أحد التطورات الأهم لإسرائيل أفلت من الاهتمام الجماهيري الذي يركز على الخلافات بين طرفي الإصلاح القضائي الجارف ومعارضيه. وهذا هو التطور، كما بلغ عنه مؤخراً مكتب الإحصاء المركزي: في السنة والنصف الماضيتين منذ الاجتياح الروسي لأوكرانيا، هاجر إلى إسرائيل ما لا يقل عن 110 آلاف يهودي من مستحقي قانون العودة. 86 في المئة منهم، نحو 100 ألف، من دول كان يتشكل منها الاتحاد السوفياتي. أضافت هجرتهم 1.2 في المئة على عدد سكان إسرائيل. صحيح ما فعل مكتب الإحصاء إذ لم ينجر في تقريره للتمييز بين اليهود حسب قانون العودة، واليهود حسب الفقه (الهلخاه) الأرثوذكسي، تمييز يحب وزراء الحكومة الحالية الانشغال فيه.
صاغ مكتب الإحصاء المركزي بيانه عن حجوم الهجرة بحماسة. فقد كتب في البيان يقول إنه “في العام 2022، وصل إلى إسرائيل 73.714 مهاجراً – رقم قياسي في عدد المهاجرين منذ بداية سنوات الألفين. ومن المتوقع لعدد المهاجرين أن يكون عالياً في 2023 أيضاً (حتى تموز هاجر نحو 34 ألفاً إلى إسرائيل). قد نكون في بداية موجة هجرة إضافية من الاتحاد السوفيتي السابق”.
لقد جلب المهاجرون الجدد من الاتحاد السوفيتي السابق رأسمال بشري وتعليمي هائل معهم، خدم اقتصاد إسرائيل على أجياله. قرابة ثلاثة أرباع من أبناء الـ 15 فما فوق تعلموا أكثر من 13 سنة، لـ 70 في المئة منهم تعليم أكاديمي، وقد اشتغلوا في بلادهم الأصلية في وظائف أكاديمية. لـ 10 في المئة فنيون ومهندسون وما شابه. بالإجمال، تلقت إسرائيل حتى الآن نحو 60 ألف أكاديمي جاهز. قيمة الرأسمال التعليمي لهؤلاء المهاجرين تقدر بعشرات مليارات الشواكل.
وبالتفصيل: في موجة الهجرة الكبرى في 2022 – 2023 وصل إلى البلاد، ضمن آخرين نحو 5500 مهندس ومهندسة، و2000 طبيب وطبيبة (تقريباً ثلاثة أضعاف عدد الطلاب في كليات الطب في البلاد ممن ينهون تعليم الطب في سنة)، و300 مختص ومختصة بالرياضيات و50 بيطرياً. أين استقر المهاجرون العام الماضي؟ 12.5 في المئة منهم في تل أبيب المدينة، 10.5 في المئة في حيفا، 10.5 في المئة في نتانيا و10 في المئة في القدس. المهاجرون الذين أضيفوا إلى عدد سكان هذه المدن أثروا في تركيبتها الديمغرافية وميزان الهجرة. أقل من 2 في المئة من المهاجرين اختاروا مكان سكنهم في أراضي “يهودا والسامرة”. موجة الهجرة (بحجم 25 ألف عائلة) تبين ارتفاعاً حاداً في أسعار الشقق العام الماضي وارتفاعاً في إيجار الشقق هذا العام.
الميزة البارزة الإضافية لموجة الهجرة هذه هي الهدوء الذي يرافقها. ليس عليها خطط بحث صاخبة في قنوات التلفزيون، ولا بيانات متبجحة من الحكومة في محاولة منها لنسب الهجرة إلى ذاتها. في العلاقة التي بين الجلبة والمساهمة، لا بد أن هذه هي إحدى أفضل الهجرات للمجتمع، التعليم العالي والاقتصاد.
مع غياب اهتمام إعلامي، ليس هناك معلومات عن مواقف المهاجرين الجدد وعن أفكارهم وميولهم الحزبية وعن سياقات الاستيعاب والتأقلم. سياسيون هجروهم مثلما هجروا بلدانهم الأصلية. فهل يأسفون على ذلك؟ من خلال محادثات عشوائية مع عدد من المهاجرين، ثمة انطباع بأنهم وإن كانوا يشتاقون للمشاهد الطبيعية، وللروائح والأطعمة وأنماط الثقافة التي خلفوها وراءهم، فمعظمهم إن لم يكونوا كلهم، يدركون أن الأحداث التاريخية فرضت عليهم الهجرة، ولا يفكرون بالعودة.
في نظر إسرائيليين قدامى، تبدو الهجرة الروسية – الأوكرانية – البيلاروسية الهادئة للعامين 2022 – 2023 كصندوق أسود، لكنها صندوق ذهب لدولة إسرائيل.
سيفر بلوتسكر
يديعوت أحرونوت 30/8/2023