باتباع نهج “اقتصاد الانتخابات”.. هل سيحالف الحظ أردوغان مرة أخرى بانخفاض التضخم؟

حجم الخط
0

تنتظر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، انتخابات في القريب، وقد بدأ في الاستعداد لها بشكل جيد. طريق النجاح، كالعادة، يمر عبر اقتصاد الانتخابات، ودخل هذا إلى مسار السياق بكامل الزخم.

حسب القرار الذي اتخذته الحكومة في كانون الأول الماضي، فإنه لن يتم تقييد سن التقاعد، شريطة أن يكون الموظف قد بدأ العمل قبل العام 1999 وعمل مدة 20 – 25 سنة قبل التقاعد. كان هذا طلباً ثابتاً وقديماً لنقابات العمال، التي اقترحت بأنه بدلاً من رفع أجرة الحد الأدنى يمكن للعاملين التقاعد المبكر، بحيث يمكنهم مواصلة كسب الرزق في أماكن عمل جديدة. المعنى أن نحو 2 مليون موظف يمكنهم التقاعد على الفور، إضافة إلى الـ 50 ألف موظف يتقاعدون بشكل عادي في كل شهر. تقدر تكلفة الخطة الجديدة بنحو 5.5 مليارات دولار، وهذا مبلغ ضخم بالنسبة للخزينة الفقيرة في الدولة، لكنها ستفيد من يترأس الدولة ويأمل أن يزيد بذلك نسبة تأييده التي هبطت مؤخراً.

وسيستفيد الحاصلون على قروض سكنية من التسهيلات الجديدة التي يمكنهم في إطارها الحصول على قروض بمبلغ أكثر من ربع مليون دولار بفائدة صفرية تقريباً تبلغ أقل من 1 في المئة، مقابل الفائدة الدارجة التي تبلغ 9 في المئة، لمدة 15 سنة. مشكوك فيه أن يساعد هذا التخفيف قطاعات كثيرة، حيث ارتفعت أسعار الشقق 200 في المئة في السنتين الأخيرتين، وارتفعت أجرة الشقق أيضاً رغم أنه -حسب القانون- يحظر على أصحاب الشقق رفع أجرة الشقة أكثر من 25 في المئة عند تجديد عقد الإيجار.

وأجرة الحد الأدنى حصلت أيضاً على إضافة مؤثرة؛ ففي السنة الماضية تمت مضاعفتها “اسمياً” وبلغت 450 دولاراً في الشهر. ميزانية الدولة التي تبلغ 239 مليار دولار وتستند إلى عجز 3.5 في المئة مقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي الخام، تشمل أيضاً زيادة كبيرة في الرفاه والتعليم والصحة، إلى جانب دعم الوقود لغرض التدفئة في الشتاء.

       معطيات معادية 

ليس ضخ الأموال المباشر للمحتاجين ومساعدة السكن هو فقط ما يرافق حملة أردوغان الانتخابية؛ فثمة موضوع ساخن يغذي الامتعاض المدني الشديد، وهو عبء تمويل اللاجئين السوريين الذين يعتمدون على أجهزة الخدمات العامة التي توفرها الدولة لهم، إضافة إلى مخصصات مباشرة من أجل شراء المواد الأساسية، التي تعطى لهم بواسطة بطاقات ذكية. نحو 3.5 مليون لاجئ سوري و500 لاجئ من دول أخرى يعيشون في تركيا. مع ذلك، تركيا حصلت على منحة من دول الاتحاد الأوروبي في إطار اتفاق اللاجئين الذي تم التوقيع عليه في 2016، الذي بحسبه ستحصل على 6 مليارات يورو، التي تم تحويل 4 مليارات يورو منها حتى نهاية 2021، والباقي يمكن أن يحول حتى نهاية 2024. الاعتراض الأساسي الموجه ضد اللاجئين هو أنهم يسيطرون على أماكن العمل التي كان يعمل فيها المواطنون الأتراك في السابق، ولا سيما الأعمال البسيطة التي لا تحتاج إلى التعليم والمؤهلات الخاصة أو معرفة اللغة. حسب معطيات وزارة التشغيل في تركيا، فإن 140 ألف لاجئ سوري حصلوا على تصاريح عمل قانونية، وهي نسبة صغيرة جداً مقارنة مع عدد اللاجئين في جيل العمل. هذا المعطى لا يشمل الـ 200 ألف لاجئ الذين حصلوا على المواطنة التركية والذين لا يحتاجون إلى تصاريح العمل. الباقون، من بينهم فتيان وحتى أولاد، يعملون في أعمال عارضة بدون تصاريح وبدون حقوق وبدون مزايا اجتماعية.

في السنة الماضية، قيدت تركيا ترتيبات تسجيل اللاجئين الذين واصلوا المجيء من سوريا. في بعض الأقاليم ألغي التسجيل بالكامل، بحيث بقي اللاجئون الواصلون بدون مكانة أو حقوق. وهي خطوات هدفت إلى تشجيع اللاجئين على العودة إلى سوريا، وفي حالات كثيرة أجبرت السلطات اللاجئين على مغادرة الدولة. من غير المعروف عدد الذين غادروا تركيا وعادوا إلى وطنهم. حسب المعطيات الحكومية، يدور الحديث عن مليون شخص، لكن معاهد أبحاث وتقارير صحفية ذكرت رقماً أقل بكثير. الفجوة بين المعطيات تخدم النضال السياسي بشكل جيد بين أردوغان الذي يحاول الإثبات بأن مشكلة اللاجئين آخذة في التقلص، وخصومه الذين يقولون بأن الرئيس يخفق في وقف سيطرة اللاجئين على سوق العمل، وبذلك تزيد نسبة البطالة في أوساط الأتراك.

إسهام اللاجئين في اقتصاد تركيا واستثمارهم في اقتصاد تركيا، الذي يقدر بعشرة مليارات دولار في العشر سنوات التي تدفقوا فيها إلى الدولة، وآلاف المشاريع التجارية الصغيرة والمتوسطة التي أقاموها والتي يتم تشغيل آلاف اللاجئين السوريين الآخرين فيها، كل ذلك يختفي داخل هذه المواجهة السياسية، ومثلها أيضاً التحليلات التي تشير إلى الضرر الذي سيلحق باقتصاد تركيا إذا غادر جميع اللاجئين السوريين الدولة. لأنه عندما يكون من الملح لأردوغان إبعاد اللاجئين فإن التفسيرات الاقتصادية أو البيانات التي لا تؤيد نظريته تعتبر بيانات معادية، ولا يتم تضمينها في التقرير.

الحظ في صالح أردوغان

إعادة اللاجئين ليست مسألة اقتصادية فحسب، فهي تضر بخطة أردوغان الأوسع؛ في إقامة منطقة فاصلة بين سوريا وتركيا، التي لا يكون فيها أي وجود كردي. في إطار هذه الخطة، فإن وضع مليون لاجئ في المنطقة الفاصلة، في بيوت تستعد تركيا لبنائها، لن يخدم الأمن التركي فحسب، بل سيظهر قدرة أردوغان على حل المشاكل الوطنية.

حتى فترة متأخرة، هدد أردوغان بغزو سوريا والسيطرة على مزيد من المحافظات فيها من أجل تحقيق هدفه، ولكن عقب الضغوط وحتى التهديدات الدولية، لا سيما من روسيا والولايات المتحدة، قام أردوغان بتنفيذ انعطافة 180 درجة، وهو الآن مستعد للالتقاء مع الرئيس السوري بشار الأسد لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين التي قطعت عقب الحرب الأهلية في سوريا، شريطة أن تسيطر المليشيات المحسوبة عليه بشكل مباشر على المحافظات الكردية. وبذلك لا تعود هناك حاجة للغزو العسكري.

هذه الانعطافة المفاجئة، إذا ما حققت أهدافها، يمكن أن تغير وجه سوريا، ولا تنبع فقط من احتياجات تركيا الأمنية، بل ومن إدراك بأن الغزو العسكري عبء اقتصادي ضخم، بل إنه قد يمس باستعداد مستثمرين أجانب لوضع أموالهم في الدولة. والأهم من ذلك، بالنسبة لأردوغان، هو التأثير السياسي السيئ، الذي قد ينجم عن توسيع الحرب في سوريا، على نتائج الانتخابات.

لا شك أن جبهة الاقتصاد هي التي ستحدد الخطوات السياسية الآن. وأردوغان يبحث تبكير الانتخابات من حزيران إلى نيسان. لقد كان له حظ عندما انخفضت نسبة التضخم السنوي في كانون الأول بمرة واحدة، من 85.5 في المئة إلى 64 في المئة. ويتوقع أن تنخفض أكثر بقليل في كانون الثاني الحالي عقب انخفاض أسعار النفط الذي خفض أسعار الوقود والمواصلات في تركيا بشكل كبير، وأيضاً أسعار المواد الغذائية والملابس.

أردوغان يمكنه الآن أن ينسب انخفاض التضخم إلى سياسته الاقتصادية، ثم يركب هذه الموجة لتحقيق المكاسب. لا يستطيع التنبؤ بكيفية سلوك التضخم في الأشهر القادمة، ولكن على فرض أن الشتاء سيستمر براحة نسبية، ولن يزداد الطلب العالمي على النفط، فمن المتوقع أن التضخم في تركيا سيفيد الرئيس أيضاً.

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس/ ذي ماركر 12/1/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية