بدأ فصل المعارك… الجزائر في الكومنولث!

حجم الخط
8

■ بينما كان الجزائريون منشغلين بمتابعة كأس الأمم الافريقية، مبتهجين بأداء المنتخب ومحتفلين بانتصاره، كان وزير الجامعات يلقي الحطب في النّار، ويشعل معركة لغوية، بخلفيّة سياسيّة. صرّح قائلاً إن «الفرنسية لم تعد تنفع في شيء» في الجزائر، ثم أطلق سبر آراء في الفيسبوك ـ بحكم أن البلد لا يمتلك معاهد سبر آراء يُعتمد عليها ـ يسأل فيه الطّلبة: هل يفضّلون الإنكليزية أم الفرنسية في التّعليم العالي. واتّفق 94٪ من مستخدمي الفيسبوك على الإنكليزية (من بين 90 ألف شخص أدلوا برأيهم). استغل الوزير هذه النّتيجة ودشّن معركته على اللغة الفرنسية، بإرسال أمر إلى الجامعات يفرض عليهم استخدام الإنكليزية والعربية، وتفادي الفرنسية في مراسلاتهم. لقد خرجت الجامعة الجزائرية، منذ سنوات، من تصنيفات أفضل الجامعات، لم تعد قادرة على لعب دورها في التّغيير، وتعيش جموداً، زاده ضعف وسائلها البيداغوجيا وارتفاع عدد الطّلبة، وعدم القدرة على استيعابهم، ومع ذلك يبدو أن الوزير ـ الذي ينتمي إلى حكومة تلقى رفضاً شعبياً ـ وجد عصا موسى، بأن يغّير الفرنسية بالإنكليزية، لعلّه يعيدها إلى مكانتها، وفتح الباب واسعاً أمام حرب لغوية جديدة في الجزائر، فكيف يمكن أن ننجو منها؟
بعيد استقلال البلد، في 1962، استعان الحكّام الجدد بحرب مزيّفة، سموها «التّعريب»، لم تكن الغاية منها نشر العربية، في جزائر خارجة لتوّها من استعمار فرنسي، بل من أجل تصفية حسابات داخلية في ما بينهم، ويمكن أن نلمح كرونولوجيا تلك الحرب في أسماء المسؤولين الذي تداولوا على وزارة التّربية، فبعد أن شغل أحمد طالب الإبراهيمي ذلك المنصب، ثم تلاه عبد الكريم بن محمد، المعروفان بنزعتهما «العروبية»، انتهت تلك الحرب عام 1977، بمجيء الكاتب مصطفى لشرف، الذي تولّى قطاع التّربية، ومحا في يومين ما قام به الوزيران السّابقان. أوقف حركة التّعريب، وطرد أكثر من عشرين موظفاً في الوزارة، من بينهم عبد الحميد مهري ـ آنذاك ـ بحجّة اختلافه معهم في سياسة التّعليم، ورؤيته المغايرة في تسيير المدرسة، وأعاد الفرنسية من جديد إلى مكانتها، كلغة علمية رسمية في المراسلات وبعض المناسبات الحكوميّة. وصف خصومه قرارته تلك ﺑ»المجزرة». عادت في ما بعد سيّاسة التعريب، بدءًا من 1990، ولكن بعد مرور كل هذه العقود، لا يخفى على أحد فشل التّعريب في الجزائر، وتحوّلت الفرنسية من مجرد لغة «امتياز»، لغة إعلام ونخبة، إلى عادة يومية. فعلاً، الفرنسية في الجزائر ليست مجرد لغة، بل هي عادة وممارسة، وجزء من اللسان الجزائري، ثابت في اللاوعي، كيف يمكن أن ننتزعه الآن بمجرد قرار وزاري؟ والأصعب من ذلك، كيف يمكن أن نستبدل الفرنسيّة بلغة إنكليزية؟

لا يمكن أن نغفل الجانب السّياسي في هذا التوجّه اللّساني الجديد، لأن خطوة وزارة الجامعات، ودفاعها المفاجئ عن الإنكليزية، جاء متأخراً جداً، لماذا انتظرت كل هذه السّنوات، كي تتفطّن أن الإنكليزية لغة العالم، ولم تبادر إلى مشروعها من قبل؟

يستعين أنصار «حشو» الإنكليزية في اللّسان الجزائري بالنّموذج الرّواندي. يُردّدون، في كلّ مناسبة، أن هذه الدّولة الافريقية نجحت في الانتقال من استخدام الفرنسية إلى الإنكليزية، بسلاسة، بدون أن يقدّموا شروحات أكثر، تغليطاً للرّأي العامّ، وتلاعباً بمشاعر الجزائريين. لا تزال الفرنسية لغة رسمية في رواندا، وأضيفت لها، قبل 15 سنة، الإنكليزية، لأسباب لا تتوافر عليها الجزائر. أولاً لأن رواند يطوّقها بلدان ناطقان بالإنكليزية هما أوغندا وتنزانيا، ثم ثانياً، وهو السّبب الأكثر تأثيراً: عودة ملايين من اللاجئين التوتسي، بعد نهاية الحرب الأهلية في البلد، قادمين إليها من أوغندا، وكثير منهم وُلدوا هناك، بالتّالي فهم لا يتكلّمون سوى الإنكليزية. إن أي محاولة تشبيه الجزائر برواندا تعتبر إساءة للجزائر، التي نجت من مجازر كتلك التي شاهدناها في رواندا، وهو أيضاً خطأ لأن الجزائر ليس لها جيران يعتمدون الإنكليزية لغة رسمية لهم.
ثمّ إن إدراج الإنكليزية في رواندا، جاء بعدما ساءت علاقة هذا البلد بفرنسا، عقب نشر تقارير تفيد بتورّط فرنسيين في الحرب التي شهدتها البلد في التسعينيات، بالتّالي كان خياراً لغوياً ذا بعد سيّاسي، ويكاد الأمر يصير مشابهاً ـ اليوم ـ في الجزائر مع ما يرد يومياً من أخبار اعتقالات ومحاكمات مسؤولين سابقين، في عهد بوتفليقة، وعلاقاتهم بفرنسا، ومن هنا لا يمكن أن نغفل الجانب السّياسي في هذا التوجّه اللّساني الجديد، لأن خطوة وزارة الجامعات، ودفاعها المفاجئ عن الإنكليزية، جاء متأخراً جداً، لماذا انتظرت كل هذه السّنوات، كي تتفطّن أن الإنكليزية لغة العالم، ولم تبادر إلى مشروعها من قبل؟
منذ سقوط حائط برلين، ونهاية الحرب الباردة، صارت الإنكليزية على كلّ الألسنة، لغة جامعة ولغة عولمة ولغة تكنولوجيا، وليس خطأ أن تجد مكاناً لها في الجزائر، لكن ليس بهذه الطّريقة التي تودّ فرضها الحكومة الحالية ـ التي يخرج النّاس كلّ جمعة رفضاً لها ـ ففي الدوّل غير النّاطقة بالإنكليزية، انسّلت هذه اللغة إلى ألسنة النّخبة وفئات ناشطة قليلة، وحافظت الغالبية على لغاتها السّابقة، فإدراج الإنكليزية لا يعني إجبارها على من لا يقدر عليها، وكلّ المؤشرات توحي بأن هذه المعركة اللسانية، التي اندلعت، في الأيّام الأخيرة، ستنتهي إلى هامش التّاريخ أو أبعد منه، بحكم أنها تكرّر الأخطاء نفسها التي وقعت فيها الجزائر في مشروعها في التّعريب، فالذين تبّنوا التّعريب، بعد الاستقلال، لم يكونوا من النّخبة أو من قطاعات فاعلة اجتماعياً، بل احتكّر تلك السّياسة حزب جبهة التّحرير، متكئاً على مساعدة بعض العسكريين ـ من بينهم محمد الصّالح يحياوي ـ ومشروع الإنكليزية اليوم يحتكره أيضاً بعض الرّموز من حزب جبهة التّحرير، ومقرّبون منه، بمساعدة العسكر، والأسباب نفسها لا تؤدي سوى إلى النّتائج نفسها، فالتّغيير لا يبدأ من رأس الهرم، في الجامعة، بل من القاعدة، وهو ما لا يمكن ـ نظرياً ـ في غياب تكوين إطارات ناطقة بالإنكليزية، والغريب في الأمر أن نسمع وزير الجامعات يتكلّم عن مشروعه، الذي قسم المجتمع إلى نصفين، بحماسة، كما لو أنه متيقن من النتائج، ومن يسمعه يعتقد أنه ينوي إلحاق الجزائر بالكومنولث، كما فعلت رواندا، في غمرة حماستها (مع أنها لم تكن يوماً تحت التّاج البريطاني)، بينما البلد لم يخرج بعد من أزمته في تعليم العربية، حيث لا يخفى على أحد أن أبناء كبار المسؤولين يرسلون أبناءهم للمدرسة الفرنسية، في الجزائر العاصمة، ويفضلونها على حساب المدرسة الجزائرية، التي تدرّس بالعربية.

٭ كاتب من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية