باحث تربوي: إسرائيل ترفض مقترحا لتعليم الرواية الفلسطينية والمضامين التعددية وتكرسّ الصراع

حجم الخط
3

الناصرة- “القدس العربي”:

تجدّدت في الآونة الأخيرة التهم الموجهة لجهاز التعليم الفلسطيني من قبل جهات إسرائيلية وغربية تدعي أن مضامين التعليم الفلسطينية تحرض على اليهود ومصابة بـ”اللاسامية” غير أن هناك مصادر إسرائيلية تشير لاستمرار شيطنة العربي وتشويه صورته داخل المدارس العبرية ولرفض محاولات تعديل الوضع من هذه الناحية.

وكشف مدير قسم دراسات التربية والتعليم في الجامعة العبرية في القدس الدكتور ادار كوهن لملحق صحيفة “هآرتس” أنه شارك الحقوقية الإسرائيلية روت غابيزون قبل رحيلها في الصيف الماضي في إعداد وثيقة تقترح رؤية مركبة للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي تعتمدها وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية لكن كافة الوزراء الإسرائيليون رفضوها.

وأوضح كوهن أنه تعلم من غابيزون كيف تتم التربية للفهم المركب للأمور لأن معظم الأشخاص كبارا وصغارا يعتادون تقسيم العالم وبالذات الحلبة السياسية إلى أخيار وأشرار، إلى محقيّن ومخطئين، من معنا ومن ضدنا.

وفي البداية قال كوهن إن التماثل الأساسي للإنسان يملي أفضلياته ومواقفه ويحدد هوية الأشخاص الذي يرغب بالإصغاء لهم براحة واحترام لا بقلة صبر فظّ. ويتابع “يستصعب معظمنا الاعتراف بذلك لكن التقسيم لأسود – أبيض بين من معنا ومن ضدنا هو فكرة تبسيطية تعزز الشعور بأننا نقوم بالأمر الصحيح وتساعدنا على مسح حيزنا المادي أو الافتراضي بسرعة وأحيانا تنتج إحساسا مريحا بالحماية والتضامن تحت جناح  معسكر “نحن” وهذا الوضع جزء من طبيعة البشر خاصة عندما يعيشون داخل صراع عنيف دائم. منوها إلى أن غابيزون الحائزة على “جائزة إسرائيل” في مجال دراسات القضاء كانت تنتمي لمجموعة مثقفين رفضت التعامل بهذا المنطق التبسيطي السطحي.

أدوات تربوية

ويقول إن علاقاته بغابيزون بدأت عندما كانت هي محاضرة في الحقوق وهو طالب جامعي وتوجت عندما كان مفتشا مركزيا في وزارة التعليم ضمن موضوع تعليم المدنيات والمواطنة. وأضاف “قبل عقد قدمنا لإدارة وزارة المعارف وثيقة تشاركنا في صياغتها بعد مداولات ومناقشات طيلة عام وهي تدور حول الموضوع الأكثر سخونة في مجال تعليم المدنيات: الصراع العربي- الإسرائيلي. ونحن نعلم كم يستصعب المعلمون تناول موضوع الصراع مع الطلاب بسبب سرعة الانزلاق لجدالات حادة وانفعالية مشحونة خاصة أن قسما من المعلمين يعدمون أدوات تربوية لإدارة نقاش حول مثل هذه القضية”.

ويقول كوهن إنه انطلق في هذا الطريق مع غابيزون من منطلق الاعتراف بأهمية بالغة للنقاش الجماهيري في قضية جوهرية جدا بالنسبة للإسرائيليين ومن منطلق رغبة لتقديم المساعدة للمعلمين كي لا يهربوا من هذه المسألة. موضحا أنهما اقترحا على وزارة التعليم الإسرائيلية تبني تعليمات مقبولة على كل معلمين من مختلف المشارب السياسية.

كما بين أن الوثيقة المشتركة تصف المصاعب الجمة أمام نقاش مفتوح وحقيقي حيال الصراع من جهة وقلة الجدوى في تحاشيه من جهة أخرى. كذلك خرجا من منطلق أن جهاز التعليم الرسمي ليس محايدا في موضوع القيم والمعرفة وهي متماثلة مع توجهات إسرائيل العامة كدولة يهودية وديموقراطية” مارس فيها اليهود حق تقرير المصير دون تناقض ذلك مع حقيقة عيش جمهور عربي فلسطيني كبير داخلها فبالنسبة له هذه هي بلاده وهذه دولته وهم يعيشون بحق وليس منة من أحد”.

دوائر الهوية

وتدعو الوثيقة التي رفضتها وزارة التعليم الإسرائيلية لضرورة اعتماد منظومة تربية هدفها منح التربية لكافة الطلاب في عدة دوائر هوية: هوية إنسانية عامة، هوية مدنية مشتركة، هوية عرقية دينية ثقافية وطنية غنية يكون التلاميذ في نطاقها شركاء وزملاء في مجموعتهم الثقافية والوطنية”.

وتقترح الوثيقة عرض الرواية الفلسطينية التاريخية أيضا لجانب الرواية الصهيونية بطريقة نزيهة ودون الحاجة للتماثل معها في مناهج التعليم. وتقول إنه أمر حيوي أن يطلع التلاميذ على رواية الطرف الآخر حتى بدون قبول مزاعمه وأن هذا التوجه يقتضي قدرة الطرفين على إبداء تعاطف حيال الآخر وتفهم احتياجاته ومخاوفه وآماله.

وتؤكد أن معرفة رواية الطرف الآخر تساعد الطلاب في مواجهة أفضل لموقف الطرف الثاني ومعاينة مواقفهم هم وصياغتها بشكل متماسك وأساسي أكثر.

يهودية وديموقراطية !

ويوضح كوهن أن الوثيقة تعبرّ عن معتقد غابيزون بأن يهودية الدولة لا تبرر التمييز بين مواطنيها وأن من حق معارضي تعريفها هذا بالعمل بطرق سلمية من أجل إقناع مواطنيها بضرورة تغيير أفضلياتهم.

ويضيف “بالنسبة لكثيرين تبدو الوثيقة المقترحة معتدلة ومفهومة ضمنا وغير ثورية ولكن الدمج بين الوطنية المدنية وبين احترام الهوية والرواية الجماعيتين من شأنه أن يبدو لبعض الجهات كمحاولة لتربيع الدائرة، وربما يرى آخرون بها نصا ساذجا أما الصارمون في الجانبين فسيقولون إنه مسعى لأن تكون دفعة واحدة يهوديا صهيونيا وأيضا ديموقراطيا تعدديا هو مسعى فيه تناقض بين أمرين ينبغي اختيار أحدهما بشكل واضح.

وأوضح كوهن أن الوثيقة ترى بذلك الطريق الوحيد للتربية لنقاش جماهيري مفتوح داخل مجتمع متصارع وفيه المستوى السياسي بعيد عن إحراز تفاهمات. ويضيف “لم نر بها تسوية بل ترسيما لسياسات رسمية للتربية والتعليم وفلسفة تربوية تعترف بالدمج الشرعي بين الصهيونية وبين الديموقراطية وتقترح رؤية تربوية تتيح منبرا وتعاملا محترما ونقاشا نزيها للروايات المختلفة وهذا الحد الأدنى الذي ينبغي أن يقدمه جهاز تعليم رسمي وليس محايدا وذلك كي لا يطمر أحد رأسه بالرمل وإبقاء المعلمين دون أدوات وعاجزين”.

ويقول إنه وغابيزون قد خاب أملهما من موقف وزارة التعليم الإسرائيلية التي رفضت هذه الوثيقة رغم أن غابيزون محسوبة على معسكر اليمين ورغم دعم لجنة موضوع المدنيات ورئيس السكرتارية التربوية في الوزارة ومديرها العام. ويتابع “خاب أملنا بعدما تبين أن محاولة ملامسة الجرح موجعة جدا وربما غير واقعية”.

حاجة تربوية وتحدي ديموقراطي

وكشف كوهن أن وزارة التعليم الإسرائيلية رفضت في العام الماضي طلبا متكررا قدمته غابيزون لنشر الوثيقة للمناقشة على الأقل، وتابع “يبدو أن أي سياسي إسرائيلي وبالذات في حكومة اليمين خلال العقد الأخير لم يسمح لنفسه أن يوقع على وثيقة تتيح حوارا تعدديا حيال الصراع مع الفلسطينيين أي منح منصة لمن هم غير يهود صهاينة أو لمن لديهم مواقف نقدية حتى لو تم ذلك في سياق هيمنة صهيونية واضحة ويبدو أن وزير التربية والتعليم يخشى يوم الانتخابات حتى لو كانت باحثة مثل غابيزون موقعة على مثل هذه الوثيقة وفي المقابل يفعل المعلمون المستوطنون واليمينيون ما يشاؤون خلال عملهم”.

وأكد أن الوزارة الإسرائيلية قبلت في المقابل وثيقتين إضافيتين لتشجيع النقاش والحوار مع الآخر في قضايا أخرى عدا الصراع مع الفلسطينيين، داعيا المعلمين لطرح الرواية التاريخية الفلسطينية مقابل الرواية الصهيونية دون انتظار توجيهات عليا من الوزارة كجزء من مسؤوليتهم للتربية على التعددية وثقافة الحوار.

ويخلص للتعبير عن رؤية متفائلة بالقول ” إذا كنا نرغب بحسم الصراع بواسطة القوة فلا حاجة للحوار وللاستقامة الفكرية ولكن إذا كنا راغبين بتربية الشباب على التداول بينهم حول قضايا موجعة فلا يمكن القفز عن الإصغاء المتعاطف لمزاعم من يقابلهم وبالذات في فترة عاصفة كالتي نعيشها فإن عدم تمكين المشاعر السلبية تجاه خصومنا للسيطرة على الخطاب السياسي يصبح حاجة تربوية وبالتالي تحديا ديموقراطيا”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية