لم يكن احتفال التوقيع على اتفاقات السلام مع إسرائيل والإمارات والبحرين في واشنطن اليوم مجرد فصل مهم آخر في توسيع علاقات إسرائيل مع العالم العربي وتحقيق السلام، بل هو دفن حمار لمفهوم السلام الكاذب لـ “السلام الآن” واليسار الإسرائيلي.
لقد كان الهدف المعلن لـ “السلام الآن” في 1978 “إقناع الرأي العام في إسرائيل وحكومات إسرائيل بالحاجة وبالإمكانية لتحقيق سلام عادل ومصالحة تاريخية مع الشعب الفلسطيني والدول العربية المجاورة، وذلك مقابل حل وسط إقليمي على أساس مبدأ “الأرض مقابل السلام”. ولكن أسباب فشله تكمن في هذا الإعلان نفسه؛ إذ إن مسألة الأراضي التي استولت عليها إسرائيل في 1967 ليست هي التي منعت المصالحة والسلام العادل، بل وجود دولة إسرائيل، التي تعد في نظر الحركة الوطنية الفلسطينية غير شرعية. هذا هو السبب الذي جعل المؤسسات الفلسطينية لا تلغي بنود الميثاق الفلسطيني التي تدعو إلى إبادة إسرائيل، رغم تعهداتها في اتفاقات أوسلو ومؤتمر “واي”. من ناحيتهم، يمكن الاعتراف بالوجود الفني لإسرائيل، ولكن ليس في حقها في الوجود؛ التفاوض معها بين الحين والآخر، ولكن دون التوصل إلى اتفاقات أبداً. ومثلما يقول دنيس روس، الذي كان مسؤولاً عن مسيرة السلام، ودافيد مكوبسكي في مقالهما المشترك، لم يتكبد الفلسطينيون عناء الموافقة أو حتى الرد على عروض التسوية التي طرحتها إسرائيل أو الولايات المتحدة.
وكما شرحت البروفيسورة روت غبيزون الراحلة، فإن رفض الحق الأخلاقي والعملي للشعب اليهودي في دولة هو سبب غياب حل للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني. وبالتالي، فإن صيغة “أرض مقابل السلام” تعدّ رؤيا عابثة، لأن القسم الذي على شرقي الخط الأخضر -وفقاً للمفهوم الفلسطيني- ليس وحده الذي يعدونه لهم، بل وذاك الذي على غربه، أي دولة إسرائيل.
إن اتفاقات أوسلو في 1993، وذاك الاحتفال الذي جرى في ساحة البيت الأبيض، وتلك الصورة المشتركة للرئيس كلينتون ورئيس الوزراء رابين ورئيس م.ت.ف عرفات، كانت علامة طريق من ناحية مدرسة “السلام الآن”: “ها هي دولة إسرائيل قبلت بشكل رسمي مفهومنا، وبدعم من الولايات المتحدة وقسم كبير من الأسرة الدولية”. أما الحجر الأساس الآخر فكان أن السلام مع الفلسطينيين هو مفتاح إقامة السلام مع العالم العربي أيضاً، والمفهوم الذي تلقى ظاهراً تعزيزاً في خطة السلام العربية في 2002 التي وإن كانت تحدثت عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل إلا أنها اشترطت هذا بتنازلات إسرائيلية بعيدة المدى في كل المجالات، بما في ذلك الأراضي، والحدود، والقدس، بل واللاجئين العرب – اشتراطات حاول مؤيدو التسوية الإقليمية في إسرائيل والوزارات الخارجية المختلفة في العالم التقليل من أهميتها.
في المواضيع السياسية أحياناً نهج “لا تشوشوا عقولنا بالحقائق”، بحيث إن كل المجريات الصاخبة والعميقة التي ألمت بالشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، بما فيها الربيع العربي الشتوي، إرهاب القاعدة و”داعش”، الحروب في العراق وفي سوريا، والفوضى العامة في العالم العربي والإسلامي، وسعي إيران إلى النووي وتطلعاتها للهيمنة… لم تحرك -ولو بقيد أنملة- أولئك المنومين بصيغة “الأرض مقابل السلام” عن مواقفهم، وقد يعود هذا لضمان استمرار وجودهم في الساحة السياسية.
أما الاستراتيجية السياسية – الأمنية التي يتبعها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بالمقابل، فقد خلطت الأوراق السياسية لإسرائيل، بهدف التنسيق بين مصالح إسرائيل الأساسية والمصالح الأساسية للقسم البراغماتي من العالم العربي، سواء في موضوع التهديد من إيران أم لمكان الطرفين في الخريطة الاقتصادية والتكنولوجية العالمية. هذه الدول العربية، مثل مصر في حينه، وإن كانت لا تدير الظهر لأماني الفلسطينيين، ولكنها تضع مصالحها على الرأس، وذلك بإسناد من الولايات المتحدة وبدعم، بالصمت على الأقل، من أجزاء مهمة أخرى في العالم. ولهذه الاستراتيجية السياسية – الأمنية عناصر أخرى أيضاً، مثل العلاقات مع محافل أخرى نشطة في المنطقة – روسيا مثلاً، وهي كفيلة بإحداث تغييرات معينة في نظرية الأمن الإسرائيلية.
قد لا يكون هذا “سلاماً حقيقياً” بروح بن غوريون، وبالتأكيد ليس الرؤية الإقليمية لجابوتنسكي، ولكن لن يكون واقعياً توقع أكثر من هذا على أي حال، أو حتى الأمل فيه. وهذا هو الشرق الأوسط الجديد الحقيقي الذي جاء نتيجة سياسة حكيمة، تطبع ختمها الرسمي اليوم قمة السلام في واشنطن.
بقلم: زلمان شوفال
معاريف 15/9/2020