بايدن وقرار الوكالة الدولية.. بين فيتو مجلس الأمن وعواقب الانسحاب من مفاوضات “النووي”

حجم الخط
0

المظاهرات التي اندلعت في إيران الشهر الماضي لم توقف بعد. آلاف الرجال والنساء، من بينهم موظفون ومعلمون ومتقاعدون ومهنيون، ينضمون يومياً إلى المتظاهرين في مدن كثيرة في الدولة، ويشتمون الحكومة، خاصة ضد الرئيس إبراهيم رئيسي. فقهاء شريعة من مدينة قم نشروا، الأسبوع الماضي، رسالة اتهموا فيها القيادة مباشرة بـ”عدم الوفاء بوعود الثورة بحياة أفضل”. نظام طهران يلقي المسؤولية على “المظاهرات المنظمة” وعلى “جهات أجنبية” وعلى أعداء الدولة الذين يريدون تقويضها.

وسائل الإعلام، حتى المقربة من النظام أو حرس الثورة، ينتقدون سياسة الحكومة الاقتصادية، وتم تقديم عدة استجوابات وطلبات داخل البرلمان لإقالة وزير الاقتصاد وحتى الرئيس رئيسي. ولكن حجم الاحتجاج لم يعد يشكل علامة على انتظام وطني واسع، يشبه المظاهرات التي جرت في 2009 بعد انتخاب مزور لمحمود أحمدي نجاد. أو مثل التي اندلعت في إقليم خوزستان في تموز الماضي، وفي أيار الماضي بسبب نقص المياه. ورغم توقع بأن الاحتجاج الجديد سيجعل الحكومة تسرع المفاوضات حول الاتفاق النووي، لكن ذلك ليس سوى أمل عبثي.

بين الضغط الداخلي في إيران والشعور بنفاد الوقت الذي يقلق دول الغرب، يجري الطرفان اتصالات من خلال السير على الحافة والمراهنة على كل شيء. أمس نشر عضو مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة النووية إدانة ضد إيران لأنها لم تقدم معلومات مفصلة فيما يتعلق بمنشآت ضمت آثار يورانيوم مخصب.

ربما يقدم هذا البيان في مرحلة لاحقة لمجلس الأمن، ولكن يبدو أنه لا يمكن أن يشكل أي أساس للمطالبة بإعادة العقوبات الدولية التي فرضت على إيران قبل التوقيع على الاتفاق النووي في 2015. وقد أوضحت روسيا والصين بأنهما ستعارضان مشروع قرار بصيغة مهددة، الذي قدمته الولايات المتحدة في بداية الأسبوع لمجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة النووية. ولكن حتى لو تقرر تمرير قرار أمس، فالطريق نحو مجلس الأمن ما زالت طويلة، حيث الدول الغربية غير معنية أيضاً بتحريك الخطوة النهائية التي قد تحطم خيار المفاوضات.

هذه الدول، وإيران أيضاً، تعرف جيداً أنه في اللحظة التي سيصل فيها مثل هذا القرار إلى مجلس الأمن، الذي بدوره سيطالب بإعادة العقوبات على إيران، فإن روسيا والصين قد تفرضان الفيتو، وبذلك ستفرغ موسكو وبكين مشروع القرار من مضمونه وستلغيان التهديد الموجود فيه. في هذه الأثناء، اكتفى ممثلو ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ببيان مشترك سُلم لمجلس الأمناء أول أمس، قالوا فيه بأن “نشاطات إيران تخرق الاتفاق النووي منذ ثلاث سنوات. مشروعها النووي يتقدم الآن أكثر من أي وقت مضى، والوضع يهدد الأمن الدولي ويعرض جهود منع نشر السلاح النووي للخطر”.

يستند البيان المشترك إلى التقارير الأخيرة التي نشرها رئيس الوكالة الدولية للطاقة النووية، رفائيل غروسي، في الشهر الماضي. وكتب غروسي بأن إيران تمتلك نحو 60 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، تقريباً ضعف الكمية التي كانت لديها في أيلول الماضي.

إضافة إلى ذلك، لم تقدم إيران أي معلومات عن المنشآت التي اكتشفت فيها سابقاً آثار لليورانيوم المخصب. وتدعي إيران بأنها قدمت كل المعلومات المطلوبة منها. رئيس الوكالة النووية في إيران، محمود إسلامي، عبر عن الغضب لأن مضامين التقارير قدمت لأعداء إيران، ووجه إصبع الاتهام لغروسي لأنه التقى، الجمعة الماضي، مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، نفتالي بينيت.

ورغم رفع نغمة التحذير والاحتجاج من الطرفين، توضح إيران والدول الغربية بأن المفاوضات لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة، التي لن يكون بعدها أي أهمية لمواصلة الاتصالات الدبلوماسية. الولايات المتحدة توقفت عن التصريح حول “موعد أخير” لإنهاء المفاوضات، وإيران لم تعلن رسمياً عن تجميد المفاوضات حتى بعد المنشورات التي بحسبها قرر الرئيس الأمريكي، جو بايدن، عدم إزالة حرس الثورة من قائمة المنظمات الإرهابية. من الجدير الإشارة إلى أن بايدن نفسه لم يصدر أي بيان رسمي له أو للمتحدثين باسمه. ولم يعرف عن قراره إلا من خلال تسريبات في وسائل الإعلام ومن معلومات قدمها بينيت.

أمس، نشرت شبكة التلفزيون الرسمية في إيران بأن وزيرة الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، قدم اقتراحاً جديداً للولايات المتحدة لاستئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي. وإذا كانت قضية حرس الثورة الإيراني ستشكل بالون اختبار لفحص الرد الإيراني، حتى الاستعداد لسيناريو سيجعلها تنسحب من طاولة المفاوضات وتحمل المسؤولية عن انهيارها، فإن إيران تملصت حتى الآن من هذا الشرك وتجنبت إصدار أي تصريحات حاسمة لا يمكن التراجع عنها.

إيران في المقابل، قامت أمس بخطوة خاصة بها، تظهر كرد على بيان ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، فقد أعلنت عن قرارها فصل كاميرات رقابة تم تركيبها في منشأة لتخصيب اليورانيوم. لم يحدد البيان ما إذا كان الأمر يتعلق بمنشأة بوردو أو منشأة نطنز. حسب ادعاء طهران، يدور الحديث عن كاميرات يعتبر تركيبها متجاوزاً لبروتوكول الرقابة الذي تم الاتفاق عليه مع الوكالة الدولية للطاقة النووية. وحتى الآن يبدو أنهم في الوكالة ليسوا منفعلين إزاء هذه الخطوة.

حسب الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع إيران في شباط العام الماضي، عقب الإعلان بأنها لن تسمح لمراقبي الوكالة الدولية للطاقة النووية بصيانة الكاميرات في المنشآت النووية وفحص المواد المسجلة، فإن طهران تواصل السماح بتشغيل الكاميرات، لكنها لا تقوم بنقل المواد المسجلة للمراقبين. وتحييد هذه الكاميرات لا يمس بالرقابة بدرجة كبيرة، لكنه يشير إلى الطريقة التي تنوي فيها إيران الضغط للدفع قدماً بالمفاوضات، ويشير أيضاً إلى أنها تتفهم الحساسية الكبيرة لقضية الرقابة بالنسبة لوكالة الطاقة النووية والدول الغربية.

التقدير هو أن الخطوات الإيرانية والخطوات الغربية استهدفت خلق “حوار من الضغط والتهديد” ليحل محل “حوار مهذب” الذي ميز أجواء المفاوضات حتى الآن. ولكن الهدف ما زال هو نفسه، استكمال المفاوضات والتوقيع على اتفاق نووي جديد، الذي حسب التقارير استكملت صيغة مسودته تقريباً. ولكن لا يوجد للطرفين فائض من الخيارات أو الوقت.

الضغط الاقتصادي في إيران كبير، وسوق النفط العالمية منذ فترة تقدم لها فرصة كبيرة لملء صندوقها الآخذ في النفاد. صحيح أنها زادت كمية النفط التي تبيعها ووصلت إلى نحو 800 ألف برميل يومياً مقابل 200 ألف برميل في بداية السنة، لكن الإمكانية الكامنة للبيع على المدى القصير أكبر بثلاثة أضعاف على الأقل، لا سيما في الوقت الذي تبحث فيه الدول الأوروبية عن بديل للنفط الروسي.

بالنسبة للدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فإن الانسحاب من المفاوضات يعني فقدان احتمالية التوصل إلى الانجاز الدبلوماسي الأكبر الذي يأمله بايدن. والأكثر أهمية هو الإدراك بأن المسار الدبلوماسي البديل، أي التوجه إلى مجلس الأمن من أجل استئناف العقوبات الدولية على إيران، هو طريق مسدود؛ وأن الخيار العسكري الذي يضع واشنطن في جبهة جديدة في الشرق الأوسط غير وارد في الحسبان الآن، في الوقت الذي تنشغل فيه بجبهة أوكرانيا والصراع أمام روسيا.

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 9/6/2022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية