دمشق – «القدس العربي»: أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن أمس الخميس، مقتل زعيم تنظيم «الدولة» أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، في عملية إنزال للقوات الأمريكية شمال غربي سوريا. واعتبر بايدن أنّ زعيم التنظيم اختار القيام بـ»عمل جبان يائس أخير» حين فجّر نفسه خلال عملية نفّذتها وحدة كوماندوس أمريكية في سوريا فجر الخميس. ونشر البيت الأبيض صوراً لبايدن ونائب الرئيس هاريس وأعضاء من فريق الأمن القومي وهم يراقبون عملية القضاء على زعيم التنظيم.
إنزال جوي للتحالف يقتل 13 شخصاً وينشر الذعر شمال غربي سوريا
وخلّفت العملية التي استمرت نحو ساعتين تقريباً، 13 قتيلاً على الأقل، بينهم 6 أطفال و4 نساء، نتيجة المواجهات خلال عملية الإنزال الجوي التي استهدفت منزلاً في منطقة أطمة على الحدود السورية – التركية في ريف إدلب الشمالي، نفذته أربع مروحيات تتبع للجيش الأمريكي، الساعة الواحدة بعد منتصف ليل الخميس.
مقتل 13 شخصاً
وقال الدفاع المدني السوري في بيان له إن فرقه «أسعفت طفلة مصابة قُتل جميع أفراد عائلتها في عملية الإنزال الجوي، وشخصاً آخر أصيب بالاشتباك كان اقترب من مكان الإنزال لمشاهدة ما يحدث». وأشار البيان، إلى أن فرق الإنقاذ والإسعاف انتشلت جثث 13 شخصاً على الأقل قتلوا بقصف واشتباكات جرت خلال عملية الإنزال، بينهم 6 أطفال و4 نساء، وسلمت فرقنا جثتين للطبابة الشرعية في مدينة إدلب، مضيفًا «بعد توقف الاشتباكات ومغادرة المروحيات التي نفّذت عملية الإنزال المنطقة، دخلت فرقنا للمبنى الذي جرت عليه عملية الإنزال في تمام الساعة 3:15 وهو مبنى مؤلف من طابقين وقبو، تعرض الطابق العلوي فيه لدمار جزئي».
وقال بايدن في خطاب متلفز من البيت الأبيض «بينما كان جنودنا يتقدّمون للقبض عليه، اختار الإرهابي، في عمل جبان يائس أخير، ومن دون أيّ مراعاة لأرواح أسرته أو الآخرين في المبنى، تفجير نفسه… عوضاً عن مواجهة العدالة على الجرائم التي ارتكبها». وأكّد الرئيس الأمريكي أنّ بلاده «أزالت تهديداً إرهابياً كبيراً» بهذه العملية التي نفّذتها وحدة كوماندوس أمريكية في بلدة أطمة في منطقة إدلب في شمال غرب سوريا أكبر وشكّلت أكبر انتكاسة للتنظيم الجهادي منذ مقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي في عملية أمريكية مماثلة في 2019.
وأضاف بايدن أنّ القرشي، بتفجير نفسه، «أخذ معه العديد من أفراد عائلته مثلما فعل سلفه». واعتبر الرئيس الأمريكي أنّ مقتل القرشي يوجه رسالة قوية إلى قادة التنظيمات الجهادية حول العالم مفادها «سوف نلاحقكم ونجدكم». وتابع «أحاول حماية الشعب الأمريكي من التهديدات الإرهابية، وسأتخذ إجراءات حاسمة لحماية هذا البلد»، متعهّداً أن تظلّ القوات الأمريكية «يقظة» ومستعدّة. وشدّد بايدن على أنّ قرار إرسال وحدة كوماندوس لتنفيذ العملية ضدّ زعيم التنظيم الجهادي عوضاً عن تصفيته بواسطة غارة جوية مردّه إلى أنّ واشنطن أرادت تجنّب سقوط ضحايا مدنيين. وقال «لعلمنا أنّ هذا الإرهابي اختار أن يحيط نفسه بعائلات، بينها أطفال، اتّخذنا خيار تنفيذ غارة للقوات الخاصة مع كلّ ما لها من مخاطر أكبر بكثير على عناصرنا، بدلاً من استهدافه بضربة جوية».
وأضاف «لقد اتّخذنا هذا الخيار لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين». من جانبه قال مسؤول كبير لوكالة فرانس برس إنّ جميع القتلى الذين سقطوا خلال الغارة قضوا «بسبب أعمال إرهابيي تنظيم «الدولة» الإسلامية» وليس بنيران القوات الأمريكية. ولم يسقط أي عنصر أمريكي في الغارة.
العملية التي تعتبر الثانية من نوعها في تلك المنطقة، اعتبرها الباحث السياسي عبد الرحمن عبارة، أنها لا يمكن أن تنفذ «بدون التنسيق المسبق بين واشنطن وأنقرة والقوات الروسية في مطار حميميم، ومن المحتمل أن يكون التنسيق مع قيادة هيئة تحرير الشام قد جرى بشكل مباشر أو عن طريق المعنيين في أنقرة» وذلك نظراً لموقع الإنزال وطبيعة المنطقة والجهة المسيطرة عليها عسكرياً.
وأضاف عبارة «لو كان الهدف من العملية قتل زعيم داعش فقط لكانت الطائرات المسيرة كفيلة بتحقيق المطلوب، لكن يبدو أن من ضمن أهداف العملية محاولة القبض عليه حيّاً والحصول على وثائق ورقية أو أجهزة تخزين إلكترونية مخبأة في ذات المكان» مستبعداً أن «يكون المستهدف في عملية الإنزال أحد الدواعش الهاربين من سجن غويران بالحسكة».
وتابع أن العملية «التي استمرت لنحو ثلاث ساعات أدت إلى وقوع قتلى في صفوف النساء والأطفال والرجال، وسقوط طائرة مروحية تابعة للقوة الأمريكية في ريف عفرين، ومن المرجح أن تبرر الإدارة الأمريكية وقوع ضحايا في صفوف المدنيين باتهام زعيم داعش أو مرافقته بتفجير أنفسهم بأحزمة ناسفة أو بقنابل أثناء محاولة القبض عليهم».
شهود وذهول في أطمة
في موازاة ذلك، تداولت شبكات محلية شريطاً مصوراً لسيدة تقطن في البناء الذي تعرض لعملية الإنزال الجوي، وقالت السيدة، إن العملية بدأت في حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وبدأت بإطلاق نداءات لسكان البناء للخروج من منازلهم، ثم أطلقوا قذيفة في اتجاه الباب وأطلقوا رشقات رصاص كثيف.
وأضافت السيدة، في مقابلة مع شبكة «بلدي نيوز» المحلية، أنها وزوجها وابنها اضطروا للخروج بعد تهديدهم من قبل قوات التحالف بالقتل في حال رفضوا ذلك، مضيفة أنها خرجت بالبداية ثم عادت إلى داخل المنزل بعد خوفها من الطريقة التي تعامل فيها العناصر مع زوجها وابنها.
وذكرت أنها في نهاية المطاف خرجت من المنزل بعد أن تعرض البناء لقذيفة أخرى، وعقب سلسلة من النداءات، طلب منها زوجها الخروج، مشيرة إلى أن عناصر التحالف أبعدوهم عن البناء وحققوا معهم كما تعرضوا للضرب خلال التحقيق، وأكدت السيدة أن التحالف لم ينادِ على اسم محدد خلال حصاره البناء. وقالت إن الشخص الذي يسكن في الطابق الثاني ويدعى «أبو أحمد» رفض تسليم نفسه، ما دعا طائرات التحالف إلى قصف منزله، حيث قتل مع زوجته وأطفاله بينهم رضيعة بعمر 15 يوماً.
وحين بدأت المروحيات الأمريكية تحلّق فوق مقر إقامة زعيم تنظيم «الدولة» في بلدة أطمة في شمال غربي سوريا، ظنّ محمود شحادة أن عاصفة جوية قد بدأت بعدما كان الهواء قوياً عند المساء. لكن عند خروجه إلى باحة منزله القريب لتفقّد الوضع قرابة الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف ليل الأربعاء الخميس، هاله ما شاهده أمامه: مروحيات تحوم فوق المنزل المجاور، ونداءات للاستسلام توجّه تباعاً عبر مكبرات صوت.
ويقول محمود وهو أحد سكان بلدة أطمة في محافظة إدلب، قرب الحدود مع تركيا، لوكالة فرانس بعد وقت قصير من انتهاء عملية الإنزال «كان الطيران يحوم فوقنا، وبعد عشر دقائق سمعنا نداء «سلمي نفسك، البيت محاصر». ويضيف «أحدهم كان يتحدث بالإنكليزية والثاني يُترجم له ويصرخ للمرأة بلهجة عراقية بدوية سلمي نفسك ودعي الأطفال يأتون إلينا» من دون أن يتمكن من معرفة ما إذا سلمت نفسها أم لا. إثر ذلك، سمع أهالي المنطقة إطلاق رصاص ودوي قذائف، في وضع استمر لنحو ساعتين، قبل أن تقتحم القوات المهاجمة المنزل وتسيطر على الوضع تباعاً. ويروي أبو علي وهو نازح يقيم في مكان ليس ببعيد عن المنزل المستهدف، أنهم سمعوا نداءات طمأنة أثناء تنفيذ العملية. ويستعيد جملة جاء فيها «لا تخافوا. جئنا من أجل هذا المنزل فقط.. لنخلصكم من الإرهابيين».
«سائق أجرة»
ولم يخطر بذهن أي من الجيران أن في المنزل المتواضع المؤلف من طبقتين وتحيط به أشجار الزيتون، يقطن زعيم تنظيم «الدولة» ابو ابراهيم الهاشمي القرشي مع أسرته وشقيقته، في منطقة تخضع أساساً لسيطرة هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) وفصائل أخرى أقلّ نفوذاً.
حتى أن محمّد الشيخ، وهو مالك المنزل صعقه الخبر، بعدما ظن أنّ من استأجر منزله الذي يعتاش منه سائق سيارة أجرة. في الصباح المبكر، حضر مسرعاً إلى المكان ليتفقد المبنى والأضرار التي لحقت به.
وتظهر صور التقطها مراسلو فرانس برس غرفاً تبعثرت محتوياتها البسيطة من فرش وأغطية وملابس ملونة وألعاب أطفال. وبينما يكسو الدخان الأسود سقف الطبقة الثانية من المبنى، والذي انهار جزء منه، تغطي بقعة دماء كبيرة أرضية إحدى الغرف وجداراً محاذياً. ويوضح مالك المنزل أن القرشي، واسمه الحقيقي أمير محمّد عبد الرحمن المولى الصلبي، لفرانس برس كان قد استأجر الطابقين منه قبل نحو عام مقابل مئة دولار. وأقام الرجل مع زوجته وأولادهما الثلاثة في الطابق الأول، بينما قطنت شقيقته مع ابنتها في الطابق الثاني. ويقول «سكن هذا الرجل (المنزل) منذ 11 شهراً. لم نلاحظ أي أمر غريب عليه (…) كان يأتي مطلع كل شهر ليسدد الإيجار».
ويستعيد الشيخ لفرانس برس أحد لقاءاتهما الأخيرة، حين كان يقطف أشجار الزيتون المحيطة بالمنزل. ويروي «أحضر لي فنجان قهوة وحين سألته ماذا تفعل أجابني «أعتاش من السيارة».
خلال المرات التي التقيا فيها، بدا القرشي شخصاً «سهلاً وليناً وبشوشاً»، وفق الشيخ، «يهتم بشؤونه الخاصة ويحافظ على طريقة اللباس ذاتها: بنطال وقميص مع سترة من دون أكمام ويضع غطاء على رأسه دائماً». لم تثر شخصيته وطباعه الهادئة شكوك من عرفوه أو التقوا به صدفة. لكن ذلك لا يهدّئ من غضب الشيخ الذي تضرر منزله. ويقول «لو كنت أعلم شيئاً عنه لما تركته يسكن في منزلي».