باريس ـ ‘القدس العربي’ ـ من صادق ابو حامد: الناظر إلى باريس بأبنيتها وأسطحها وشوارعها القديمة، يكاد يظنها مدينة تعيش في القرن التاسع عشر، مدينة تحفظ أثاث بيتها بعيداً عن أي تغيير. لكن المدينة المعتدة بتاريخها تملك من الثقة بنفسها ما يكفي لتفتح نوافذها للرياح القادمة من جميع الاتجاهات.
فلا خوف على الثقافة من الغريب هنا، بعد أن تمازج الغرباء فيها وتناسلوا حتى باتوا جزءاً من هويتها.
أما التطور فذلك حرفتها، والمعاصرة والحداثة وما بعد الحداثة تشكل مفاتيح شبابها المتجدد. لذلك لا تستغرب وأنت تمشي على ضفاف نهر السين المكللة بالأبنية القديمة وجسور التاريخ، أن تطالعك تحفة معمارية خارج سياق اللون والفضاء المحيطين. مبنى يبدو وكأنه قطعة من قصص الخيال العلمي، بغلافه الأخضر الشفاف الذي يحبط جميع الزوايا، وقدميه الغاطستين في مياه نهر السن. ولا تستغرب وأنت تدخل حجرات المبنى، الذي يحمل اسم متحف فن التسلية Art Ludique، أن يصطدم نظرك بعيني الرجل الأخضر الجاحظتين غضباً، ودرع كابتن أمريكا يلمع في فضاء المعركة، بينما ينسج الرجل العنكبوت طريقه بين أسطح ناطحات السحاب. فباريس تستضيف معرضاً لشركة النشر مارفيل كوميكس Marvel comics بأبطالها الأشهر في العالم.
متحف فن التسلية في باريس الذي يعتبر المتحف الأول عالمياً الذي يخصص فضاءه للعالم البصري المتشكل من الحكايات المصورة، وفن المانغا، وألعاب الفيديو والرسوم المتحركة والسينما، يخوض من جديد تجربة البحث عن الفن المؤثر في تشكيل مخيلتنا المعاصرة، البحث في كائنات من عالم خيالي، لكنها باتت تمثل جزءاً أساسياً من عالمنا الواقعي.
آلهة جديدة للأسطورة المعاصرة
الرجل الحديدي Iron Man، الرجل العنكبوت Spider Man، الرجل الأخضر Hulk، الرائعون الأربعة Fantastic Four، كابتن أميركا Captain America… قائمة طويلة من الأبطال الخارقين الذين شكلوا الخيال البطولي لأجيال، وامتلأت بصورهم ورسوماتهم وأفلامهم الأسواق في شتى أنحاء العالم منذ عقود. عالم متكامل من البطولة والصراع الأزلي بين الخير والشر استبد بالصورة والرمز عالمياً حتى غدا عالماً موازياً للواقع، ربما لم ينج شخص من تأثير رموزه وأبطاله.
خلف هذا العالم الغني والفياض دائماً بالجديد تقف مدرسة Marvel Comics أو بيت الأفكار كما تلقّب. هناك حيث تبزغ الفكرة لتصبح لعبة الفنانين تشكيلاً وتكويناً وحواراً وسيناريو، حتى تخرج شخصية متكاملة بألوانها وتفاصيلها، بحكايتها وتاريخها، بأهدافها وأعدائها.
مجموعة كبيرة من اللوحات والرسومات والتخطيطات للأبطال الخارقين عرضها المتحف، تصحبهم مجسمات وأقنعة وأسلحة وأدوات حربهم الضروس ضد الشر المتشكل كقوة خارقة مقابلة. فالبطل الخارق يقاتل دائماً شريراً خارقاً ما كان للعالم أن ينجو من بطشه لولا أن الأقدار ساقت البطل الطيب لينقذ البشرية من فناء محقق.
مع كل شخصية، ولكل حكاية، فريق عمل يتبادل الأفكار والتصورات، يختلف ويتفق، ويصنع مفاهيم جديدة، ورموزاً مفارقة. ورشة عمل فكري وفني محمومة تجمع المعرفة التاريخية بالعلمية بالجمالية وربما الفلسفية، فالإبداع مشروط بالمران والخبرة والمعرفة، بمراكمة لا تكتفي بالإلهام المتساقط من النجوم، لتصنع في المحصلة الميثيولوجيا المعاصرة. ميثيولوجيا لا تخفي تأثرها بتلك الإغريقية. هناك، كما هنا، صراع بين الجبابرة، بين قوى الخير والشر ممثلة بآلهة وأنصاف آلهة وبشر عاديين. لا موت يؤرق هؤلاء الخالدين، لكن الصراع يتنوع ويشتد آسراً متابعيه حتى تبلغ الأحداث لحظة النصر الأكيدة.
لا تتوقف المشابهة مع الأساطير الإغريقية عند الخلود والعظمة، بل تتعدى ذلك إلى الأشكال، بمشابهتها للتمثايل المنحوتة بدقة لآلهة تعتز بجمالها، وبتفاصيل أجسادها المشدودة. صورة يستعيدها البطل الخارق بعضلاته الظاهرة، وزيّه الذي يُظهر كل مكامن القوة. ستان لي Stan Lee مدير النشر في دار Marvel، والأب الروحي للأبطال الخارقين، إلى جانب جاك كليربيJack Kirby، يتمنى أن تتجاوز هذه المشابهة مرحلة التكوين لتبلغ المآل ذاته، منتظراً اليوم الذي يجد هؤلاء الأبطال الخارقون مكانهم في المتاحف كتجلّ للأسطورة المعاصرة إلى جانب أجدادهم من آلهة الأسطورة الإغريقية، وآبائهم من فرسان الحكايات الشعبية الأوروبية كالملك ريتشارد، والملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة.
بيت الأفكار الذي خلق شخصياته في عالم الحكايات المصورة Bande Dessin’ (Comics)، وبنى مملكة كاملة في عالم الفن التاسع، سرعان ما غزت أفكاره وشخصياته مختلف مجالات العالم البصري عبر الرسوم المتحركة وألعاب الفيديو والسينما، قبل أن تشتري شركة الإنتاج الضخمة وايلت ديزني قبل خمس سنوات دار مارفيل كوميكس. البطل الخارق الذي صنعه بيت الأفكار تحول إلى نموذج عالمي خارق يطفح العالم بمريديه، وبالسالكين دربه في اللباس والشكل والحركات، ما جعل منه نموذجاً جمالياً متجاوزاً للحدود، حتى باتت أغلب تجليات البطولة في الصورة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب تستلهم نموذجه، فكانت واحدة من معارك الثقافة التي ربحتها الولايات المتحدة بفضل الضخامة والحرفية في إنتاجها، وقبل ذلك القدرة على الجمع الخلاق للطاقات الفكرية والفنية في إبداع قوي الشخصية.
البطل الأمريكي.. البطل الإيديولوجي
في سلالات الأبطال الخارقين تبقى شخصية كابتن أميركا من بين الأقدم والأشهر. شخصية ولدت عام 1940 في أجواء الحرب العالمية الثانية، إبّان التقدم المذهل للجيوش النازية. في تلك اللحظة خلق مؤلفان شابان هما جوي سيمون Joe Simon وجاك كيربي Jack Kirby شخصية ستيف روجيرز الكابتن أمريكا صاحب الألقاب العتيدة. بطل استثنائي امتلك قوة خارقة بفضل تجارب علمية ليصبح الجندي الخارق. يحمل العلم الأمريكي درعاً وزيّاً، ويتحلى بالصفات الجمالية الثابتة للبطل الأمريكي التي تبدأ بالبشرة البيضاء والشعر الأشقر، لتمتد إلى الجسم الرياضي الخارق، وخفة العبارة، والذكاء، وسرعة البديهة.
يقاتل كابتن أمريكا على كل الجبهات ضد النازية محققاً انتصاراً خلف انتصار، فهو الجندي الذي لا يهزم، والذي يضع نصب عينيه خير البشرية، لكنه خير مؤدلج دون لبس. كابتن أمريكا أشبه ما يكون بالناطق الفني للإدارة الأمريكية، أو للإستراتيجية السياسية الأمريكية. عدوه النازي الشرير سرعان ما يتحول بعد هزيمة النازية إلى العدو الشيوعي الشرير. فالخارق الشرير (الجمجمة الحمراء) الذي كان الذراع الأيمن لهتلر زمن الحرب العالمية الثانية، يصبح عميلاً شيوعياً سنوات الخمسينيات. وطالما أن عدو أمريكا يمثل دائماً الشر المطلق، فإن أمريكا، بكابتنها العظيم، هي بالتأكيد خلاصة الخير المطلق. لذلك ظل البطل الأمريكي، الكابتن، على حاله بين المرحلتين التاريخيتين، لكن بدلاً من أن يضع الجندي النازي تحت قدمه، باتت قدمه تعلو الجنود الحاملين للنجمة الحمراء.
في النسخة الأخيرة من كابتن أمريكا: جندي الشتاء Captain America: The Winter Soldier ( Hollywood 2014 ) لا يغير الكابتن عدوّيه كما يبدو. في هذا الفيلم يحبط الكابتن محاولة أتباع النازية السرية، والمعقدة، للسيطرة على العالم. أما بطلهم الشرير وهو أمريكي أيضاً، إذ لا ينبغي للبطولة أن تغادر الدم الأمريكي، فقد كان صديق كابتن أمريكا ورفيق سلاحه قبل أن تجرى له عملية غسل دماغ، ليتحول إلى آلة قتل بيد النازية. لكن آلة القتل هذه صادف أنها تحمل شارة لا تخطئها العين: نجمة حمراء على كتف بطل الشر. ففي عالم الأشرار أعداء أمريكا تصبح كل الرموز سواء.
الفيلم الذي يمثل أحدث إنتاج سينمائي في عالم الأبطال الخارقين، يبقى مخلصاً لماكينة الإنتاج السينمائي الأمريكي التي غالباً ما تجعل مصير العالم في اليد الأمريكية، وخير ورفاه البشرية منوط بالبطولة الأمريكية الاستثنائية، أما بقية دول العالم في هذا النوع من الأفلام فلا يعدو دورها الكومبارس، حاضرة في الصورة الخلفية كهامش ملحق. فبفضل الأمة الأمريكية الاستثنائية يستطيع هذا العالم أن يستمر، بأشرار أقل، وازدهار أكبر، حتى يكاد المشاهد عند خروجه من صالة السينما يشعر برغبة ملحة لتأدية صلاة الشكر لأمريكا، وللآلهة الجدد الذين خرجوا من تحت عباءتها ليطردوا ظلام الشر، وينشروا نور الخير في أربع جهات الأرض!