ربما يكون الإغلاق خانقاً مع عدد وفيات يرتفع بشكل كبير، وفي الخارج اشتعال ضخم لا يخمد بين الشرطة وقطاعات كاملة، لكنها فترة جيدة جدا لرئيس الحكومة نتنياهو. بقيت أشهر تفصلنا عن الانتخابات، ويبدو أن كل شيء يسير لصالحه تقريباً. هذا منحنى مقاعد الليكود التي تقفز في جزء من الاستطلاعات (32 مقعداً في استطلاع “حداشوت 13” الأخير) وفي جزء منها مستقرة أو تنخفض قليلاً (29 مقعداً في استطلاع حداشوت 12 أمس). ولكن الاستقرار علامة تفاؤل بالنسبة له، مع الأخذ في الحسبان ما يحدث في الخارج.
إن استخذاءه أمام زعماء الأصوليين وأحفادهم كان من شأنه، على الأقل مؤقتاً، أن تمس بقوته في الاستطلاعات، حسب التاريخ وحسب الاستطلاعات العميقة التي تنبعث منها مشاعر مناوئة للأصوليين في أوساط المجتمع العلماني، وأيضاً في الجزء اليميني منها. تأثير التطعيمات ينجح في منع مس كهذا، حتى لو كانت الأرقام في الاستطلاعات، كما يقول نتنياهو نفسه في “تيك توك”، لا ترتفع بنفس الوتيرة مثل “الأرقام التي نشاهدها ترتفع في الفحص المصلي”.
ما يحدث خارج الليكود يدل على وضع ممتاز لنتنياهو. صعود “يوجد مستقبل” في الاستطلاعات وترسخه كحزب ثان في حجمه مع 16 – 18 مقعداً هو بمثابة أنباء رائعة لرئيس الحكومة. هذا ما كان يأمل نتنياهو حدوثه بالضبط: شيطان واضح على اليسار، وهدف تسهل الإشارة إليه والقول “إما أنا وإما هو”. من السهل على نتنياهو أن يجذب أصوات اليمينيين وهم يرون، في المقابل، شخصية غير شعبية في اليمين، مثل لبيد. هذا أسهل بكثير مما كانت عليه الحال قبل شهر عندما كان جدعون ساعر هو البديل. ولكن الأخير فقد ثلث قوته في الاستطلاعات خلال شهر، والأكثر خطورة من ذلك، فقد الزخم.
ما يحدث في الأحزاب الصغيرة في الوسط – يسار يعمل لصالح نتنياهو، طالما أن زعماء الأجنحة المارقة وعصابات الأفراد، ميراف ميخائيلي ورون خولدائي وبني غانتس ونيتسان هوروفيتس ويارون زليخة وغيرهم، يتشاجرون على من يتصدر القوائم، التي يساوي وزنها صفراً أو فوق الصفر بقليل، واللاعبون جميعهم في خطر الفناء. إن كل استطلاع يظهر نتيجة مختلفة، فمرة تجتاز ميخائيلي نسبة الحسم ولا يجتازها خولدائي، ومرة يكون لحزب “الإسرائيليون” أكبر من حزب العمل، لذا يصعب خلق ارتباطات تمنع التبخر.
أراد نتنياهو أن يتنافس أكبر عدد من الأحزاب بشكل منفرد، كي تبدد الأصوات التي ستبقى خارج حفل توزيع المقاعد. في هذه الحالة، سيزداد نصيب كتلته النسبي. كل مقعد سيبقي حزب يسار في الخارج سيذهب نصفه إلى نتنياهو وشركائه. المقعد 61 قد يأتي من “ميرتس” أو “العمل” إذا بقيت خارج الكنيست. ليس كل ما يجري في اليسار يبتسم له: حغيت موشيه، المرشحة التي لم تعرف حتى إلى ما قبل أسبوعين أنها مرشحة، انتخبت باسمه لرئاسة البيت اليهودي، في الطريق إلى الاتحاد مع بتسلئيل سموتريتش. ولما يظهر في الاستطلاعات مثل أربعة مقاعد أخرى، يمكن لنتنياهو أن يجمعها لكتلته التي تكاد تصل مع بينيت المقعد 59 – 60. إلى ذلك، يمكن إضافة الصعوبة في بلورة القائمة المشتركة التي تزيد احتمالية التنافس بصورة مستقلة لـ”راعم”، شركاء نتنياهو في المجتمع العربي. هذا سيناريو سيرضى عنه نتنياهو بصرف النظر عن كيفية انتهائه: إما ببقاء “راعم” في الخارج، ويقلص تمثيل العرب في الكنيست (بهذا تزيد الحصة النسبية للكتلة المؤيدة له) أو بدخول “راعم” إلى الكنيست فتكون له أربع أصابع أخرى في الطريق إلى حكومة الحصانة.
صعود لبيد، الخصومة المنهكة بين بقايا الوسط – يسار، وما يحدث في اليمين الراديكالي وما يحدث في الوسط العربي، كل ذلك يعمل لصالح نتنياهو. وشهران على موعد الانتخابات هي فترة طويلة، وكل شيء قد ينقلب. وحتى في الاستطلاعات الأكثر تفاؤلاً، يفتقد نتنياهو الـ 61 مقعداً، حتى مع بينيت. ولكنه يمتلك الزخم؛ لأن العوامل التي أدت إلى صعوده، لا سيما عملية التطعيمات، ستتسارع في الأشهر المتبقية. كل شيء يسير لصالحه في هذه الأثناء، هذا حتى قبل بدء الحملة (الرسمية) فضلاً عن التي تدار في غرفة الحكومة.
لقد بقي أسبوع ونصف على إغلاق القوائم، ويبدو أن معظم السيناريوهات التي قد تحدث حتى ذلك الحين تعمل لصالح نتنياهو. عمليات التوحد “الصغيرة” في اليسار ما زالت عالقة، والاتحاد “الكبير، المفترض بين يئير لبيد ورون خولدائي، ما زال عالقاً. وإذا تحقق ذلك، فقد يجد فيه نتنياهو فائدة “معركة رأس برأس” مع لبيد. ولكن هناك اتحاد واحد يقض مضاجعه، وهو اتحاد إذا ما تحقق سيقلب زخم الانتخابات، بل سيحسمه بصورة نهائية.
يدور الحديث عن سيناريو يتحدث عنه النظام السياسي في هذه الأثناء. وحتى الآن لا توجد اتصالات لتحققه الفعلي. ولكن يصعب تجاهل الأفضليات التي تكتنفه بالنسبة للشريكين: جدعون ساعر ونفتالي بينيت. أيديولوجيا هذا الارتباط طبيعي: منذ اللحظة التي قرر فيها بينيت التحرر من حدبة بتسلئيل سموتريتش ومن صورتها المتطرفة، وبالتأكيد الدينية، التي يجلبها معه، فإن الفروق الأيديولوجية بينه وبين ساعر بسيطة، هذا إذا وجدت. ولكن ثمة فائدة عملية وشخصية لبينيت ولساعر أيضاً.
بالنسبة لساعر، الذي ما زال حسب الاستطلاعات المرشح الطبيعي لقيادة هذا الاتحاد، فإن الأفضليات واضحة: قائمة موحدة مع “يمينا” ستعيده إلى ما فوق خط العشرين مقعداً، الذي سيكون منه الترشح لرئاسة الحكومة أكثر شرعية، وستعيد له الزخم الذي يبحث عنه، وستوفر عليه النار المتقاطعة بين المعارضين اليمينيين لنتنياهو. المنطق الذي يبرر هذا الاتحاد بالنسبة له، في الوقت الذي يكون فيه على رأسه، واضح. ولكن لبينيت ما يبحث عنه في مثل هذا الاتحاد، حتى لو تنازل فيه عن المكان الثاني.
نشطاء جميع الأحزاب السياسية يحسبون بينيت في هذه الأثناء على المعسكرين، معسكر نتنياهو ومعسكر ساعر ولبيد. والتقدير هو أن بينيت سيذهب مع من سيصل من الكتلتين إلى 61 مقعداً معه. هكذا سيضمن لنفسه التناوب على رئاسة الحكومة، وإذا كان الحديث عن وعد بالتناوب أو عن وعد من أي نوع، فمن الأفضل أخذه من ساعر وليس ممن لا ممن يخلف الوعد. ولكنه ليس السبب الوحيد؛ فالاتحاد بين ساعر وبينيت حتى لو زاد احتمالية سقوط نتنياهو -الأمر الذي يأمله بينيت، دون الإشارة إلى اعتباره الشخص الذي أسقط حكم الليكود- هو مسؤولية ستلقى بالكامل على ساعر؛ لكونه زعيم القائمة الموحدة. إذا اتحد بينيت مع ساعر، فسيحصل على كل الخيرات: التناوب على رئاسة الحكومة، وإقصاء نتنياهو دون أن يقتضي منه ذلك دفع ثمن المسؤولية عن ذلك في اليمين.
قبل أسبوعين، فحص هذا السيناريو في استطلاع “حداشوت 12″، الذي أجراه مينو غيفع ومعهد متغام، وفيه حصل هذا الاتحاد على 25 مقعداً، ثلاثة مقاعد أقل مما حصل عليه الحزبان بصورة منفصلة. ولكن مع تأكيد واضح – ففي استطلاع كهذا، شطب بينيت نهائياً من الكتلة المحتملة لنتنياهو، التي ستبقى حينها مع 46 مقعداً فقط حسب هذا الاستطلاع. ويكون الخط قد قطع نهائياً على حكومته. فهل لخصوم نتنياهو تلك الشجاعة للقيام بما يخيفه أكثر من أي شيء آخر؟
بقلم: أمنون هراري
هآرتس 27/1/2021