الشابة فضيلة، مغنية من جيل الثمانينات
الموسيقى الجزائرية في تحول، بفضل ما جادت به السوشيال ميديا من فضائل، وكذلك منصات التحميل، فالإنتاجات الجديدة في تراكم، ولا يكاد يمر أسبوع واحد من غير أن نُشاهد فيديو كليب جديد ـ بغض النظر عن مستواه، فلسنا في موضع الحكم هنا ـ كما إن الحفلات عادت ومعها المهرجانات، بعد تغيب قسري دام عامين، نظراً إلى تداعيات الجائحة، بالإضافة إلى أن الآلة التجارية ضاعفت من نشاطها، وباتت تحقق أرقاما لا بأس بها، من الناحية المادية، وكذا جراء أرقام المشاهدات على النت، فالسلعة الغنائية لم تعد متعبة، كما كانت عليه في سنين خالية، بل في إمكان أي شاب أن يُسجل عملاً أو يصور فيديو غنائيا بأبسط الوسائل، يكفيه كاميرا موبايل وتطبيق مونتاج، هكذا سيحمل صفة فنان، وكذلك بطاقة فنان ممهورة من طرف وزارة الثقافة.
بات الجميع يلهث خلف صفة «فنان» ولا يهم في بعض المرات أن تكون الموسيقى أو كلمات الاغنية مسروقة، فحقوق المؤلف ومثله الفنان في الجزائر، هي من آخر اهتمامات المعنيين، المهم هو إقناع جمهور واسع من المراهقين بالصوت والصورة، كسب أرقام مشاهدات، ثم تنفتح علبة المفاجآت، فيصير صاحبنا فنانا، ومن المحتمل أن يستميل قنوات فضائية محلية، فيصير ضيفاً على البلاتوهات، وإن كان صاحب حيلة وكياسة فبوسعه إقناع منتجين، ويصير ممثلاً أيضاً في مسلسلات رمضان، فقد جرت العادة في السنين الأخيرة على أنه كلما اتسعت شهرة شخص على السوشيال الميديا يصير ـ بقدرة قادر ـ ممثلاً، ولا حرج إن وجد الممثلون الحقيقيون، خريجو معهد الفنون، أنفسهم بلا شغل، بحجة أن لا متابعين لهم على فيسبوك أو أنستغرام. لكن في ظل هذه السباق المحموم من أجل الظفر بصفة فنان، وفي ظل طوفان التسجيلات الغنائية، التي نصادفها كل أسبوع على يوتيوب، أو تيك توك، نلاحظ أن الهيمنة فيها، بشكل جلي، للرجال. ففي السنوات العشر الماضية، لا نصادف سوى مغنيات من جيل سابق، لم تنتج هذه الآلة التجارية في الغناء اسماً نسائياً واحداً، واللواتي ينشطن في هذا المجال يحسبن على جيل ما قبل 2010. هكذا هو المشهد في الجزائر، طوفان من التسجيلات الجديدة، لكن النساء على دكة الاستماع، من غير أن يُسمح لواحدة منهن بالولوج إلى قلب المشهد.
في سنوات التسعينيات، كانت المرأة على رأس القوائم التي استهدفتها الجماعات الإرهابية، سواء كانت معلمة أو طبيبة أو مهندسة، وكذلك المغنية. شهدت تلك الحقبة أكبر هجرة لمغنيات الجزائر إلى الخارج، لاسيما إلى فرنسا، حفاظاً على أرواحهن.
يوتوبيا المرأة المناضلة
شعارات الدفاع عن المرأة، في الجزائر، بالمئات. ففي كل خطاب سياسي، لا بد أن يطل علينا مسؤول ويخبرنا أن المرأة على رأس اهتمامات السلطة، لكن ما محل ذلك الكلام من الواقع؟ حيث إن المرأة لا تزال عنصراً ثانوياً في العملية السياسية، مغيبة إلا في استثناءات. وهذا الأمر ليس وليد الساعة، فقد نشأت الدولة الجزائرية المستقلة (منذ 1962) على ساق واحدة، ساق ذكورية. بالعودة إلى حقبة حرب التحرير (1954-1962) لا يزال يتردد ذلك الكلام المطلي بالعسل، والقول إن المرأة قد لعبت دوراً حاسماً في حرب التحرير، وكان لها الفضل الكبير في الوصول إلى لحظة الانعتاق من الاستعمار. لكنه مجرد كلام. لم نشهد خلال تلك الحرب امرأة واحدة تتبوأ منصبا سياسيا أو عسكريا في الحرب، بل كنّ دائماً في مراتب دنيا، مع أن ـ للمفارقة ـ أشهر شخصيات حرب التحرير كنّ نساء، مثل جميلة بوحيرد، لكن جميلة بوحيرد مثل غيرها من نساء أخريات، كنّ في مرتبات دنيا في تراتبية السلطة، كنّ في العتمة وليس في النور. عقب الاستقلال، انتظرت الجزائر عشرين عاماً كاملة، إلى غاية 1982، قبل أن تعين أول وزيرة (عندما صارت زهور ونيسي وزيرة للحماية الاجتماعية). عشرون عاماً هي مدة طويلة قصد التفكير في إشراك المرأة في السلطة التنفيذية، مع ذلك لم تخفت تلك الخطابات العذبة في الإشادة بدور المرأة التاريخي، في تناقض صريح مع الواقع، الذي أثبت أنها لم تكن سوى في مراتب متأخرة، ولم تحظ بأولوية الخيار السياسي.
المقاومة بصوت المرأة
في سنوات التسعينيات، كانت المرأة على رأس القوائم التي استهدفتها الجماعات الإرهابية، سواء كانت معلمة أو طبيبة أو مهندسة، وكذلك المغنية. شهدت تلك الحقبة أكبر هجرة لمغنيات الجزائر إلى الخارج، لاسيما إلى فرنسا، حفاظاً على أرواحهن. كانت مغنية مثل الشابة زهوانية على رأس المطلوبات في قوائم الموت، كذلك الحال مع الشابة فضيلة وأخريات. مع ذلك ورغم الوضع الأمني المتردي آنذاك، ظلت أجيال المغنيات في توالد، وظهر جيل التسعينيات من مغنيات، بعضهن ما زلن يواصلن نشاطهن إلى حد الساعة، فقد كان صوت المرأة شكلاً من أشكال مقاومة التطرف، واستطعن بصبرهن وفنهن الحفاظ على الجمهورية، التي كانت مهددة في جو من العنف الدامي اليومي، فقد كانت واحدة من أصعب مراحل التاريخ الجزائري في التسعينيات. وحضور المرأة كان طاغياً حينها. لكن بمجرد نهاية تلك المرحلة، عقب التصويت على ما اصطلح عليه (المصالحة الوطنية) التي أفضت إلى عفو على الجماعات المسلحة، عادت النسوة إلى مخابئهن. وزادت الذكورية شراسة في التضييق على حرياتهن. ووصلنا إلى هذه السنوات، فمنذ 2010، تقلص حضور النساء، في الغناء، بشكل لافت، على الرغم من أن موسيقى الراي كانت الرافد الأساسي بأسماء نسائية، صارت حالها شحيحة، ولم نعد نسمع عن أسماء نسوية جديدة، أما في الأنماط الموسيقية الأخرى، في شرق البلاد ووسطها، فقد تعودنا من عقود على تغييب المرأة، وكنا نرجو أن تحصل طفرة ونرى مغنيات جديدات، لكن لم يحصل ذلك. هكذا إذن يبدو المشهد الغنائي، في الجزائر، في العقد الأخير، يشهد تراكماً في الإنتاجات، وتناطحاً بين شركات الإنتاج، وطوفاناً من الفيديوهات الجديدة، كل حين، على الإنترنت، مع محاولات في التنويع وفي ابتكار أساليب فنية جديدة، لكن ذلك كله يحصل بين الرجال وحدهم، ولم نسمع من بينهم صوت امرأة واحدة، ويبدو أن الأمر سوف يستمر على هذا المنوال في المستقبل القريب.
روائي جزائري