بإخفائه صفقة “إف35″ مقابل التوقيع.. كيف يوازن نتنياهو بين الاضطراب الداخلي و”فقاسة التطبيع” وتوسلات ترامب؟

حجم الخط
0

يبدو مناسباً كتشبيه مناسب لوضع بنيامين نتنياهو، في السنة الثانية عشرة على التوالي من حكمه، فإن البيان عن اتفاق التطبيع مع السودان -الدولة العربية الثالثة في أقل من شهر- استُقبل بغير مبالاة لدى الجمهور، إذ لم يخرج أحد للاحتفال في الشوارع. علاوة على ذلك: فقد شُوش على جزء كبير من الانشغال الإعلامي بهذا الإنجاز السياسي بسبب تورط نموذجي آخر لرئيس الحكومة مع الحقيقة.

إن ادعاء نتنياهو بأن الاتفاقات مع الإمارات والبحرين لم تؤدِ إلى بيع طائرات “إف 35” الأمريكية للإمارات اتضح في نهاية الأسبوع أنه كان تضليلاً مطلقاً. لم يكن هذا الأمر بمثابة مفاجأة للمواطنين الذين اهتموا بالقضية باستثناء حفنة بيبية واصلت الدفاع عنه بإخلاص حتى في أيامه الأخيرة.

إن بيان اتفاقه مع السودان، الذي نُشر بعد ظهر الجمعة، تساوق مع اعتراف إسرائيلي بفشل الجهود التي ضاعت أصلاً، من أجل إعاقة أو تقييد صفقة الطائرات بين الولايات المتحدة والإمارات. مع عودة وزير الدفاع غانتس من زيارة خاصة لواشنطن، أصدر مكتبا نتنياهو وغانتس صيغة مشتركة ونادرة لوسائل الإعلام، قيل فيها إن غانتس اتفق مع نظيره الأمريكي وزير الدفاع مارك اسبر على “برنامج شراء طويل المدى يوفر أنظمة سلاح متطورة لإسرائيل”. علاوة على ذلك، ذُكر بصورة ضبابية إلى حد ما أن “رجال الإدارة الأمريكية أبلغوا وزير الدفاع في إطار الزيارة أن الإدارة تنوي الإعلان قريباً عن نيتها تزويد أنظمة سلاح محددة للإمارات”. اتفق نتنياهو وغانتس على أن إسرائيل وفي ضوء تحسين قدرات الجيش الإسرائيلي من قبل الأمريكيين، لن تعارض بيع “الأنظمة المحددة” للإمارات.

غريب ومثير للاهتمام، فعندما يحقق نتنياهو اختراقة تاريخية مع الإمارات يعلن عن ذلك للجمهور دون أن يكلف نفسه قبل ذلك إشراك غانتس، بل ويوضح أنه لم يكن يثق به وبوزير الخارجية أشكنازي كي لا يسربا وجود هذه الاتصالات. أما عندما تتراجع إسرائيل أمام الضغط الأمريكي فجأة فنجد أن القرار مشترك، ويتم تقاسم المسؤولية بصورة متساوية.

مرت الصيغة المشتركة للبيان بتغييرات في المسودات ما بين رجال نتنياهو وغانتس وترامب، بيد أن مكتب رئيس الحكومة أصدر، بعد وقت قصير من نشر البيان، بياناً آخر خاصاً به للمراسلين السياسيين دون تنسيق مع غانتس. وقد ورد في البيان الثاني بأن “التفاهمات الجديدة لم تكن جزءاً من اتفاق السلام مع الإمارات، وبدأ النقاش فيها قبل شهر لدى زيارة وزير الدفاع لواشنطن، بعد التوقيع على اتفاق السلام، وانتهى أمس”. بكلمات أخرى: نتنياهو فوجئ، وسمع من غانتس عن بيع الطائرات.

وفُهم بأن هناك حدوداً للتراخي أمام رئيس الحكومة. بعد مرور حوالي ساعة، وقبل لحظة من نشرة السادسة في التلفزيون، نشر مكتبه الرواية التي لم تطلها يد الرقابة عن الأحداث: بعد توقيع الاتفاق مع الإمارات، اتضح لغانتس أن مفاوضات تجري -بصورة موازية- لبيع سلاح متطور، الأمر الذي كان معروفاً “للجهات الإسرائيلية” (أي لنتنياهو ورجاله) ولكنه “أخفي عن جهاز الأمن” (أي عن غانتس ورئيس الأركان كوخافي).

الصفقة الآخذة في التبلور ما بين الولايات المتحدة والإمارات تشمل إلى جانب “إف 35″، طائرات “ف 18” وتسليح متطور من أنواع أخرى. ما التعويض الذي حصلت عليه إسرائيل من الأمريكان؟ وقع غانتس وآسبر على اتفاق لم ينشر مضمونه، ولكن حسب رأي رئيس جهاز الأمن سيكون له أفضليات استراتيجية ومهنية بعيدة المدى. لقد سبق الاتفاق مفاوضات مكثفة بين وزارة الدفاع والبنتاغون والتي في إطارها مكثت شخصيات كبيرة في وزارة الدفاع طوال الشهر الماضي. كرر الأمريكان التزامهم العميق بأمن إسرائيل واستعدادهم لترجمة ذلك بتوفير قدرات متقدمة لإسرائيل لم تحصل عليها في الماضي، وبأجندات جديدة لتوفير أنظمة سلاح وتمديد جدول الدفع، بحيث يكون أكثر راحة. كل هذه ضرورية لإسرائيل وخاصة في ذروة أزمة اقتصادية شديدة.

التقارب العلني مع الإمارات والبحرين يفوق في أهميته طائرات “إف 35” التي ستزود بها الإمارات، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو فيما إذا لم يتم وضع سابقة خطيرة هنا، من شأنها أن تمهد الطريق لبيع طائرات مماثلة لدول مثل السعودية وقطر ومصر، في حال إعادة انتخاب ترامب.

أحسن الجنرال (احتياط) عاموس يادلين رئيس معهد أبحاث الأمن القومي، في إجمال القضية حين وضعها في صياغة أشد من المعتاد بالنسبة له في تغريدة على “تويتر”، حين قال: “الاتفاق مهم وتاريخي. وهذه صفقة ثلاثية (تطبيع، وإلغاء الضم رغم نفي رئيس الحكومة، وسلاح نوعي ومتطور للإمارات)”. المسألة الخطيرة هنا ليست السلاح لدولة بعيدة ومعتدلة موجودة في معسكرنا أمام إيران، بل -وكنمط متكرر- إنكارات كاذبة من جانب رئيس الحكومة، بعد أن أخفى ثانيةً قراراً أمنياً مهماً عن الوزراء الكبار وجهاز الأمن”، كتب يادلين.

النمط المتكرر الذي يقصده يادلين يتعلق بصفقة الغواصات، الذي يدير نتنياهو معركة صد حثيثة ضد بدء إعادة التحقيق بشأنها. في تلك القضية، أعطى نتنياهو موافقة سرية واستثنائية لألمانيا ببيع غواصات متطورة لمصر، وأخفى ذلك عن كبار رجالات الدولة، من بينهم الرئيس ووزير الدفاع، وكذب وضللهم بصورة متعمدة وضلل الجمهور.

عطشى لتأييد من الداخل

بالمصادفة، نشر بيان الاتفاق مع السودان في وسائل الإعلام بعد 8 سنوات من قصف مصنع ذخيرة في الخرطوم في 23 أكتوبر 2012. لقد دمر في ذلك الهجوم مصنع بنته إيران كجزء من برنامجها لتهريب وإنتاج سلاح في أرجاء الشرق الأوسط. منذ ذلك الحين تدفقت مياه كثيرة في النيل. واستكملت القيادة السودانية في السنوات الأخيرة عملية تخلت فيها عن المعسكر المؤيد لإيران، وقلصت بالمقابل علاقاتها مع حركة الإخوان المسلمين. انتقل السودان منذ ذلك الحين إلى مجال التأثير السعودي والإماراتي. في هذا الإطار، أرسل السودان مجندين شباباً ليحاربوا في حرب السعوديين في اليمن. في الوقت نفسه، بذل السودانيون جهوداً كبيرة لتحسين علاقاتهم مع الولايات المتحدة. لهذا، فإن الأهم من الاتفاق مع إسرائيل هو تعزيز العلاقات مع واشنطن الذي يجري بصورة موازية.

على هامش الأمور، تم تسجيل مكالمة تلفونية محرجة بين ترامب ونتنياهو، يتوسل فيها الرئيس الأمريكي أمام رئيس الحكومة للاعتراف بأن بايدن، عدو ترامب في الانتخابات، لم يكن لينجح في التوصل إلى اتفاق مشابه. تملص نتنياهو بحكمة، وأجاب: “نقدر المساعدة في التوصل إلى سلام من كل واحد في أمريكا، ونقدر ما فعلته”. لقد ظهر الإحباط جيداً على وجه ترامب، حيث صُورت المكالمة من جانبه. في المصدر، أمل البيت الأبيض في الوصول إلى سلسلة من خمس اتفاقيات تطبيع بين إسرائيل ودول عربية حتى الانتخابات السياسية، وتقف على الأجندة اتصالات مع دول أخرى، ودول مهمة، من بينها السعودية وقطر. السعوديون مترددون على خلفية قرب موعد الانتخابات، وكما يبدو بسبب خلاف داخلي في العائلة المالكة. أما قطر فستكون ضمن خطة دراماتيكية داعمة لدراسة تسأل: هل ستكون مرتبطة بوساطة أمريكية للمصالحة بينها وبين جاراتها المعادية لها في الخليج. في الأيام الأخيرة طُرحت في وسائل الإعلام السعودية فرضية أخرى بعيدة المدى وتقول بأنه من المتوقع أن تستأنف إدارة ترامب المفاوضات السياسية بين إسرائيل وسوريا.

ثمة أهمية استراتيجية كبيرة للمنطقة لكل هذه الخطوات. مما يثير استياء ترامب ونتنياهو أنه من الصعب ترجمة ذلك لتأييد سياسي داخلي، وهو أمر ملح بشكل خاص للرئيس الأمريكي. لا تقف السياسة الخارجية على رأس اعتبارات الناخب الأمريكي. والحقيقة هي أن المراقب الإسرائيلي أيضاً تصعب الآن إثارة حماسته، في حين ثمة تقارير تلفزيونية طويلة عن إمكانية سياحية كامنة في الخليج، في الوقت الذي يعلق فيه الأطفال في البيت بسبب كورونا ومستقبل الرزق غير الواضح.

بقلم: عاموس هرئيل

 هآرتس 25/10/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية