القاهرة ـ «القدس العربي»: لم تزل الصورة الفوتوغرافية تحمل الكثير من قوتها ودلالتها التعبيرية والجمالية، خاصة وقد تخطت مجرد تسجيلها، أو توثيقها للحظة يُخشى نسيانها. من ناحية أخرى عادت الصورة الفوتوغرافية لتقتصر على جمالياتها، دون الاستناد أو التوسل بالتكنولوجيا، التي طغت على إيحاءات الصورة وتفاصيلها الحية، مستندة إلى تجريب وصل حد السخف.
ويأتي معرض (بانتظار الوقت) للفنان العراقي يمام نبيل ــ مواليد بغداد 1976 ــ منتصراً للشكل الأول للفوتوغرافيا، كمحاولة للمصداقية واكتشاف الشخوص وحيواتهم. ولم يختلف أسلوب نبيل، كما في معارضه السابقة، لكن الأمر هنا، كان محاولة لتوظيف التقنية للكشف عن معنى أعمق من مجرد لقطات متواترة، يمكن من خلالها استنتاج الحكايات، فالخيط الدرامي لا ينفصم عن أعمال الرجل كافة.
الإدراك والواقع
وخلال الوباء طلب من الناس أن (يبقوا في منازلهم) وبذلك فإن إدراكا ظهر متناقضا مع الواقع، وقد جسد هذا التناقض مظهره في كل شخص يظهر في الصورة وحيدا، وكأنه يعيش في زمن متوقف، معتمدا على إدراكه الخاص الذي يكشفه في قصة واحدة لكل شخص لكنها قصة كل الناس.

التقنية
من فكرة العزلة التي أصبح يعيشها الناس في ظل وباء كورونا، والتناقض بين ما كان وما هو كائن، حياة يعيشها أصحابها في حرية، فالوقت لم يزل ملكهم، حياة ملونة كما هي بالفعل، لكن.. ماذا عن الانتظار، وإلى متى؟ هكذا يصبح الزمن ماضياً ومتجمداً في لحظة مستمرة، ومن هنا كان الأبيض والأسود هو الأنسب لمثل هذه التفاصيل، أو الحالة بمعنى أدق.
تقوم فكرة المعرض على لقطات مختلفة لعدة شخصيات، لكل شخص لقطتان، أولاهما ملونة بكاميرا ديجيتال حديثة، والأخرى بكاميرا موديل الستينيات، وبالطبع بالأبيض والأسود. مع ملاحظة أن حجم اللقطتين يكاد يتقارب في كل منهما، لقطة واسعة للشخصية، وما يحيطها من مكان.
فكرة الانتظار
يلعب يمام نبيل على فكرة الانتظار، وكيف تستقبل هذه الشخصية، أو تلك هذه الحالة المُمتدة، إلا أن اللافت في اللقطات المتتابعة، أن الشخصية رغم عالمها (الملون) تصبح الخلفية ضبابية ـ يتم استخدام عدسة طويلة البُعد البؤري ـ فاللحظة الآنية، والتي لم تزل تنتسب إلى ماض قريب، لا يمكن التكهن معها بعودة الحياة، كما كانت في السابق، حالة من الشك تؤكدها الكاميرا وتقنية التقاط الصورة. وعلى العكس تأتي الصورة (الأبيض والأسود) لتصور الشخصية نفسها في ماض بعيد ـ دلالة أكثر حقيقة ـ هنا تصبح تفاصيل الصورة واضحة بالكامل، هناك حالة من الترابط بين الشخصية وما يحيطها، بحيث يبدو عالمها متوافقا معها وغير منفصل عنها. فالماضي ـ حسب الفنان ـ معروف وموثّق التفاصيل، أما الحاضر والمستقبل فهو مجهول تماماً، فالشخصيات بعيدة عنه، وفي انتظار اتضاح تفاصيله.

العزلة
لم يتخل الفنان عن حسه السردي، الذي أكده في معارضه الثلاثة السابقة، ولنا أن نتخيل حيوات هؤلاء، كيف كانوا وكيف أصبحوا بعد عام من العزلة. وحتى إن كانت الفكرة التي أرادها نبيل لا تتضح بسهولة، من حيث كون اللون الأبيض والأسود هو لون العزلة، ومحاولة لمعرفة حقيقة الشخوص، بخلاف صخب الألوان وتهافتها في عالم ما قبل كورونا. وبغض النظر عن الوباء أو غيره، يمكننا الاستناد إلى يقين الماضي ـ إن كان هناك يقين في الأساس ـ والشك دوماً في لحظة وهمية تُسمى الحاضر، فما الأمر بخصوص المستقبل؟
وككل عربي، سواء عاش في أوروبا أو أمريكا ـ يقيم الفنان في لندن منذ 1992 ـ أو انتمى فكراً إلى الغرب، فإن (الماضي) أو الزمن المتجمد دقيق التفاصيل والأكثر جلالاً ووضوحاً، هو زمن الروح العربي، رضينا أم لم نرض. هنا يمكن أن نتفق مع الفنان في أن زمننا الذي نحياه هو زمن العزلة بالفعل.

يمام نبيل
رابط المعرض:
https://www.artforward.media/waitingfortime