الناصرة- “القدس العربي”: ضمن محاولته استخلاص دروس الحرب على غزة يعتبر باحث وجنرال إسرائيلي في الاحتياط أن إسرائيل تواجه خطرا استراتيجيا بحال تعرضت لحرب متعددة الجبهات داعيا بسبب ذلك لعدم الانسحاب من الضفة الغربية المحتلة.
ويقول الباحث في مركز “بيغن – السادات“ الجنرال في الاحتياط غيرشون هكوهن إن الإنجازات الدفاعية للجيش الإسرائيلي ضد حماس في الحرب الأخيرة كانت رائدة ومع ذلك فإنه سيواجه صعوبة في الدفاع عن إسرائيل داخل حدود عام 1967، خاصة في حالة نشوب صراع متعدد المجالات.
ويعتبر في مقال نشر في موقع المعهد أنه خلال الحرب الأخيرة في غزة، تعرضت إسرائيل لأول مرة لاستراتيجية قاسم سليماني: تطويقها بحلقة نيران من جميع الجبهات، بما في ذلك الجبهة الداخلية وهذه المرة حولت ساحة غزة، التي تندلع في حرب من وقت لآخر، المسجد الأقصى والقدس إلى نقطة محورية جديدة، مما أشعل فتيل “أعمال شغب“ على مستوى البلاد من قبل العرب في إسرائيل وتابع “لقد قال إسماعيل هنية، زعيم حماس في خطابه بعد الحرب إن الحملة فتحت الباب لآفاق جديدة. لحسن الحظ لم تصبح هذه الآفاق الجديدة – والتهديد الكامل الذي تمثله – حقيقة واقعة. الآن بعد أن كان هناك وقف لإطلاق النار، لدى إسرائيل فرصة لتقييمها”.
ويتساءل هكوهن ما الذي كان مفاجئا في هذه الحرب؟ وعن ذلك يقول إنه فيما يتعلق بالاستعداد العملياتي، كان الجيش الإسرائيلي على استعداد للقتال لكن في الوقت نفسه، تعترف الاستخبارات العسكرية بوجود قدر من المفاجأة في حقيقة أن حماس هي من بادرت لهذه الجولة، معتبرا أن المفاجأة تكمن في الإطار الجيوسياسي الجديد، حيث تركز حماس حملتها على قضية القدس.
ويرى أنه في معارك القرن الماضي، بما في ذلك حرب 1967 وحرب 1973، تطلب شن الحرب انتشارا مسبقا من قبل العدو مع وجود علامات التحذير المصاحبة لنية العدو. ويضيف “عندما قرر الرئيس المصري جمال عبد الناصر في مايو 1967 نقل قواته إلى سيناء، منح دخول سيناء وعملية انتشار القوات المصرية لإسرائيل فترة تحذير. وبالمثل، في الفترة التي سبقت حرب 1973 كانت هناك علامات واضحة على الاستعداد للحرب – رغم أنه في هذه الحالة، للأسف، اختارت استخبارات الجيش الإسرائيلي تجاهلها. منذ ذلك الوقت، اعتمد التقييم الاستخباري على المراقبة الدقيقة والمنتظمة للعلامات المنذرة. وهنا تسببت قدرة حماس في تحقيق المفاجأة – والأكثر من ذلك، حزب الله – على إحداث تغيير جوهري”.
ويقول هكوهن أيضا إنه على عكس المنظمات العسكرية التقليدية، تستخدم حماس وحزب الله منطقا يحد من وقت التحضير للحملة لافتا أنه قد تم بالفعل نشر معظم صواريخهم بشكل روتيني في منصات إطلاقهم. ويعتبر أن الشيء نفسه ينطبق على جزء كبير من قواتهم وهم في الأساس من السكان المحليين: كتائب الشجاعية وجباليا على سبيل المثال، مأهولة من قبل سكان تلك الأحياء، من المقاتلين وصولا إلى قادة الكتائب. وهذا يجعل الانتقال من الظروف الروتينية إلى حالة الطوارئ سريعا للغاية ولا يسمح لمخابرات الجيش الإسرائيلي إلا بتحذير قصير.
ويقول إنه حتى في ظل الظروف الروتينية، يتم نشر أجزاء كبيرة من قوات العدو القتالية في جميع الأوقات في حالة استعداد دائم للعمل وإن الوقت القصير الذي يحتاجه العدو لبدء الأعمال العدائية، من اللحظة التي تتخذ فيها القيادة القرار إلى العملية نفسها، يعني أن إطلاق النار المفاجئ هو احتمال دائم. معتبرا أيضا أن هذا التغيير يتحدى الافتراضات الأساسية لمفهوم بن غوريون الأمني ، والتي كان أحد أركانها الاعتماد على فترة تحذير والتي تشمل أيضا الردع وأخيرا الحسم.
وبرأي هكوهن يتطلب تقصير زمن التحذير من إسرائيل مراجعة مفهومها الأمني منوها أن رئيس الأركان أفيف كوخافي، في الخطة الجديدة التي صاغها للنهج العملياتي للجيش الإسرائيلي قام بالفعل بإجراء تغييرات على النهج التقليدي للدفاع. ويتابع “أيضا، في عهد رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، تم استثمار الموارد في تطوير الدفاع، بما في ذلك الجدار الخرساني تحت الأرض حول قطاع غزة”.
ويقول الباحث الجنرال في الاحتياط حول الحرب الأخيرة إن الإنجازات الدفاعية للجيش الإسرائيلي ضد حماس في الجولة الأخيرة كانت رائدة ولا ينبغي بأي حال من الأحوال الاستخفاف بها. مشيرا أيضا إلى إنجازات البحرية الإسرائيلية في إحباط كل خطوة هجومية من قبل بحرية حماس، وإنجازات سلاح الجو في إسقاط طائرات بدون طيار تابعة لحماس – بما في ذلك طائرة بدون طيار متفجرة كانت موجهة نحو منصة الغاز تمار، والإنجازات الدفاعية على حدود غزة التي أوقفت حركة حماس ومنعت تسلل فرق كوماندوز حماس. ويثني أيضا على الجهود المبذولة لمواجهة إطلاق الصواريخ وأداء بطاريات القبة الحديدية، والتي يمكن إضافتها إلى الإنجازات في المجال الدفاعي.
على نطاق أوسع يؤكد هكوهن أن التهديد الذي تشكله حماس من خلال القوة النارية الصاروخية التي وجهتها ضد المدن الإسرائيلية يجب أن يدق أجراس التحذير بشأن انسحاب إسرائيلي محتمل من الضفة الغربية المحتلة. ويعلل رؤيته المتطابقة مع حكومة الاحتلال بالقول إن الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 لن تكون منزوعة السلاح وستكون لديها القدرة على أن تصبح تهديدا أكبر بكثير من قطاع غزة.
حجم الإنتاج الذاتي للسلاح في ظل حماس والجهاد الإسلامي يكشف عن “وهم نزع السلاح“
ويقول أيضا ضمن مزاعم يسوقها في مقاله إن حجم الإنتاج الذاتي للسلاح في ظل حماس والجهاد الإسلامي يكشف عن “وهم نزع السلاح“ لافتا إلى أن معظم هذا الإنتاج الذاتي تم تنفيذه بالمواد الخام بالآلات المدنية. ويضيف “لا توجد وسيلة لمنع دولة من امتلاك آلات مخرطة محوسبة أو أنابيب حديدية أو فوسفات. إن حقيقة أنه، في الوقت الحالي، لا يوجد إنتاج صواريخ في المدن الفلسطينية ومخيمات اللاجئين في الضفة الغربية ينبع بالكامل من المراقبة والوقاية التي أتاحتها قوات الجيش الإسرائيلي ووجود مجتمعات مدنية إسرائيلية في عمق الأرض”.
ويعتبر هكوهن ضمن مزاعمه أن نجاح القيادة المركزية خلال هذه الجولة في احتواء “النشاط الإرهابي“ والعنف الشعبي في مناطق الضفة الغربية الواقعة تحت رعايتها يدل على أن المطالبة باستمرار الوجود الإسرائيلي في تلك المناطق له ما يبرره، تكتيكيا وعموما. ويقول إنه عندما يقارن المرء الموارد والجهود المطلوبة لتأمين السهل الساحلي لإسرائيل، والذي تم بناؤه حول نشاط الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية ودعم المجتمعات الإسرائيلية هناك، بما يجب أن تستثمره مؤسسة الدفاع في قطاع غزة، يتضح أن الوضع الحالي في الضفة الغربية أكثر فاعلية وملاءمة.
ويتابع “أولئك الذين يطالبون بمزيد من الانسحابات، والتي تنطوي على اقتلاع المجتمعات المحلية والتراجع إلى خط الجدار الفاصل ينطلقون من اعتقادهم أن الانسحاب إلى خطوط 1967 مع تعديلات طفيفة سينهي الاحتلال ويمنح إسرائيل الشرعية الدولية والدعم لعملية عسكرية إذا قوضت الدولة الفلسطينية أمنها.
ويضيف “كما يعلل هؤلاء رؤيتهم بالقول إنه يمكن للجيش الإسرائيلي، بتفوقه الدائم، أن يزيل أي تهديد أمني في وقت قصير وبكلفة معقولة”. ويدعي هكوهن أن حجم التهديد الذي تواجهه إسرائيل من غزة إلى جانب الرأي العام المعادي في الدول الغربية، يلقي بظلال من الشك على صحة تلك المقدمات. ويدعو للتذكر أن المؤيدين الإسرائيليين لفك الارتباط أحادي الجانب من غزة لعام 2005 وعدوا بأن يدعم المجتمع الدولي أي رد عسكري إسرائيلي على الهجمات الإرهابية من القطاع”.
ويقول إنه في هذا الصدد، لا يمكن اعتبار دعم الرئيس بايدن لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها أمرا مفروغا منه، ومن المرجح أنه سيتعين دفع ثمن الدعم الأمريكي الذي حصل عليه رئيس الوزراء نتنياهو لمدة 10 أيام من الحرب. ويتابع “كانت الإدارة الأمريكية، الملتزمة بتعزيز حل الدولتين، تدرك جيدا أن الفشل في دعم إسرائيل أثناء تعرضها لهجوم إرهابي من غزة سيجعل من الصعب مطالبة إسرائيل بموافقة إسرائيل على الانسحاب المستقبلي من الضفة الغربية. ومع ذلك، منعت الإدارة الأمريكية إسرائيل من مواصلة هجومها حتى تركع حماس على ركبتيها”.
ويخلص هذا الباحث الجنرال الإسرائيلي في الاحتياط للقول إن الأحداث التي وقعت في الأسابيع الماضية والتي أظهرت محدودية قوة الجيش الإسرائيلي في حالة نشوب حرب متعددة الميادين (بما في ذلك الحرب الداخلية) وهي احتمالية تتزايد احتمالية حدوثها تشير إلى أن عمليات الانسحاب الإضافية ستشكل خطرا وجوديا على إسرائيل.
ويتابع “مع كل التفوق العملياتي للجيش الإسرائيلي، إذا كان عليه القتال في الساحة الشمالية أيضا، فلن يكون قادرا على الدفاع عن الشريط الساحلي الضيق من حدود ما قبل عام 1967″.
يذكر أن عددا من الباحثين الإسرائيليين قد أكدوا خسارة إسرائيل استراتيجيا بالحرب على غزة رغم تحقيق مكاسب تكتيكية منوهين أن الحرب كشفت عن أعطال مفاهيمية كثيرة لدى إسرائيل في التعامل مع القضية الفلسطينية بشكل عام، وبشكل خاص مع غزة المحاصرة وسياسة تكريس الانقسام بينها وبين الضفة.