كان عبد الواحد لؤلؤة، في ما قرأت، أول من كشف العلاقة بين «أنشودة المطر» للسياب، وقصيدة الإنكليزية أديث ستويل «ما زال يهطل المطر» (النفخ في الرماد، دار الرشيد للنشر1981). وقد ساق تفاصيل من سيرة السياب وثقافته، والمؤثرات الأدبية والشعرية التي ألمت به؛ وهو الذي تخرج في دار المعلمين العالية في بغداد عام 1948، حيث قضى سنتين في قسم العربية، ثم انتقل إلى قسم اللغة الإنكليزية. وانصرف في أواسط الخمسينيات إلى قراءة الشعر الإنكليزي المعاصر في لغته، وفي ما ترجم منه إلى العربية: شعر ت. س إليوت وأديث ستويل خاصة.
وكان في الوقت نفسه مأخوذا بقيمة الأساطير والرموز في إغناء القصيدة؛ وقد نهل منها الكثير في شعره. لكن ما يعنيني في هذا العنصر هو هذا التجاوب بين نص عربي لا أتردد في نعته بـ»التأسيسي» هو «أنشودة المطر»، ونص من الشعر الإنكليزي «ما زال يهطل المطر» لستويل، ضمن كتابها الشعري «أنشودة الوردة» حيث تتوزع القصائد على محورين اثنين: أولهما موسوم باسم «أنشودة»، وثانيهما باسم «ترنيمة». ويرى عبد الواحد لؤلؤة أن كلمة «أنشودة» شدت انتباه السياب، لما بين الشعر و»النشيد» من أواصر القربي في العربية، وفي اللغات السامية عامة. والحق أن هذا يشمل أيضا لغات أخرى تتحدر من جذر لاتيني مثل الفرنسية: Chanter la poésie أنشد الشعر كما في العربية، أو تغنى بالشعر كما في بيت حسان بن ثابت: تغن بالشعر إما كنت قائله/ إن الغناء لهذا الشعر مضمار.
أما القصيدة التي نحن بها، فقد كتبتها الشاعرة خلال ليلة قصف لندن في 7 ديسمبر/كانون الأول 1940 «Blitz» وقد أطلق الألمان على هذا القصف الاسم الرمزي «البرق الخاطف»: «مازال يهطل المطر/ بصوت مثل نبض القلب يتغير وضربةَ المطرقة في ساحة الخزاف، مثل وقع الأقدام الدنسة/ على الضريح/ما زال يهطل المطر/ في حقل الدم حيث تتوالد الآمال الصغار والعقل البشري يغذي جشعَه، تلك الدودة في جبين قابيل.
والحق أنا أتردد في القول إن السياب صاغ العنوان «أنشودة المطر» متأثرا بأديث ستويل في عنوان كتابها وهو تركيب بالإضافة «أنشودة الوردة»، كما يجزم عبد الواحد لؤلؤة، ذلك أن هذا العنوان قد يكون السياب اقتبسه من بول فرلين في قصيدته الشهيرة «يبكي في قلبي» أو هو ألم به مجرد إلمامة، إذ يستخدم فرلين التركيب نفسه تقريبا «نشيد[أنشودة] المطر» (والكلمة الفرنسية Chant» نشيد» تعني أيضا الغناء والشدو، وفي بعض تراكيبها بالإضافة تعني الترتيل والتغريد والصياح ورقصة المذبوح…) بترجمتي:
يا لَوقع المطر الناعم
على الأرض وعلى الأسطح
من أجل قلبٍ متضايق
يا أنت يا نشيد المطر
لكن ما يرجح احتمال الاقتباس أن السياب يستعمل هذه الصورة «يبكي في قلبي» في قصيدته «جميلة بوحيرد»؛ ما يؤكد أنه مطلع على شعر فرلين في ترجماته الإنكليزية أو العربية، فليس بالمستغرب إذن أن يكون العنوان «أنشودة المطر» مأخوذا من فرلين وليس تنويعا على «أنشودة الوردة».
والترجمة السائدة لمطلع قصيدة فرلين هي، «يبكي في قلبي/ مثلما يمطر على المدينة». وأفضل أن أترجم الصورة على هذا النحو: «إنه يمطر في قلبي/ مثلما يمطر على المدينة» أو « إنه يدمع في قلبي»، والمسوغ أن الشعر العربي القديم استخدم «أمطر» بمعنى «بكى» و»دمع» للسحاب والمطر. ويقول السياب:
« يا أختنا المشبوحة الباكية أطرافك الدامية يقطرن في قلبي ويبكين فيه»
على أن هذا التركيب (مضاف ومضاف إليه) صُرف في النصين إلى ما هو آني مباغت غير متوقع: إضافة «النشيد» إلى «الوردة» في النص «المُحتذَى»، وإلى «المطر» في النص «المحتذِي». وهو «احتذاء» محدود جدا يكاد لا يُلحظ إلا في العنوان من حيث هو «صورة»، والصورة شكل وطريقة في قول شيء جديد بطريقة جديدة. فنحن إزاء «إضافة مجازية» تحرف النظام اللغوي المرتب بمعزل عن إرادتنا. والأصل في هذا النظام أن يُضاف الاسم إلى اسم دون آخر على ما يقتضيه الانسجام المنطقي بينهما. وليس في العنوانين أي انسجام مألوف، أو له سند من الواقع، أو من الاستعمال اللغوي، بين المضاف والمضاف إليه؛ فلا الوردة تنشد ولا المطر ينشد، إنما هي إضافة مرجعها ذاتية الخطاب الذي يصنعها على مقتضى منطق شعري خاص، ووجهة نظر لغوية ذاتية خالصة. وتتوزع القصيدة على فقرات «مقاطع» تقصر وتطول مثل نزول المطر رتيبا أو مفاجئا، هادئا أو ضاجا؛ وفيها يستخدم الشاعر الأوصاف البصرية التي تتنامى بتنامي حركة المطر، وهو يتجسد في نزوله وفي أصواته، وهو يتواصل ويهطل، كما لو أنه خيوط منحلة في صور، وينقطع ويتقطع، ويبطئ ويخف في أخرى، في ثنائية الصمت والضوضاء: صمت العصافير وقرقرة [ضحك] الأطفال الضاجة الناعمة من قرقرة المزاريب ومن أصوات الجرس جرس المطر المنهمر؛ وحال الحزن والكآبة والوحدة والضياع، كما في قصيدة ستويل «أسود [معتم] مثل ضياعنا». وندرك منذ فاتحة القصيدة، كيف يهيئ الشاعر القارئ لنزول المطر، هذه الظاهرة الطبيعية العادية، لكن الفريدة؛ وهو يديرها كتابة على تفعيلة الرجز «مستفعلن»، وينقنا من «الأرجوزة» إلى «قصيدة التفعيلة» التي كانت تُسمى في بواكيرها «الشعر الحر»، وهي تسميةٌ خطأٌ؛ ويحتشد لها بحس مواكب، بصرا وسمعا من حيث توزيع الأسطر التي تتفاوت طولا وقصرا، في فضاء النص. وهذه الفاتحة رؤية شعرية للمطر، حيث تتلبس المرأة بالطبيعة وضوحا وغموضا. وهذا مجال معجمي غني (السحر وغياب القمر وغور العينين والظلام)، قد ينطوي على أثر خفي من عالم ستويل أو ما بقي منه في ذاكرة الشاعر:
« ما زال يهطل المطر – قاتماً مثل عالم الإنسان، أسود مثل ضياعنا..
وفي الشعر الأجنبي يتخذ المطر صورا متنوعة، فثمة أيضا مطر بول فرلين «الحزين» مثل مطر السياب، ومطر غيوم أبولينير «السحري» المكتوب في نسخته الأولى من أعلى إلى أسفل في محاكاة لنزول المطر؛ وثمة مطر جاك برفير «المُحزن».. ومطر فرنسيس بونج، ولعله الأقرب رؤية إلى مطر السياب، وهو يتنقل مع المطر حيث ينزل ويهطل.. و»الشاعر» في قصيدته «المطر» في الفناء (الفضاء المغلق) يشاهد المطر في ‘الفضاء المفتوح» يهطل، ويتساقط سريعا متفرقا.. بطيئا.. خفيفا.. بحجم حبة القمح.. أو بحجم حبة البازلاء، وفي مكان آخر تقريبا بحجم كرة العاج.. على القضبان، وعلى مساند ذراعي النافذة.. ويجري أفقيا… ويتدلى في علب كرتونية محدبة.. في رنين الشباك العمودية المطروحة أرضا.. في قرقرة المزاريب، وأصوات الجرس الصغيرة..»
إن وصف المطر موضوع قديم، طرقه الشعراء العرب منذ الجاهلية، وتواصل مع المحدثين مثل، أبي تمام في «مطر الربيع» وغيره. وأمثلة ذلك كثيرة، وليس هنا مجال عرضها. غير أنه وصف يستغرق أبياتا قليلة؛ وليس بهذا الشكل أو الأسلوب أو هذه الرمزية، التي تميز «أنشودة المطر». وهي استثنائية بنيةً من حيث تنظيم الأمكنة صورةً وموضوعاً، في تاريخ قصيدة التفعيلة، تأخذ بسردية «القصص الوصفي»؛ وقد وزعها الشاعر على أسطر ومقاطع مقفاة أشبه بـ»الفقرات» السردية أدارها على صيغة المضارع تناغما مع حركة المطر ونزوله، وعلى الماضي في مواضع سردية قليلة؛ والشاعر وتحديدا «المتلفظ» بضمير المتكلم «أنا» هو «الراوي» أو «السارد» الذي يمسك بكل خيوط النص «خيوط المطر»: «فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاءْ/ ونشوةٌ وحشيةٌ تعانق السماء…» بل هو «صوت المطر» نفسه أو «المعادل الموضوعي» له أو الأداة الرمزية القادرة على تحقيق التوازن المحكم بين الشكل والمعنى، وعلى إحداث الانفعال ذاته لدى القارئ. وهو يخاطب المرأة في فاتحة النص، وفي متنه، بما يجعله شبيها بالمطر في تنقله بين الأمكنة المتباعدة:
«ومقلتاكِ بي تُطيفان مع المطرْ
وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ
سواحلَ العراق بالنجوم والمحارْ…
ثم في هذا الجمع بين قطرة المطر وقطرة الدم، والدمعة والابتسامة:
في كل قطرةٍ من المطرْ
حمراء أو صفراء من أجنَةِ الزَهَرْ»
وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل قطرةٍ تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديدْ…
المطر في الظاهر موضوع بسيط من حيث هو جزء من الطبيعة ومن ظواهرها العادية الفريدة، بل هو في بقاع من العالم، يهطل فيها المطر باستمرار، جزء من الحياة اليومية. لكنه في قصائد ستويل وفرلين والسياب «مطر نوعي» وليس مجرد ماء من السماء.
وما ندركه من هذه القصائد ليس تجاوبا بالمعنى الدقيق الحصري للكلمة، ذلك أن «أنشودة المطر» شكل من أشكال فن «المعارضة» أو «التناص الإبداعي» بعبارتنا؛ وليس لستويل أو فرلين من فضل على السياب سوى أن قصيدتيهما ألهمتاه أو كانتا من دواعي الشعر لديه.
كاتب تونسي