عاموس هرئيل
في صيف 2016 كان رئيس الحكومة (في حينه والآن) نتنياهو قلقاً جداً. مراقب الدولة يوسف شبيرا، انشغل في كتابة تقرير لاذع بشأن معالجة فاشلة للمستوى السياسي وجهاز الأمن لأنفاق غزة. قبل ذلك بسنتين، انتهت العملية الاسرائيلية الأخيرة في القطاع، عملية “الجرف الصامد”، بتعادل مؤلم مع حماس. وأظهر فحص المراقب أن إسرائيل كانت تنقصها معلومات عن حجم مشروع الأنفاق في غزة، وأن الجيش لم يستعد لهذا التهديد.
قام نتنياهو بفعل شيء، ورفض إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام الإسرائيلية باستثناء القناة 14، وهو ما بدا غير مفهوم؛ فقد استدعى جميع أجهزة الإعلام الإسرائيلية بشكل منفرد، للقاءات ماراثونية استمرت 3 – 4 ساعات لكل منها على حدة. حتى هيئة تحرير “هآرتس”، وصلت إلى مكتب رئيس الحكومة مع بعثة تضم 20 مراسلاً تقريباً. كرس نتنياهو جزءاً كبيراً من اللقاءات لقراءة اقتباسات انتقائية من محاضر النقاشات في السنتين اللتين سبقتا العملية. وتبين فيها أن رئيس الوزراء طلب العمل بشكل دائم على معالجة الأنفاق.
مراقب الدولة شبيرا، الذي كان مخولاً بالاطلاع على المحاضر كلها، لم يسقط في الشرك بسهولة. وصيغة التقرير النهائية كانت انتقادية لنتنياهو
مراقب الدولة شبيرا، الذي كان مخولاً بالاطلاع على المحاضر كلها، لم يسقط في الشرك بسهولة. وصيغة التقرير النهائية كانت انتقادية لنتنياهو، لا لأنه فعل شيئاً. استمر الجيش الاسرائيلي بشن عمليات هجومية محدودة النطاق ضد حماس. بعد كل عملية، أعلن نتنياهو وكبار قادة الجيش بأن حماس تعرضت لضربة شديدة، وأنها ضعيفة ومرتدعة. وهكذا استمرت الأمور حتى مذبحة 7 أكتوبر.
يحاول نتنياهو تكرار التمرين في التصريح المشفوع بالقسم الذي قدمه للمحكمة العليا أمس رداً على تصريح رئيس “الشاباك” رونين بار في الالتماسات التي قُدمت ضد إقالة بار. لدى رئيس الحكومة نصوص جميع النقاشات، السرية والأقل سرية. وحسب رأيه، هو المخول بتقرير ما الذي يمكن نشره منها بتقدير مستوى الضرر الأمني. وفقاً لذلك، تم جمع الاقتباسات انتقائياً، واستهدفت أن ادعاءات بار ضده كاذبة.
استثمرت جهود أكبر في بعض ادعاءات نتنياهو؛ فقد صمم على أن يثبت عدم طلبه من بار المساعدة للحصول على تأجيل تقديم شهادته في المحكمة، بل لتحسين شروط الحماية، وقد نفى محاولته تفعيل “الشاباك” لتقييد الاحتجاج غير العنيف، واتهم بار بصياغة فظة وصارخة، وبالمسؤولية الكاملة عن الفشل الاستخباري عشية 7 أكتوبر (من شدة التصميم، غاب مكان الجيش الاسرائيلي من قائمة المتهمين هذه المرة). كالعادة، بصورة مفاجئة جداً، لا يذكر نتنياهو حتى للحظة أي ذرة من مسؤوليته عما حدث، لو أيقظوه في الوقت المناسب.
لقد ظهر في التصريح المشفوع للقسم خوفاً من نتنياهو على نفسه وعلى عائلته (سواء من الخارج، حزب الله وحماس)، أو التهديد من الداخل (الاحتجاج). هكذا تم تضخيم أحداث هامشية من قبلُ، مثل: اقتحام المتظاهرين والوصول قرب المقر في شارع بلفور في فترة كورونا، أو “حصار” المتظاهرين لصالون التجميل في ميدان المدينة في فترة الانقلاب النظامي. عملياً، بدأت العلاقة المتوترة مع بار بهذه المسألة. تم تعيين بار في المنصب في 2021 من قبل رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت، في فترة حكومة التغيير التي لم تستمر لفترة طويلة. بعد فترة قصيرة، أغضب عائلة نتنياهو عندما رفض منح أبناء العائلة رزمة حماية استثنائية.
يرفض نتنياهو ادعاء بار الرئيسي القائل بأنه طلب منه إعداد رأي أمني بهدف تأجيل تقديم شهادته في المحكمة، بعد أن انفجرت مسيرة لحزب الله فوق بيته في قيسارية في تشرين الأول 2024. وكدليل على ذلك، يجلب اقتباسات من المحادثة بينهما التي قال فيها نتنياهو إنه ينوي تقديم شهادته. ولكن لماذا يشرك بار في نواياه الحقيقية؟ حيث صعوبة في توفير الحماية هنا. وكان المطلوب، من ناحية نتنياهو، رأي مناسب. في الأسابيع التي علت فيها هذه القضية الأجندة، انتشرت تقديرات في وسائل الإعلام تفيد بأنه سيستغل محاولة المس به لتأجيل شهادته. لأن الدفاع في هذه الأيام، سيطرح أي ادعاء محتمل لكسب الوقت وتسريع وتيرة النقاشات.
العلاقة المتوترة بينهما ليست جديدة، لكنها استمرت خلال سنة الانقلاب والاحتجاج اللذين سبقا الحرب. عندها، جاء الفشل الفظيع في الليلة التي سبقت المذبحة. في تصريحه يقف نتنياهو عنده بشكل مطول، بما في ذلك عناوين بالخط العريض التي يظهر وكأنها أخذت من حساب على إنستغرام. ولكن بالفعل، لا يوجد لرئيس الحكومة سجل تدخل في تقييمات الجيش و”الشاباك” أثناء تحذيرات أمنية، بل تجاهل التحذيرات حول الوضع الأمني في الأشهر التي سبقت الحرب. والسؤال الأول الذي وجهه للسكرتير العسكري في صباح المذبحة هو: “لماذا يطلقون النار”؟
اقتبس نتنياهو، ليس للمرة الأولى، تشخيصات لبار قبل الحرب، تدل على أن رئيس “الشاباك” يتمسك بمفهوم “حماس لا تسعى إلى حرب فورية”. ولكن بار لم يكن الوحيد في ذلك؛ فقد كان هذا هو موقف رئيس أجهزة الاستخبارات، وقد تم اتخاذه من قبل رئيس الحكومة ووزير الدفاع يوآف غالنت. في المقابل، يذكر نتنياهو اقتراحه ضرب القائد الكبير في حماس، صالح العاروري، الذي حسب رأيه عارضه بار. لسبب ما لا يذكر في التصريح، أن بار وسلفه في رئاسة الجهاز، أوصيا باغتيال قادة حماس في القطاع، يحيى السنوار ومحمد ضيف. ونتنياهو هو الذي تحفظ على ذلك.
التصريح المشفوع بالقسم المفصل الذي قدمه رئيس الحكومة، يوضح سبب محاولته منع تشكيل لجنة تحقيق رسمية. نتنياهو لا يتحمل أي مسؤولية عما حدث، وهو أيضاً يتحكم بالبروتوكولات، وسيختار الاقتباسات التي تخدم مصالحه، وستتمكن لجنة التحقيق من الحسم بين الروايتين بعد الاطلاع على السجلات ومقابلة الشهود. بالنسبة لرئيس الوزراء، الأسهل هو جعل المواجهة مبارزة لتبادل الاتهامات، حيث من الصعب على المحكمة العليا البت فيها.
هآرتس 28/4/2025