بيروت-“القدس العربي”: “على أثر الفينيقيين” عنوان اختارته تونسيات لمعرض منتجات حرفية يدوية استضافته بيروت لثلاثة أيام. سيدات ينتمين إلى “بالتونسي” وهي جمعية حديثة الولادة في تونس تلتف حولها مئات يعملن على احياء المصنوعات الحرفية بلمسة معاصرة. اختارت التونسيات لبنان كأول لقاء لهنّ مع سوق خارج الوطن. فبين تونس ولبنان حبل سرّي وصلته من زمن غابر “عليسّا” التي هربت من مدينتها صور وحطت على الشاطئ التونسي، وأسست مدينة قرطاج.
الصناعات الحرفية التونسية على مختلف أشكالها وأنواعها كانت محط اعجاب وتقدير. تميزت بالذوق الرفيع، وباللجوء قدر الممكن إلى موارد طبيعية. وتنوعت بين التطريز التراثي، صناعات الحُلي، الخزف، قش النخيل، الأحجار الكريمة، الملابس الجميلة والدافئة، والملابس التي جمعت بين حميمية التراث ولمسات معاصرة.
في المعرض الذي نقل إلى بيروت عينات من الإنتاج الحرفي التونسي تجاورت الأصالة والحداثة. وتجاور خيط الحرير مع خيط الذهب والفضة بذوق رفيع. وتجاورت حلي جمعت بين النسيج اليدوي والأحجار الكريمة من مختلف أنواعها بينها اللؤلؤ والمرجان، مع القلاّدات والأحزمة. وكان للعنبر حضوره في العديد من التصاميم الخاصة بزينة النساء.
فاتن عبد الكافي، التي أطلقت فكرة “بالتونسي” إثر الثورة قالت لـ”القدس العربي” عن ولادة المشروع: عمر الفكرة ثلاث سنوات، ولدت إثر التفجيرات الإرهابية التي ضربت تونس، وتركت أثراً مباشراً على تصريف الصناعات التقليدية والحرفية. ولأنني أسجل نشاطاً ملحوظاً على وسائل التواصل الاجتماعي، سألت نفسي بضرورة تشجيع الحرفيين وشراء منتجاتهم بالتعاون مع مجموعة صديقات. فنحن نعرف أن آلاف العائلات تعيش من هذا القطاع. رحبّ كثيرون من المتواجدين على فيسبوك وانستغرام بالفكرة التي بدأت بشعار “هذا الصيف سأرتدي التونسي” الذي وجد رواجاً، وانخرط فيها الآلاف. هذا النجاح “الباهي” دفعنا للتفكير بإسم آخر لهذا التضامن والتكاتف فكان اسم “بالتونسي” تماماً كما نقول بالعربي. نحن متمسكون بهويتنا وتاريخنا وحضارتنا، وفي الوقت عينه نحن منفتحون على باقي الحضارات، والعالم المحيط بنا. نجحت الفكرة ووجدت اقبالاً، وصالحت الناس مع هويتهم. فقد تخلل حياتنا في المرحلة الأخيرة بعض التغيير، ودخلها نمط من اللباس القاتم لم نكن نعرفه من قبل، وكان التصدي له ضرورياً. فلباسنا التقليدي التونسي “زاهي وباهي” الألوان. شجعنا التونسيات للعودة إلى لباسهن التقليدي بلمسات معاصرة. أما لباسنا التراثي المطرز فاحتفظنا به للأعراس والأعياد. وهكذا استوحينا لباسنا اليومي من التراث وأضفينا إليه بعضاً من روح العصر. كانت انطلاقتنا قبل ثلاث سنوات من خلال صورة وضعتها على فيسبوك ارتديت فيها جينز وفوقه “مريول فضيلة” المخطط والشهير، مع قرط من الفضة. وإذ بتلك الصورة تشعل ثورة على الشبكة العنكبوتية، ومن بعدها صارت التونسيات يسافرن للخارج بلباسهن التقليدي، ويتصورن معه في كافة عواصم العالم.
*وماذا عن الخطوة التالية؟
**بدأنا العمل على المعارض المحلية في تونس، والتي اتسمت بجودة المنتوج، وطريقة العرض المميزة. في معرض بيروت كنا مع مساحة محدودة، لم تسمح لنا بسينوغرافيا مميزة واكتفينا بالطاولات. تمنح معارضنا في تونس في كل مرة الجوائز لأفضل عرض، وقد وجدت النجاح الكبير. بعدها بدأ الحلم بالخروج من المحلية، وكانت أجمل فرصة لنا في بيروت.
*وماذا عن عنوان المعرض “على أثر الفينيقيين”؟
**تقول الأسطورة والتاريخ كذلك في تونس أن مؤسِسة قرطاج “عليِّسا” إنطلقت من صور بعد خلاف عائلي. ركبت البحر ووصلت شواطئ تونس. لم يسمح لها بقطعة كبيرة من الأرض. لجأت إلى الحيلة وقصّت جلد الثور قطعاً صغيرة، وألصقتها ببعضها فكان لها مكان بطول قطع الملتصقة، وبنت قرطاج. نحن التوانسة نؤمن بأصولنا الفينيقية مما شكل وصلاً مع لبنان. نرى أننا شعبان متحابان وبيننا نقاط مشتركة. صفحاتنا على فيسبوك خلفيتها باللون الأخضر الزيتوني كرمز لتواجد تلك الشجرة في لبنان وتونس. واسم المعرض يشير إلى رغبة بالعودة إلى جزء من جذورنا التاريخية. فكثير من الحضارات تعاقبت على تونس، فيما البربر هم السكّان الأصليون.
*أين تنتشر الصناعات الحرفية التونسية؟
**في مناطق عدّة، منها من الساحل – سوسة. وتعتبر نابل عاصمة الخزف التونسي في الوطن القبلي. وفي الجنوب تتواجد صناعات السجاد والذي تفرعت منه تصاميم حديثة للنساء كما الأحذية والحقائب والملابس. ويبقى العدد الأكبر من الصناعات الحرفية من تونس العاصمة كون الجمعية تتواجد فيها.
*هل من أفكار لمعارض أخرى؟
**نتمنى أن تكون بيروت فاتحة خير تساعد للإنطلاق نحو معارض أخرى. تلقينا اتصالا من زوجة سفيرنا في كندا متمنية إقامة معرض مماثل في اوتاوا. نحن نتمنى، إنما موازنتنا صغيرة، وحضورنا إلى بيروت كان بتعاون مع سفيرنا في لبنان، والخطوط الجوية التونسية والديوان الوطني للصناعات التقليدية. وعندما نجد فرصاً مماثلة سنقوم بها. أولويتنا البلدان العربية الشقيقة. وقد يكون المعرض التالي في الجزائر.
وتؤكد الكاتبة العامة لجمعية “بالتونسي” رجاء العيّادي نجاح الفكرة التي هدفت لتنمية الطلب على الصناعات الحرفية التقليدية بعد فترة ركود إثر تراجع السياحة. تقول: التفّ التوانسة حول الفكرة الأولى التي حددت أشهر الصيف الستة لإرتداء الأزياء التونسية. ومن ثمّ ولدت فكرة الجمعية التي صار عندها على فيسبوك 80 ألف عضو من حرفيين، مبتكرين ومسؤولين. فنحن نساهم بالتعريف بالصناعات التونسية وابتكارات الشبّان وغيرهم. نظمنا المعارض في كافة أنحاء تونس. وشرف لنا اختيارنا بيروت كمحطة أولى خارج بلدنا. ولدت الفكرة من تونسيات مقيمات في بيروت. شارك في هذا المعرض خيرة المبتكرين للصناعات التقليدية المستلهمة من التراث. هم يقدمون منتوجات جديدة، تتماشى مع العصر ليسهل تسويقها للتونسي وسواه. نحن حريصون على جمالية وجودة المنتجات التي يجب أن تحافظ على طابع التراث والإبتكار. وللمشاركة في بيروت اخترنا 20 حرفياً مبتكراً.
*لماذا غالبية العاملات في الصناعات الحرفية التراثية هم نساء؟
**في تونس 80 في المئة من العاملين في الصناعات الحرفية نساء. العامل الأول المساعد لغلبة اليد العاملة النسائية أن المرأة تقوم بهذه الصناعة في منزلها، بحيث يصبح دخلها استكمالياً لميزانية العائلة.
*غالباً يكون مردود العاملات الحرفيات قليلا فيما تباع بضاعتهن بأثمان غالية؟
**باتت الحرفيات واعيات بأن مهاراتهن نادرة، ويعرفن بدل أتعابهن جيداً. الحرفيات يمتنعن عن العمل مع المصممين والمصممات إن لم يحصلن على بدل عادل. هنّ يدركن تماماً قيمة مهاراتهن. كما أن المبتكرين الذين نتعاون معهم لا يمارسون الاستغلال.
*من هنّ الحرفيات ومن هنّ المبتكرات أو المصممات؟
**نظراً للبطالة التي تضرب تونس وغيرها من الدول العربية، نجد خريجات جامعات يعملن في أوقات الفراغ في المهن الحرفية، سواء تنفيذاً أو ابتكاراً لتصاميم. العديد من الجامعيين لهم مؤسسات مهيكلة، ولديهم عملهم مع مجموعة من الحرفيين في كل الجهات في تونس.
لافتة للنظر إكسسوارات الستائر لدى ليلى ملوك بوفايد، علمت بدون أن تخبرني بنفسها، أن بعضها يزين جدران قصر الإليزيه وغيره من القصور في العالم، وأنها استحقت في وقت سابق وساماً جمهورياً. تقول لـ”القدس العربي”: لي 42 سنة في هذه المهنة. منذ الصغر أحب الفن وخاصة الشغل اليدوي. 90 في المئة من منتجاتي تُصدّر إلى كافة أنحاء العالم من الولايات المتحدة، فرنسا، اسبانيا، روسيا وغيرها.
*لماذا منتجاتك للقصور فقط؟
**هي غالية الثمن لأنها من الحرير الصافي وكلفة شغلها عالية. أدير في ولاية نابل مصنعاً يدوياً تعمل فيه 60 امرأة و10 رجال. (وتظهر لي صوراً للآلات الخشبية المستخدمة في تلك الصناعات اليدوية حيث لا علاقة مطلقاً للكهرباء). نعمل وفق طلبيات ونطبق التصاميم بناء على أقمشة الستائر.
“علاش لا” جملة تتصدر معروضات لبنى عبيدي، نستفسر؟ فتقول: “علاش لا”؟ حين يداهمنا حلم ونتردد في تنفيذه، وفي لحظة نقرر الإقدام بالقول “علاش لا” بالتونسية، و”لماذا لا” بالعربية الفصحى.
*متى راودك حلم الصناعات اليدوية والحرفية؟
**درست الهندسة الكهربائية، ومن ثم انتقلت من خيوط الكهرباء إلى خيوط الحرير. لم أسمح للكهرباء بلسعي بل لسعني خيط الحرير الذي أحبه كثيراً. كافة المعروضات من شغل يديَ. أبتكر القطعة وأنفذها من أولها إلى آخرها. عندما كبر الحلم وتحول إلى شغف استقلت من مسؤووليتي عن قسم الصيانة في أحد المستشفيات العمومية وأنصرفت لنعومة الحرير. فأنا أصمم وأنفذ ملابسي بمفردي منذ كنت صغيرة. وعلى الدوام التطريز بارز بنعومة في تلك الملابس. كما نقلت مهارتي هذه إلى بناتي اللواتي يسرْن على الخطى نفسها. ومن السائد أنني أعتمد على أناملي في اعداد الهدايا لاخواتي وصديقاتي. وهي هدايا خاصة جداً ومميزة.
أميرة درويش ممثلة تونسية، تمتلك اسماً تجارياً لمنتجاتها “ازاليه” وهو اسم وردة. أغلب منتجاتها من أوراق النخيل. تقول عندما نسألها عن حضورها الفني: مؤخراً كانت لي مشاركة جزائرية، وأخرى في عمل روسي. اخترت اسم “أزاليه” لمنتجاتي، لأن العالم الذي أعمل وسطه له علاقة وثيقة بالطبيعة. منها أوراق النخيل التي تصبح حقائب ذات تصميم معاصر يناسب المرأة في حاضرنا. بالتعاون مع النساء الحرفيات نتمكن من تطوير صناعاتنا الحرفية لتكون موجودة بقوة، وبالتالي يتم تصديرها إلى خارج تونس.
وتقول أميرة درويش أن يومها موزع بين “أزاليه” في الصباح، ومشاهدة المسرح في المساء. وتعلن: أنا من جمهور مسرح الجعايبي عندما أرغب في مشاهدة عرض مسرحي، لكنني أفضل العمل في المسرح المعاصر عندما أجد دوراً. ونحن حالياً في طور تحضير مسرحية ستعرض في تشرين الأول/أكتوبر المقبل.