو الهندية ، أو اليابانية ، حيث لاعلاقة، ولا صلة لبلداننا بها . وهذا أمر غريب ومثير وغير مفهوم بالنسبة للقرّاء الغربيين.كما أنّ هناك نزعات إنسانية بإمكان المرء أن يقتل من أجلها، وهي فوق كل اعتبار، هذه النزعات أو الأهواء هي مدفوعة بشكل فطري، وهي تبيّن لنا مدى عمق وأبعاد وثقافة شخوص هذه الرواية مثل عبّاس، والحلاّق، وحميدة.. إلخ.
بين القصرين قصر الشوق والسكّرية
وترى الكاتبة المكسيكية «نعيمة أتاموروس» من جهتها :»أنّ نجيب محفوظ ما زال يحظى حتّى الآن باهتمامات الأوساط الأدبية في المكسيك وفي مختلف بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى على الرغم من حصوله على جائزة «نوبل « في الآداب عام 1988 ، ومن وفاته عام 2006». وتضيف الكاتبة: لقد تعرّفنا بواسطة كتاباته على كثير من العادات والتقاليد العربية ، بل إنّه نقل لنا صورا حيّة عن ذلك الشقّ النّائي من العالم . و روايته «السكّرية « على وجه الخصوص وهي آخر ثلاثية «بين القصرين» و»قصر الشوق» اعتبرت قمّة إبداعاته الأدبية».
وتقول الكاتبة المكسيكية في هذا الصدد :» إنّ «السكّرية» التي نشرت في القاهرة أوّل مرّة عام 1957 وهي تعالج الجيل الثالث لأسرة عبد الجواد ، نجد فيها الكثير من المظاهر السياسية، والإجتماعية في مصر بين 1935 -1944.وتضيف: إنّ صورة عبد الجواد وأسرته في هذه الرواية هي إنعكاس واضح و تصويردقيق للعديد من الأسرالمصرية التي عاشت في ذلك الوقت».
ويرى الكاتب المكسيكي» ألبرتو سانشيس « في هذا الشأن: «أنّ أدب نجيب محفوظ يتعمّق في إستكناه الكائن البشري ويحلّله تحليلا دقيقا أبعد ممّا يمكن أن يقوم به أيّ أخصّائي في علم الإجتماع أو أيّ مؤرّخ . إنّ ما كتبه محفوظ عن مدينة القاهرة يبدو وكانّه كتب عن مدينة مكسيكو سيتي، ذلك أنّنا واجدون في أعماله البحث الدائم عن الهويّة المصريّة بواسطة وصفه الدقيق للحياة اليومية في القاهرة ،كما أنه يتميّز في هذه الأعمال بدعوته الملحّة إلى التسامح الديني،والتعايش المسالم خاصة في روايته «أولاد حارتنا».
محفوظ والفنّ السابع
وبالإضافة إلى العناية الفائقة التي خصّت بها السينما المصرية أعمال الكاتب نجيب محفوظ في موطنه حيث أخرجت العديد من الأفلام إنطلاقا من نصوص رواياته على إختلافها ، فقد نقلت كذلك بعض أعماله الروائية إلى السينما خارج بلاده خاصة في العالم الناطق باللغة الإسبانية وعلى وجه التحديد في المكسيك ، وهكذا كان المخرج المكسيكي «خورخي فونس قد نقل»عام 1994 روايته» زقاق المدقّ» إلى السينما بعد إجراء تغيير طفيف على عنوان الفيلم باللغة الإسبانية حيث أصبح : «زقاق المعجزات «، وذلك حسب الترجمة التي وضعت لعنوان هذه الرّواية في اللغة الإسبانية . وقد جعل المخرج أحداث الرواية تتماشى وتتأقلم مع الوسط الشعبي المكسيكي، ولقد حصل هذا الفيلم على جائزة «غويا» السينمائية الإسبانية وهي أعلى وأرقى تكريم يمنح في عالم الفنّ السابع في هذا البلد.كما كان المخرج المكسيكي ( من أصل يهودي) والحاصل على الجنسية الإسبانية « أرتورو ريبستاين» كذلك قد نقل عام 1993 رواية نجيب محفوظ «بداية ونهاية» إلى السينما أيضا .
وقد ترجمت إلى اللغة الإسبانية ( في إسبانيا وأمريكا اللاتينية) ما ينيف على ثلاثين رواية لنجيب محفوظ منها: السّراب، وبداية ونهاية،وخان الخليلي ،وبين القصرين ،وقصر الشوق،واللصّ والكلاب،وأولاد حارتنا،وخمّارة القط الأسود،وزقاق المدقّ،وحبّ تحت المطر،والقاهرة الجديدة ،وليالي ألف ليلة وليلة، والسّماء السابعة، ورحلة ابن فطّومة ،وحديث الصباح والمساء،و المرايا، ومقهى الكرنك، وميرامار،وهمس الجنون،وصباح الورد، وسواها من الروايات والأعمال الإبداعية الأخرى التي ضربت شهرتها الأطناب.
هذا وتجدر الإشارة في هذا المقام أنّ الجامعة الأمريكية بالقاهرة تمنح تكريماً لإسم الرّاحل نجيب محفوظ الأدبية، جائزة أدبية منذ عام 1996 في الحادي عشر من شهر ديسمبر من كل عام الذى يصادف ذكرى ميلاده ، لدعم ترجمة الأدب العربي المعاصر. كما تتمّ ترجمة الأعمال الفائزة إلى اللغة الإنجليزية، من خلال مراكز الجامعة الأمريكية للنشر في كلّ من القاهرة، ونيويورك، ولندن.
٭ كاتب من المغرب،عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم (كولومبيا).
٭ ٭ كاتب إسباني من مواليد « ألكالا دي إيناريس» (1284-1351) (يقال إنّ إسم هذه المدينة من قلعة النّهر..!)،ولد فيها أيضا الكاتب الإسباني العالمي ميغيل دي سيرفانتيس صاحب «دون كيشوت». إسم هذا الكاتب الحقيقي هو» خوان رويث « وإشتهر ب: « أرثيبريستي دي هيتا». ومؤلّفه الإبداعي الوحيد تحت عنوان «كتاب الحبّ الطيّب» (Libro del buen amor) يعتبر من أهم الأعمال الأدبية التي كتبت في القرون الوسطى، ليس في إسبانيا وحسب، بل في أوربا كذلك.
محمّد محمّد خطّابي