باحث إسرائيلي: تداعيات انسحاب واشنطن من الشرق الأوسط ربما تشمل إعادة تأهيل النظام السوري

حجم الخط
2

الناصرة- “القدس العربي”:

يحذر باحث إسرائيلي من تداعيات الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط وعلى المنظومة الإقليمية ويشير لنجاحات قطر فيها رغم محاولة محاصرتها من قبل السعودية وحليفاتها. ويقول دكتور موشيه ألبو باحث في “معهد السياسات والاستراتيجيا في مركز هرتزليا المتعدد المجالات” إن الإدارة الأمريكية تقود سياسة الحد من تدخلها والتركيز على المنافسة الاستراتيجية في مواجهة الصين وروسيا منوها أنه من ضمن ذلك الانسحاب من أفغانستان، السعي لاتفاق نووي مع إيران، ازدياد علامات الاستفهام عن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق وسورية، والتصدعات في جدار العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على نظام الأسد (“قانون قيصر”).

ويرى الباحث الإسرائيلي أن كل ذلك يؤدي إلى بلورة هندسة إقليمية ودينامية تؤثر في شبكة العلاقات الثنائية بين الدول، وذلك في ضوء التخوف المتزايد من حدوث تحول في السياسة الأمريكية في المنطقة. وبرأيه تفرض استراتيجية واشنطن على دول المنطقة إعادة فحص سياستها المتعلقة بالعداوات والمنافسة الإقليمية، في ضوء الإدراك أن الاعتماد على أمريكا لم يعد ثابتا، وأن التحديات الإقليمية المركزية، إيران والإرهاب الراديكالي، يفرضان تقييمات استراتيجية متعددة”.

وبرأيه تعيد دولة الإمارات فحص سياستها إزاء تركيا ضمن هذا الإطار وتعمل على استئناف علاقاتها الثنائية معها، على الرغم من الاحتكاك العسكري بتركيا في ليبيا، والتنافس على موارد الطاقة في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، والخصومة الأيديولوجية الشديدة مع تركيا. كما يقول إنه في المقابل تسعى تركيا لاستئناف علاقاتها السياسية مع مصر والإمارات والسعودية، ولو بثمن الحد من تأييدها لـحركة الإخوان المسلمين، معتبرا أنه رغم تصاعُد الخصومات المذكورة في شتى المجالات، فإن السعودية تقوم بإجراء اتصالات سياسية مع إيران للتخفيف من التوترات ومنع حدوث سوء حسابات عسكرية، على الرغم من عدوانية وكلاء إيران في اليمن ضدها.

ويتابع “كما نجحت قطر في ترسيخ دورها المركزي الإقليمي، على الرغم من الحصار الذي فرضته عليها دول الخليج ومصر، ومن دون تقديم تنازلات سياسية أو أيديولوجية”. ويتركز موشيه ألبو في معالجة الحالتين القطرية والسورية بصورة خاصة وبرأيه تُظهر الدينامية الإقليمية عدم وجود تماسُك استراتيجي لدى مختلف اللاعبين، لكنها في الحقيقة تعكس مرونة وقدرة هذه الدول على حصر المواجهات، في ضوء الأثمان الباهظة للمواجهات العامة، وفي المقابل، الدفع قدما بمصالحها في مواجهة خصومها الإقليميين.

ويعتبر أن العامل المركزي الذي يحرك التقديرات من جديد وبناء مخزون من الاتصالات والعلاقات بين الدول هو السياسة الأمريكية، والتقدير السائد أن الإدارة الحالية في واشنطن مصرة على العمل وفق جدول أولوياتها القومي – الأمني، وليست مستعدة لاستخدام وسائل عسكرية في الشرق الأوسط تتعدى المطلوب.

قطر لاعب إقليمي أساسي

وفيما يتعلق بـقطر يستذكر الباحث الإسرائيلي تصريحات وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في الشهر الماضي وفيها قال “أريد التعبير عن شكرنا العميق لدعم قطر الاستثنائي في المساعدة على خروج مئات المواطنين الأمريكيين وعشرات آلاف الأفغان الآخرين من أفغانستان”.

كذلك يقول إن الصورة التي نشرها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على حسابه على تويتر، التي يظهر فيها مبتسما إلى جانب أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، ومستشار أمن الإمارات الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان (شقيق ولي العهد والحاكم الفعلي محمد بن زايد)، تركت أصداء كبيرة في وسائل الإعلام العربية.

ويعتبر ألبو أنه بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تجلت أهمية قطر في السنة الماضية، من خلال توسطها في الاتصالات، في الاتفاق على الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في مواجهة حركة طالبان، والمساعدة التي قدمتها في إخراج القوات الأمريكية، تزامنا مع الانسحاب الفوضوي الذي جرى في كابول، منوها أنه خلال سنوات الحصار عززت قطر علاقاتها الاستراتيجية مع تركيا وإيران، وأعربت عن تأييدها العلني لحركة الإخوان المسلمين و”حماس”، وقدمت المساعدة لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا، بخلاف مصر والإمارات اللتين دعمتا “الجيش الوطني”.

ويستذكر توقيع اتفاق مصالحة في مدينة العلا خلال مؤتمر قمة الدول الخليجية كانون الثاني/يناير 2021. ويتابع “لقد نجحت قطر في مَوضَعة نفسها كـلاعب أساسي يعرف كيف يعمل على التوسط بين خصوم إقليميين: بين “حماس” وإسرائيل، وبين إيران والسعودية، وبين تركيا ومصر، وبين الولايات المتحدة وحركة طالبان؛ وعززت مكانتها من خلال وساطاتها وسياستها النشطة، وفي المقابل، لم تتنازل عن التزامها بحلفائها الأيديولوجيين (حركة الإخوان المسلمين). والصورة التي نشرها ولي العهد السعودي مع ضيفيه في “الاجتماع في البحر الأحمر” تجسد أهمية قطر في النظام والدينامية الإقليمية الهشة في الشرق الأوسط”.

هل نحن على طريق تأهيل عربي لنظام الأسد؟

بذلك يتساءل الباحث الإسرائيلي ويقول إن السعودية والأردن والبحرين والإمارات تقوم في الأشهر الأخيرة بإعادة فحص علاقاتها مع سوريا، وتعمل على تحديد المصالح الأمنية والقومية والاقتصادية حيالها، في ضوء الاهتمام الأمريكي المحدود وغياب استراتيجيا ملائمة لمرحلة ما بعد الحرب الأهلية. ويعتبر أيضا أن الوجود الأمريكي العسكري في شرق سورية يفرض قيودا على إيران وتركيا، لكن تزداد علامات الاستفهام إزاء انسحاب أمريكي محتمل.

الأردن وسوريا

ويرجح الباحث الإسرائيلي أن زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله إلى واشنطن في تموز/يوليو الماضي كان هدفها تحريك مبادرة جديدة للتسوية في سوريا. كما يرجح ألبو أن المبادرة الأردنية تدعو إلى حوار سوري داخلي وتقليص العقوبات الأمريكية على سوريا وإعادتها إلى نطاق التأثير العربي. ويتابع “والتخوف الأردني واضح: التآمر الإيراني، وتصاعُد إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية، ومشكلة اللاجئين، والحاجة إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي الذي يفرض تحركا سياسيا. بعد ذلك مباشرة تحدث الملك عبد الله مع الأسد (3 تشرين الأول/أكتوبر)، لأول مرة منذ بداية الحرب الأهلية، معربا عن دعمه لسيادة سورية واستقرارها”.

ويشير أن هذا الحديث جاء بعد زيارة وزير الدفاع السوري إلى عمان (20 أيلول/سبتمبر) ولاحقا، جرى فتح معبر “نصيب”، وأعلن وزير الداخلية الأردني أن هدف الخطوة تحريك التجارة والسياحة بين الدولتين. في المقابل يشير إلى أن مصر أعربت علنا، عن رغبتها في تعزيز استقرار سوريا وتحريك عملية إعادة إعمارها، وإعادتها إلى الأمة العربية.

ويوضح الباحث الإسرائيلي أنه ضمن هذا الإطار، يشكل أنبوب الغاز العربي، الذي من المفترض أن يساعد في إنقاذ لبنان من أزمته الخانقة، إطارا شرعيا للقيام بخطوات دبلوماسية حيال دمشق. ويقول إن الولايات المتحدة التي تؤيد المشروع وافقت على مرور أنبوب الغاز في سوريا ومع ذلك فهي ليست مستعدة للتخفيف من العقوبات والاعتراف بنظام الأسد.

التداعيات

ويرى ألبو أن عدم وجود استراتيجية أمريكية واضحة المعالم في الشرق الأوسط، وفي المقابل إلحاح المفاوضات على اتفاق نووي مع إيران، وازدياد انتقادات واشنطن لوضع حقوق الإنسان في المنطقة، كل ذلك يؤدي إلى عودة النشاط السياسي وإعادة الكتلة العربية المؤيدة لأمريكا فحص منظومة التحالفات والخصومات الإقليمية.

ويتابع “تزعزعت الثقة بالأمريكيين، ولا سيما بعد الانسحاب من أفغانستان، الذي وصفه قائد الأركان العامة المشتركة في الولايات المتحدة مارك ميلي بأنه فشل استراتيجي، وسيكون له تداعياته على المصالح الأمنية والقومية لإسرائيل”. ويقول إن التنسيق الأمني بين إسرائيل والولايات المتحدة أمر حيوي، وخصوصا إزاء علامات الاستفهام المطروحة على استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، معتبرا أن للخطوات الأمريكية في المنطقة تداعيات مباشرة على الاستقرار والردع الإسرائيلي.

ويتابع “عمليا، يمكن استخدام النفوذ العربي المتزايد في سوريا كـأداة ضغط على روسيا ونظام الأسد للحد من الوجود الإيراني فيها. في المقابل فإن “احتضان” مصر والسعودية لقطر يمكن أن يساعد إسرائيل في مساعي التسوية مع حماس. هذه الهندسة الإقليمية المعقدة تتطلب نظرة شاملة وفهما عميقا للمصالح، ولمختلف اللاعبين، من خلال إدارة ذكية للمخاطر في عملية اتخاذ القرارات، وإدارة السياسة في مختلف الساحات”. ويخلص الباحث الإسرائيلي للقول إن المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ولجم النفوذيْن الإيراني والتركي، ومواجهة جائحة الكورونا، كل ذلك يشكل إمكانية لازدياد تعاون إسرائيل الاستراتيجي مع دول الخليج ومصر والأردن”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية