«باتجاه الطريق» لحمزة قناوي… تعدد الثيمات وتوحُّد الرؤية

فرج مجاهد عبد الوهاب
حجم الخط
0

كثيراً ما يطرحُ النقاد والمعنيون بآليات السرد، اللغة كعاملٍ مؤسس لأي بنية سردية، سواء أكانت منتمية إلى القصة أو الرواية، أو حتى قصيدة النثر والخاطرة والقصة القصيرة جداً، وكلها أجناس إبداعية نثرية سردية، من المفترض أن تبدأ باللغة وتنتهي بها. فاللغة هي المعوّل الأول على نجاح المنتج السردي، أو فشله، وهي أحد أهم أضلاع المثلث السردي.
فعلى قاعدة المثلث يتجسد نبض اللغة الموحية المتحركة، وعلى الضلع الأول يتمدد الشكل الفني لتناول معمار قصة أو رواية، بينما المضمون- أي الموضوع الذي تشتغل عليه اللغة – بالتناوب مع الراوي والشخصيات، وأساليب التناول السردي، ومن وحدة الأضلاع وتكاملية مفرزاتها، وتشعب دلالاتها، وقد مارس كل ضلع من الأضلاع وظيفته الفنية؛ فالشكل حامل للموضوع، واللغة حاملة لكليهما، مما يُعطي اللغة السردية الأهمية في نجاح الشكل والمضمون على حد سواء، فاللغة النابضة المشبعة بالدلالات، كانت من السمات الأولى التي ميزت المجموعة القصصية «باتجاه الطريق» الصادرة عن دار الثقافة الجديدة، في القاهرة، التي اجتهد على صياغتها حمزة قناوي، وهو يتداخل مع عشرة موضوعات التقت في محورٍ واختلفت في محاور.
في المحور الأبرز، ارتقت الثنائية الخالدة التي تُعرّف الكون من محور المرأة والرجل ـ هي ـ وهو.
الثنائية التي ربطت عنصري الحياة والوجود في مختلف الإحالات والتحولات، سواء داخل إطار الزوجية أو خارجها، حيث فيض المشاعر ونبل الأحاسيس ونقاء الأرواح، وهي تتقلب بين سلب وإيجاب، بين رفض أو قبول أو بين منغصات الحياة، التي تعرقل مجريات التوق والتلاقي، إلى التوحد. ففي قصة «اتجاه الطريق»:
هو: طالب يدرس الأدب صباحاً في الجامعة، ويعمل في المحجر في المدينة المجاورة بعد الظهر، يحمل الحجارة مع العمال لينفق على دراسته.
هي: طالبة في كلية الفتيات صباحاً، وتنكفئ ليلاً على ماكينة الحياكة، تعاهدا على أن يواصلا البحث عن ثقب إبرة من الضياء تنفذ منه أحلامهما.
يشكو البطل انسداد أبواب العالم، بينما لا يملك إلا كتابة الأدب، الذي يزعم أستاذه بأنه يغير العالم، فينتفض في وجهه متمرداً في قاعة الدرس الجامعي: «العالم لا يتغير» الأدب صورة باهتة لحقيقة العالم القائمة على الفعل، القوة تحكم العالم وتحرك كل ما فيه حتى الأدب، إذكر لي نصاً أدبياً حرر البشرية من الفقر؟ فتكون النتيجة أن يُفصَل من الجامعة. يلتقي حبيبته ويخبرها بأنه سيذهب للعمل في المحجر، ريثما يعيدونه للكلية، التقط يدها وسارا في اتجاه الطريق:
قالت بابتسامة منطفئة.
– إلى أين سنذهب؟
– إلى البحر؟
– من أي طريق؟
– عن طريق المقبرة
النهاية المفتوحة تمثل قمة ذلك الوجع الذي تعانيه هذه الثنائية العابرة والباحثة عن مكمن ضوءٍ مهما كان صغيراً.
في قصة «المسافات» ثنائية صامتة بين الشاب المحرر في إحدى الصحف وزميلته، التي لا يفصلها عنه سوى ممر صغير، ومع ذلك تتسع المسافات، مبعدةً كلاهما عن الآخر بدون أن يجرؤا على البوح ولو عرضاً. «في الطريق، كانت شاردة تتخيله وقد نفض عن نفسه خجله، وجاء معترفاً لها بالحب، حاملاً باقة ورد كبيرة. يتساءل لماذا لم تفكر أن تعطيني رقمها أبداً؟ وفي رحلتها إلى الأمومة تساءلت: لماذا لم يبُح لي بحبه؟ وبعد عشر سنوات وقد اقترب مكتباهما ظل يكتب ويشطب. بعد ربع قرنٍ غادرا الجريدة. لم يعد لديهما سوى الذكرى. هو وخلال عودته على عكازهِ كان يتساءل: هل كانت تحبني؟ مستندة إلى ذراع ابنها تساءلت: هل كان خجولاً إلى هذا الحد بدون أن أدري؟ في الطريق إلى القوس الأخير من الحياة كان قلباهما يلتقيان في أفق آخر، بعد ما تبدد كل شيء.. وبقيت المسافات».
تطالعنا الثيمة الرومانسية نفسها في «قصة حب» حيثُ «التقيا في مساء شريد، من أول لقاء دلفت إلى قلبه فوراً، ليخرج العالم من زمن المدينة إلى قلبيّ عاشقين.
«يستيقظ يوماً على رسالتها، يقرؤها غير مستوعب (أحبك سأذهب للأبد، لا تتبعني، اتصل بها: صاحت بحدة: إنها تكرهه ولا تريد شيئاً، صاحت أكرهك لا تحاول الاتصال».
في قصة «حقيبة ليست لأحد» يواصل حمزة قناوي العزف على وتر الغربة والحب وتغريبة الشمال، فالبطل هنا «مهاجر غير شرعي أتى من بلاده الغارقة في الفقر والبطالة. وهي تدرس في الجامعة، والدها روماني وأمها فرنسية تقيم معهما في بوخارست، وتأتي لزيارة جدتها في باريس، تولد بينهما قصة حب أدخلتها في عوالم سحر الشرق «لم تحلم يوماً أن تلتقي فارساً من الشرق البعيد وأن يشاركها رحلتها في الحياة، فوعدها أن يصحبها لبلاده لترى حضارتها بنفسها» تخبره بضرورة السفر إلى بوخارست لتأخذ موافقة أهلها على الزواج منه فيعدها بأن ينتظرها. في منزلها انفجرت الأم صائحة: أرسلناكِ إلى باريس لتدرسي لا لتدخلي في مغامرات حب مع مهاجرين. وأيٍّ منهم؟ إنه مهاجر غير شرعي! «في باريس وعلى رصيف محطة قطارها القديم، جلس أياماً ينتظرها مع تذكرتين لأوبرا غارنييه. في اليوم العاشر تبددت موسيقى غارنييه ودرج برج إيفل في قلب صغير ينطفئ، وغفت تذكرة أوبرا على موته في حقيبة لم تعد لأحد.
في المحور الثاني الذي اختلفت فيه الموضوعات التي تناولها، وإن لم تبتعد بانحيازِها إلى المساكين والضعفاء، والمهمشين، أو الذين أرادوا لأنفسهم أن يعيشوا مهمشين كما في قصة «الخروج من الذاكرة» حيث يفاجئنا الراوي ببطله السلبي المجد والمجتهد في تحصيله العلمي، زوجه والده العروس التي رشحتها له أمه، قامت الثورة فظل يتابعها من زجاج أول مؤسسة حكومية قبلت أوراقه، لا شيء يشغله سوى العمل، وحلّ الكلمات المتقاطعة، حتى جيرانه لم يقم بينه وبينهم صلة ما، سرقه لص فأعطاه راتبه طوعاً ولم يحرك ساكناً، ماتت زوجته وفي اليوم التالي كان على رأس عمله: وعلى فراش الموت حاول استعادة أي ذكرى سعيدة أو تعيسة..فلم يتذكر شيئاً.
وبينما يغادر الحياة أدرك أنه لم يعشها، كأن يتأملها من بعيد وحسب، مرّ بها عابراً في طريق أبيض بلا معالم، يعامل الناس باعتباره شاهداً صامتاً عليهم لا منتمياً لهم، لم يحارب من أجل فكرة، لم يخسر لأجل قناعة، مات ولم يمت.
قصة «حياة» تدور حول فكرة القوة التي تحكم الحياة، والحكمة باعتبارها سلاحَ الضعفاء والمستلبين، فلا العدل أُرسي على الأرض، ولا القوة هزمت المنطق. بينهما فقط تترنح الحياة آخذة في ترنحها ضحايا من الفقراء والمعدمين ومن رمتهم المصادفة على مذابح المواجهات. إنها أزمة باحث الفلسفة ومُدرِّسها الذي عاش صراعاً غير متكافئ مع المدينة والمدرسة وطلابها ومديرها المتحجر، ومع الوقت الذي يُفلت منه على محطة الحافلات، ليستمر العالم بعيداً عن أبواب فلسفته ومدائنها، بعيداً عن يديه.
«في الأربعين اكتشف أن إخوته ما زالوا فقراء، وأنه لم يستطع أن يساعد أمه في القرية كثيراً، تزوج.. أنجب.. مات». وقصة «خارج النص» تدور حول فكرة: هل نكتب الحياة أم تكتبنا؟ ألا يُحتمل أن نكون أبطالاً في قصة تصوغنا فيها أنامل خفية.
لقد حملت القصص قيمها الفنية والإبداعية على تلك الثيمات، التي تكرر ورودها على امتداد المجموعة، لتكوّن عتبات دلالية كثيرة ومتعددة حملها نبض ذلك القص المتميز بلغته الرشيقة وعمق الإحساس من كاتبٍ مبدع، لم ينسَ وهو يكتب قصصه أنه شاعرٌ، فاستطاع أن يدمج أضلاع المثلث الفني في وحدة سردية عميقة، مستوحاة من تجارب حياتية لم تكن غريبة أو بعيدة عن الواقع المعيش، وقد تضاربت الطرق وتعددت واختلفت، ولذلك كان من البَدهيّ أن يضيعَ «اتجاه الطريق» ونحن نبحث من ثقب إبرة عما يمكن أن يحقق بعضاً من أحلامــــــنا وشيئاً من طموحاتنا المشروعة التي جسدها الكاتب في مجموعته.

٭ كاتب وناقد مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية