يشهد قطاع غزة مجاعة كارثية منذ ما يزيد عن عام، حيث لم يعد أمام المواطنين وفي ظل اشتداد ضراوة الحرب وشح الغذاء، إلا البحث عن بدائل تعوض النقص في الاحتياجات الأساسية، لكن في كثير من الأحيان تكون تلك البدائل غير صحية، خاصة عندما تستهدف تلك البدائل حاجة الأطفال للغذاء الصحي، حيث يواجه الأطفال الرضع في غزة مجاعة حقيقية، في ظل شح وندرة حليب الأطفال في الأسواق نتيجة منع الاحتلال إدخال العديد من المواد الغذائية، بما في ذلك أغذية الأطفال الرضع.
ومنذ نشوب حرب الإبادة على قطاع غزة، تفرض إسرائيل حصارا خانقا على القطاع، بل وتتبع سياسة تجويع وتعطيش السكان كجزء من الحرب، حيث تحرم إسرائيل السكان في جنوب وشمال غزة من المواد الغذائية الأساسية، في حين تعمل العديد من الأمهات في قطاع غزة على صناعة حليب للأطفال من مواد بديلة غير صحية، في ظل صعوبة الحصول على الحليب المخصص للأطفال، حتى أن المرضع لم تعد قادرة على الإرضاع، بسبب سوء التغذية وحالة الهزال الجسدي التي تخيم على آلاف المرضعات، ولذلك بدأن بصنع حليب الأطفال الرضع من النشاء والماء والسكر لسد جوع الرضع.
تصاعد المجاعة
وحذرت مؤسسات دولية من بينها اليونيسيف وإنقاذ الطفل، من خطورة تصاعد المجاعة وحرمان أطفال غزة من حقهم في الحصول على الغذاء السليم والآمن، في ظل انتشار الأمراض الخطيرة بين الأطفال إثر سوء التغذية، كما طالبت مؤسسات أممية وإغاثية بضرورة فتح ممرات إنسانية لإدخال المساعدات إلى سكان قطاع غزة الذين يتضورون جوعا، مؤكدة أن الكميات التي يتم إدخالها غير كافية ولا تلبي كامل احتياجات السكان، في مقابل ذلك تقول المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية في غزة مارغريت هاريس، إن الأطفال في غزة يتضورون جوعا، في حين ترتفع معدلات إصابة الأطفال دون سن الخامسة بسوء التغذية بسبب شح وصول المساعدات.
وتحاول جمعيات ومؤسسات إغاثية في قطاع غزة، تقديم القليل من حليب الأطفال الذي يدخل كمساعدات، حيث لا تغطي تلك الكميات كامل احتياجات الأطفال، كما تقدم تلك المؤسسات مغذيات خاصة بالأطفال تحتوي على معادن وفيتامينات، في ظل تفشي سوء التغذية بين الأطفال، وفقدان العشرات حياتهم مع صعوبة الحصول على الغذاء الصحي، وهو ما ينذر بمخاوف على حياة مئات الأطفال، الذين يواجهون ظروفا صحية سيئة.
وبات تصنيع بديل الحليب الصناعي بالنسبة للأمهات أمرا في غاية السهولة، لكن النتائج كارثية على صحة الأطفال، هذا هو الحل الوحيد أمام مئات الأمهات اللواتي يجدن صعوبة في شراء حليب الأطفال، وإن توفر يكون بأسعار باهظة، وهذا حال السيدة أم وسيم التي أنجبت مولودة قبل ثلاثة أشهر، وحصلت طوال الفترة الماضية على القليل من الحليب الصناعي لرضاعة طفلتها من إحدى المؤسسات الإغاثية، لكن بعد توقف المؤسسة عن تزويدها بالحليب الصناعي، لجأت مرغمة إلى استخدام بدائل لإشباع طفلتها الرضيعة.
تقول أم وسيم لـ “القدس العربي”: “أعاني من صعوبة كبيرة في توفير حليب صناعي لرضاعة طفلتي، في ظل حرب التجويع التي تفرضها إسرائيل على سكان قطاع غزة، حيث تحرم الأطفال من الحليب والأغذية الأخرى، وهذا ما شكل أزمة كارثية على الأمهات والأطفال خاصة حديثي الولادة”.
وتشير إلى أنها لجأت كباقي النساء إلى تحضير بديل عن الحليب الصناعي، من خلال طبخ النشاء بالماء والسكر وتقديمه للرضاعة، “لكن هذا البديل هو غير آمن، فالطفلة تعاني من مغص شديد بعد كل وجبة رضاعة، كما أن النمو بطيء ولا أجد أي حل آخر في ظل تفشي المجاعة داخل قطاع غزة”.
استخدام الطحين بدلا من النشاء
أما السيدة أم نبيل فهي تجد صعوبة في الحصول على الحليب الصناعي، وفي تحضير بديل عنه أيضا، وذلك بسبب شح بعض المواد كالنشاء والسكر، وارتفاع أسعار تلك المواد بشكل جنوني، لذلك تحاول استخدام الطحين بدلا من النشاء في تحضير وجبة الطعام لطفلها الرضيع، “وهذا يشكل خطرا على صحة طفلي لكن لا أجد بديلا يسد جوعه”.
تقول لـ “القدس العربي”: “ينتابني القلق الشديد من تلك البدائل، فهي غير آمنة وتسبب مشاكل صحية، كما أن تلك البدائل لا تسد جوع طفلي، كون أن تركيبتها تفتقد للعناصر المدعمة بالمعادن والفيتامينات، وغير ذلك من المكونات التي تشبع الأطفال وتمدهم بالصحة والنمو السليم”.
وتناشد السيدة العالم أجمع بضرورة الوقوف الجاد ومناصرة الغزيين المظلومين، والضغط الحقيقي على الاحتلال الإسرائيلي ودفعه للتراجع عن سياسة العقاب وتجويع السكان المدنيين، وحرمان الأطفال والمرضى وكبار السن من حقهم في الغذاء والشراب والدواء، وإدخال كافة المواد الغذائية لاسيما التي تخص الأطفال من حليب وحفاظات وغيرها من المستلزمات الأساسية.
ويقول محمد حسين أحد الموظفين في مؤسسة خيرية دولية تعمل في غزة، أن هناك نقصا حقيقيا في امدادات المستلزمات الغذائية الواردة من المعابر الإسرائيلية إلى قطاع غزة، ويكمن هذا العجز في منع إسرائيل إدخال كميات كبيرة إلى مخازن المؤسسة وباقي المؤسسات الأخرى، إلى جانب عمليات السرقة للشاحنات والتي أحدثت فوضى كبيرة وتسببت بحرمان الآلاف من المواطنين من الحصول على حقهم في المواد الغذائية.
وأضاف في حديثه لـ”القدس العربي” نحاول إدخال حليب صناعي ومغذيات خاصة بالأطفال عن طريق مؤسسات تابعة للأمم المتحدة، لكن الكميات المدخلة شحيحة جدا، ونحاول تقديمها للأطفال الذين يعانون من ظروف صحية سيئة، لكن منذ قرابة شهرين لم يسمح الاحتلال بإدخال الكميات المطلوبة من حليب الأطفال، ولكن يقوم بإدخال مغذيات لا يمكن للأطفال دون سن الثانية تناولها.
في سياق ذلك يقول طبيب الأطفال محمد أبو عمر هناك عدد كبير من الأطفال بالتحديد في شمال قطاع غزة، فقدوا حياتهم بسبب سوء التغذية وإصابتهم بأمراض خطيرة على إثر ذلك، بسبب حرمانهم من الحصول على الغذاء الخاص بهم، وعدم توفر بدائل صحية.
وبين لـ”القدس العربي” أن بدائل الحليب الصناعي التي اتجهت العديد من الأمهات لصناعتها من مكونات الذرة والنشاء والطحين غير صحية تهدد حياة الأطفال من خلال تعرضهم لانسداد في الأمعاء والمغص الشديد كما أن تلك البدائل تسبب هشاشة في العظام وفقر الدم وتأخر في النمو.
ويتخوف الطبيب من ظهور جيل جديد حامل للأمراض الخطيرة، في ظل صعوبة توفير الأمهات أطعمة صحية ضرورية للأطفال منذ الولادة، واعتماد الأمهات على بدائل لا تؤسس صحة جيدة للأطفال، وهو ما يهدد بفقدان حياة المزيد من الأطفال، في ظل منع الاحتلال إدخال المساعدات والمواد الغذائية الأساسية.