حي سلوان وتظهر خلفه قبة الصخرة
الناصرة- “القدس العربي”: تواصل بلدية الاحتلال في القدس هدم منازل الفلسطينيين بذريعة البناء غير المرخص الذي تدفعهم عنوة نحوه بحرمانهم من توسيع مسطحات البناء فيها فتلقي بهم في اليم وتلومهم على تبللهم.
وفي هذا المضمار يؤكد أفيف ستارسكي، كاتب وباحث في جمعية “عير عميم” الحقوقية الإسرائيلية أن دولة الاحتلال تستخدم قوانين التخطيط والبناء وسيلة مركزية لطرد المزيد والمزيد من الفلسطينيين من المقدسين. وجاء ذلك على خلفية ما جرى في الأسبوع الماضي حيث هدم الاحتلال دكانا في حي البستان الواقع في بلدة سلوان ويقول صاحبها إنها كانت مصدر رزق لأفراد أسرته الموسعة المكونة من 15 نفرا.
بالنسبة لنحو 100 أسرة تعيش في حي البستان، يؤشر هدم هذا الدكان إلى ما يمكن أن يشكل موجة جديدة من عمليات الهدم الواسعة في الحي. واليوم هناك 16 أمر هدم إضافية، ومعظمها بحق بيوت سكنية في سلوان، وقد يتم تنفيذها في أي وقت.
وينوه ستارسكي في تقرير مطول ترجمه مركز “مدار” للعربية أنه في السنوات الأربع الأخيرة، عمل سكان حي البستان على إعداد مخطط هيكلي لتنظيم الوضع التخطيطي في الحي، وإزالة خطر الهدم عن بيوتهم. هذه العملية حظيت بمباركة بلدية القدس، وتقدمت بالتنسيق معها. وكجزء من محاولة تنظيم الوضع التخطيطي، وافقت بلدية الاحتلال أيضا على تجميد تنفيذ عشرات أوامر الهدم في حي البستان ولكن في فبراير/ شباط الفائت أبلغت البلدية المحكمة أنها غير معنية بمواصلة عملية تنظيم الوضع التخطيطي في الحي، وعوضا عن ذلك باتت تطالب بعدم تمديد تجميد أوامر الهدم التي سبق أن صدرت.
ومنذ ذلك الحين قام مفتشو البلدية بزيارات حثيثة إلى هذا الحي وسلموا أصحاب بيوت فيه إخطارات، إنذارات وأوامر بالهدم والإخلاء. ويقول أفيف ستارسكي إن تنصل بلدية القدس من عملية التخطيط التي كانت قد أيدتها في السنوات الأربع الأخيرة قد بعثت على نحو أكيد بالارتياح لدى المحامي إلداد رابينوفيتش، الذي يسكن على بعد 200 متر من حي البستان.
ويجدر التوقف هنا عند ما يلي: في شهر تموز الماضي نُشر في موقع اليمين “سروغيم” تقرير (3) خرج فيه المحامي رابينوفيتش بموقف ضد الخطة الهيكلية المُشار إليها أعلاه والتي يمكن أن تحمي سقوف البيوت التي تؤوي جيرانه في حي البستان. وفي إثر نشر هذا التقرير أعلن أيضا عضو المجلس البلدي، أريه كينغ، المقرب من رئيس بلدية القدس، موشيه ليئون، بأنه ينوي إحباط هذه الخطة الهيكلية.
ويشير لوجود مناطق مأهولة وسكنية كثيرة في الشطر الشرقي من القدس تهددها أوامر وعمليات الهدم الإسرائيلية ومن هذه الناحية فإن وضع حي البستان ليس استثنائيا. ويستذكر أنه منذ احتلال 1967 تمنع إسرائيل عن السكان الفلسطينيين في المدينة خرائط هيكلية نزيهة تنظم الوضع السكني والتخطيطي في أحيائهم. وقد طرأ في السنوات الأخيرة ارتفاع كبير في حجم عمليات هدم البيوت في الشطر الشرقي من القدس نتيجة لسن قانون كمينيتس الخاص بهدم البيوت غير المرخصة والبدء بالعمل بموجبه.
ويتابع “السقف الذي يؤوي العائلات يشكل ضربة، نفسية، عائلية واقتصادية، ومن الصعب التعافي منها، وهناك عشرات آلاف السكان الفلسطينيين ممن لم ينجحوا في الحصول على ترخيص بناء فاضطروا للانتقال إلى الجزء الفلسطيني من جدار الفصل، كي لا يتورطوا مع أوامر وعمليات هدم”.
وبناء على ما سبق، فإن قوانين التخطيط والبناء تشكل وسيلة مركزية تستخدمها إسرائيل لطرد المزيد والمزيد من الفلسطينيين من مدينة القدس، مؤكدا أنها وسيلة مركزية ولكنها بالتأكيد ليست الوسيلة الوحيدة. ويستعين أفيف ستارسكي بالمحامي رابينوفيتش كي يقدم ويعرض المزيد من الوسائل التي يتضمنها “صندوق العدة” الذي تستخدمه دولة الاحتلال لتحقيق هذا الهدف، موضحا أن رابينوفيتش يقيم على بُعد نحو 200 متر من حي البستان ومثل جميع سكان البستان، رابينوفيتش أيضا يسكن في بيت تم بناؤه من دون ترخيص. ولكن على النقيض من هؤلاء السكان الفلسطينيين، لا تنوي بلدية الاحتلال هدم بيته، وذلك رغم أنه يرتفع على ستة طوابق وسط انتهاك صارخ للمخطط الهيكلي المعمول به في هذا المكان.
ويضيف “هذه الحقيقة لا تمنع رابينوفيتش بالمرة من التوجه إلى السلطات الإسرائيلية بطلب العمل ضد “مخالفات البناء” لجيرانه الفلسطينيين، بل إنه قدم شكاوى قانونية ضد البناء الفلسطيني من دون ترخيص. أما كيف يحدث أن يلقي رابينوفيتش بالحجارة الاستعارية في جميع الاتجاهات من دون أن يخشى على بيته المصنوع من زجاج؟ فهذا لأنه يسكن في “بيت يونتان” التابع لجمعية المستوطنين “عطيرت كوهانيم”، وهو مبنى قرر رئيس بلدية القدس السابق نير بركات (الذي حظي بدعم علني من رئيس المدرسة الدينية عطيرت كوهانيم) منع تنفيذ أمر الهدم القضائي الذي صدر ضده”.
وتعيش في الشارع الذي يقطن فيه رابينوفيتش عشرات العائلات الفلسطينية في دور تحاول “عطيرت كوهانيم” السيطرة عليها ومثلما في الشيخ جراح ومثلما في بطن الهوا، سكن يهود هذه المناطق في مطلع القرن العشرين، منوها أن دولة الاحتلال تستغل هذه الحقيقة لغرض نقل الملكية على أملاك مئات العائلات الفلسطينية إلى جمعية مستوطنين، والتي سيكون بوسعها حينئذ طرد العائلات الفلسطينية من بيوتها.
في الفترة الأخيرة جرت محاولات في اليمين لعرض تهديدات الإخلاء في حي الشيخ جراح على أنها خلاف عقاري على ممتلكات خاصة وليس أكثر من ذلك
ويقول إنه في بطن الهوى، “عطيرت كوهانيم” هي التي تقوم بهذه الإجراءات والتحركات وفي الفترة الأخيرة جرت محاولات في اليمين لعرض تهديدات الإخلاء في حي الشيخ جراح على أنها خلاف عقاري على ممتلكات خاصة وليس أكثر من ذلك. ولكن فعليا لم تكن ستنطلي حجج المستوطنين بأنهم يملكون المباني على أحد لولا الدعم الحثيث الذي قدمته لهم الدولة، بما في ذلك قوانين سنتها – مثل: “قانون أملاك الغائبين” من جهة و”قانون أنظمة القضاء والإدارة” من جهة ثانية – والتي تشكل أداة إضافية لطرد الفلسطينيين”.
كما يقول أفيف ستارسكي إن إحدى العائلات التي كانت تسكن حتى قبل عدة سنوات غير بعيد عن بيت إلداد رابينوفيتش كانت عائلة أبو سنينة ويضيف “نجحت “عطيرت كوهانيم” في طرد سائر العائلات من مبنى عائلة أبو سنينة وبقيت هناك عائلة واحدة مليئة بالإصرار قد التصقت بدارها ولم تخضع لجميع الضغوط التي مورست ضدها. وهنا سرعان ما حظيت العائلة بزيارات عناصر شرطة ممن ذكروا صاحب العائلة بأنه لا يملك مكانة مدنية منظمة في القدس”.
وُلد جواد أبو سنينة في الضفة الغربية وتزوج من إحدى السيدات المقيمات في القدس الشرقية وفي العام 2003 غيرت إسرائيل “قانون المواطنة” كي تتمكن من منع الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة والذين تزوجوا من “سكان في إسرائيل” من تلقي مكانة فيها. يشمل هذا آلاف الناس إن لم يكن أكثر من ذلك، الذين يحتاجون لكي يمارسوا حبهم وحقهم الأساس في الزواج وحياة أسرية إلى أن يخرجوا من المدينة أو البقاء فيها وسط مخاوف الطرد وبثمن المساس بالجوانب الأساسية لحياتهم وحياة أطفالهم، مثل التعليم، العمل، العلاج الصحي وحرية التحرك والتنقل.