بدل عدوى مخجل ومطالبة وزارة الصحة بتقديم كشف حساب… والغلاء يتوحش وجهاز حماية المستهلك «نائم في العسل»

حسنين كروم
حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: وباء كورونا أصبح المحرك الأول لكل التصرفات الشعبية والحكومية، فالرئيس عبد الفتاح السيسي عقد اجتماعا مع محافظ البنك المركزي طارق عامر، لبحث تداعيات الأزمة داخليا وخارجيا، على الاحتياطي النقدي للبلاد، وكيفية مساعدة المؤسسات العامة والخاصة للاستمرار في عملها، بعد خسائر التي أصابتها.

وزير الأوقاف والأنبا يؤانس يعرِّضان حياة الكثيرين للخطر! ومطالبات بالتوسع في الإفراج عن معتقلي الرأي

كما عقد اجتماعا آخر مع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير المالية الدكتور محمد معيط، واللواء محمد أكين ومستشاره المالي ووزيرة التضامن الاجتماعي، لبحث اتخاذ قرار إنساني بكيفية تعويض العمال، الذين فقدوا أعمالهم من أصحاب المهن الحرة، وعمال اليومية، ولا يتمتعون بالتأمين الاجتماعي، وهو قرار إنساني لافت، وسيتم وضع الضوابط له، التي تحقق الهدف منه إذا استمرت الأزمة. وقامت أجهزة الأمن بالتشدد في مراقبة مدى التزام أصحاب المحلات، بتنفيذ قرار الغلق في السابعة مساء، وحتى السادسة صباحا وتشميع المحلات المخالفة، ومحلات الطعام «الديلفري»، وعدم السماح بأي تجمعات كبيرة، خشية انتقال المرض. وإلقاء القبض على عدد من المصانع التي تقوم بتصنيع مطهرات مغشوشة، وكمامات من أقمشة مجهولة المصدر. كما قام الجيش بطرح مطهرات وأقنعة بأسعار رخيصة لمنافسة الصيدليات، التي استغلت الأزمة ورفعت أسعارها بطريقة غير إنسانية، كما قامت إدارة الحرب الكيميائية في الجيش بالمشاركة في عمليات تطهير عدد من المؤسسات والميادين، ومحطات مترو الأنفاق والقطارات، قبل أن يستقلها الركاب، إلى جانب وزارة الصحة، التي تواصل جهودها في تطهير المستشفيات ومراكز العلاج. وأوقف شيخ الازهر صلاة الجمعة في الازهر، وكافة مساجده، وكذلك الكنيسة. وكانت كورونا سببا في إصدار وزارة التربية والتعليم قرارا بتأجيل الفصل الدراسي الثاني إلى الثلاثين من شهر مايو/أيار المقبل.
وقد أفسدت كورونا احتفالات عيد الأم فلم يقم الأبناء بزيارة أمهاتهم، كما اعتادوا، واكتفوا بالتهنئة عن طريق الهاتف، وإلى ما عندنا..

هل رسب الشعب فعلا؟

ونبدأ من «أخبار اليوم» وهجوم الكاتب هشام عطية على استهتار الناس وعدم التزامهم بالتعليمات فقال: «المصريون حتى الآن لا يدركون مدى قسوة هذا الفيروس الصغير، الذي إذا نال من عزيز لديهم فإنهم لن يستطيعوا حتى الاقتراب منه، وإذا مات فإنهم لن يتمكنوا حتى من دفنه، وإذا فعلوا هلكوا جميعا وأهلكوا من حولهم. المصريون يتغافلون عن أن دولا أوروبية تمتلك بنية صحية أفضل مما لدينا عشرات المرات، انهارت وتركت ضحايا كورونا يموتون صرعى في الشوارع. محنة كورونا كشفت عن حقائق لا تقبل الجدل، إن الدولة في هذا الاختبار نجحت بامتياز في ما رسب كثير من المصريين».

خطوة خطيرة

وهناك في الكنيسة الأرثوذكسية من تحدى الدولة ورأس الكنيسة أيضا، وأشارت إليه في مجلة «روز اليوسف» وفاء وصفي بقولها: «الغريب في الأمر أنه رغم اتخاذ الكنيسة بعض الإجراءات الاحترازية لتقليل التجمعات، حتى أن البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ألقى عظته يوم الأربعاء الماضي، بدون حضور شعبي، وكذلك فعل أيضا الأنبا رفائيل أسقف عام كنائس وسط البلد، فإن الجميع فوجئ بالأنبا يؤانس أسقف أسيوط يعقد اجتماعه الأسبوعي ويذيعه مباشرة على القنوات المسيحية، بحضور المئات من الشعب في خطوة خطيرة لا تصدر من طبيب، يفترض أنه يعي تماما خطورة ذلك، وأنه يعرض الآلاف لخطر حقيقي، في وجود احتمالية أن يكون هناك حامل للمرض، بين كل هذا التجمع. الأنبا يؤانس، أكد للشعب أنهم لو صلوا بإيمان حقيقي لن يصاب أحد بكورونا وجعلهم يرددون، «إذا صلينا من كل قلبنا كورونا مش هتقرب مننا». وطالبت بعض الفئات بفرض عقوبات عليه لمخالفته الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الكنيسة تماشيا مع توجيهات الدولة، مؤكدين على أنه عرض حياة كثيرين لخطر حقيقي، خاصة أن أغلب الحضور كانوا من كبار السن وهم الفئة الأكثر تضررا حال إصابتهم بالفيروس».

دار الإفتاء

ومن المسيحيين إلى المسلمين والهجوم الذي تعرض له وزير الأوقاف الدكتور الشيخ محمد مختار جمعة من ماجد حبتة في «الدستور» الذي أشاد بقرارات الدول الإسلامية ومنها السعودية، التي أغلقت الحرمين، ومع ذلك لم يكتف بعدم الأمر بغلق المساجد، وإنما خطب بنفسه الجمعة في أحدها وقال: «ذكرت دار الإفتاء المصرية في بيان أصدرته الخميس قبل الماضي أن الإسلام أرسى مبادئ الحجر الصحي، وقرر وجوب الأخذ بالإجراءات الوقائية في حالة تفشي الأوبئة. وأكدت دار الإفتاء أن الكوارث الطبيعية والأوبئة تُعد من الأعذار الشرعية التي تبيح تجنب المواطنين حضور صلاة الجماعة والجمعة في المساجد، كما أجازت هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف إيقاف صلوات الجُمع والجماعات حمايةً للناس من فيروس كورونا، وفي بيان طويل أصدرته الأحد الماضي قالت الهيئة إنه «يتعيَّن وجوبًا على المرضى وكبار السن البقاء في منازلهم». ومع ذلك فوجئنا بالدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف يؤدّي بنفسه خطبة الجمعة من مسجد ماسبيرو، لذلك قالت غرفة عمليات وزارة الأوقاف إن «المواطن له رخصة التغيب عن الجمعة من الناحية الشرعية، أما الخطيب فسيعاقَب إذا تخلف عن الحضور»، والأرجح هو أن خطباء الوزارة اعتقدوا أن عقابها سيكون أشد من عقاب الله لو تسببوا في إصابة عشرات ومئات أو آلاف المواطنين بذلك الفيروس القاتل، الذي ليس بعيدًا أو مستبعدًا أن يكون أكثر حرصًا منهم على أداء صلاة الجمعة».

أعمال غير مسؤولة

أما في «الأخبار» فقد شنت الكاتبة عبلة الرويني هجوما عنيفا على وزير الأوقاف وخطبته بقولها عن فوضى المصريين أيضا: « تفاجأنا بما شهدناه يوم الجمعة الماضي في شعائر صلاة الجمعة واحتشاد الناس متلاصقين كتفا بكتف، بدون حذر واجب، وبدا غير مفهوم أبدا قيام وزير الأوقاف نفسه بإلقاء خطبة الجمعة من مسجد ماسبيرو، وسط حشود كبيرة من المصلين، متعمدا أن يبدأ الخطبة بالآية الكريمة، قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله، بدون أدنى مراعاة واجبة للسلامة والحماية، وعدم إلقاء إنفسنا في التهلكة وهو ما اتخذته معظم دول الإسلامية بإيقاف صلاة الجمعة، ومطالبة الناس أن يلتزموا بيوتهم. والملاحظ أيضا أن الكنائس المصرية أيضا مزدحمة بالمصلين بينما في الفاتيكان طالب البابا فرانسيس بإيقاف القداسات. لا مجال أبدا للتهاون بأرواح الناس وسلامتهم».

المطالبة بمحاسبة المسؤولين

قبل أيام، قدمت حكومة مدينة سيول عاصمة كوريا الجنوبية، بلاغا إلى النيابة العامة تتهم فيه زعيم طائفة دينية مسيحية بالقتل العمد، بعد أن أصر على إقامة القداس في كنيسة شينتشونجي، متجاهلا تحذيرات الحكومة ومنظمة الصحة العالمية التي تدعو إلى منع كل أنواع التجمعات حتى لا ينتشر فيروس كورونا، بعد أن سجلت كوريا الجنوبية ما يقرب من 5 آلاف مصاب و30 حالة وفاة بسبب انتشار كورونا، يقول محمد سعد عبد الحفيظ في «الشروق»، جثا مان لي هي، على ركبتيه في مؤتمر صحافي ليعتذر عن الدور الذي لعبه أنصار طائفته في نشر كورونا في البلاد، طالبا الصفح من الشعب. ومع ارتفاع حالات الوفيات بسبب الفيروس، طالب عمدة سول سكان المدينة بالعمل من منازلهم، ودعت الحكومة، النيابة العامة، لاستجواب مان لي، وأحد عشر فردا من طائفته بتهمة القتل لعدم تعاونهم كما ينبغي مع السلطات. ويواجه «لي» وقادة طائفته اتهامات بإخفاء أسماء بعض أعضاء الكنيسة، أثناء محاولة المسؤولين تعقّب المصابين، قبل أن ينتشر الفيروس، والتسبب في ضرر وانتهاك قانون مكافحة الأمراض المعدية. في مصر ورغم الجهود التي تبذلها حكومة مصطفى مدبولي لاحتواء انتشار الفيروس، والتزامها بإرشادات منظمة الصحة العالمية، التي تدعو إلى الحد من التجمعات في أماكن العمل والشوارع، ألا أن أحد وزراء هذه الحكومة، خالف كل ذلك وترك الناس للتجمع في أماكن مغلقة، ما قد يساعد على نشر الفيروس. أصر الدكتور مختار جمعة، وزير الأوقاف، على إقامة صلاة الجمعة في المساجد، بل خطب بنفسه في صلاة الجمعة الماضية، وبلغ به الاستخفاف بالخطر الذي يحيق بالإنسانية كلها بأنه قال في خطبته «الأعمار بيد الله محدش بيموت ناقص عمر». وقال الوزير في خطبته، إن حسن التوكل على الله يفرض علينا الأخذ بالأسباب وليس تعطيلها أو إهمالها، واتباع تعليمات مؤسسات الدولة وطاعة ولي الأمر وأهل الاختصاص في ما يأمرون به، ومع ذلك كان هو أول المخالفين لتعليمات ولي الأمر وأهل الاختصاص. تناسى جمعة القاعدة الفقهية التي توجب إزالة الضرر، والتي لخصها رسولنا الكريم في حديثه «لا ضرر ولا ضرار»، ونسي أيضا أن مقاصد الشريعة ترمي إلى «جلب المصالح ودفع المفاسد». والمعنى الذي يدل عليه حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) بحسب ما فسره أهل العلم: أن الشخص ليس مطلوبا منه أن يضر نفسه، وليس مسموحا له بأن يضر غيره. وفي فتح المساجد أمام المصلين لصلاة الجماعة ضرر، ليس بمن قرر الصلاة في جماعة فقط، بل بالمجتمع كله، فكيف في ظل انتشار وباء لم يصل العلماء إلى لقاح له أو دواء لعلاج آثاره، أن يجتمع كل هذه العدد في مكان مغلق ويسجد بعضهم مكان بعض. ألا يعلم جمعة أنه من الوارد أن يكون أحد من حضر صلاة الجمعة التي اعتلى فيه المنبر يوم الجمعة مصابا، بدون أن يعرف، ألم يطالع فتوى هيئة كبار العلماء في الأزهر التي أجازت منع الجُمع والجماعات في الصلاة، كاجراء احترازي، ألم يأته خبر منع صلاة الجمعة في المملكة العربية السعودية وأغلب الدول العربية. مضى جمعة على طريق أسلافه من مشايخ مصر في عصور الظلام تحت حكم العثمانيين والمماليك قبل مئتي عام، عندما كانوا يعتبرون أن الأوبئة من (كوليرا، وطاعون، وغيرها) ابتلاء من الله، وقضاء وقدر لا فكاك منه، فكانوا يجتمعون في المساجد للدعاء برفع البلاء، وهو ما ساعد على قصف أعمار ما يقرب من نصف المصريين، بسبب الجهل والتواكل وعدم الأخذ بأسباب العلم. نرجو من حكومة مدبولي مساءلة جمعة على الطريقة ذاتها التي ساءلت بها حكومة عاصمة كوريا الجنوبية زعيم الطائفة الدينية، الذي أصر على إقامة القداس، وندعوها أيضا إلى مساءلة أي رجل دين يفتح أبواب الكنائس والأديرة لإقامة الصلاة أو الأنشطة الدينية المسيحية. ويجب أن لا تعفيه أو نعفي غيره من الحساب القرارات التي صدرت، بمنع صلاة الجماعة في المساجد والقداسات في الكنائس، لمواجهة انتشار كورونا. حياة الناس ليست لعبة في يد رجال الدين، وعندما يمنع أهل الاختصاص التجمعات، فعلى الجميع أن يصغي ويطيع، وعلى رأسهم المسؤولون التنفيذيون والدينيون، ومن يخالف فعلى الحكومة أن تحيله للمحاكمة أيا كانت وظيفته أو مكانته».

جيش مصر الأبيض

من بين مهازل كثيرة نشاهدها حولنا، يقول عمرو الشوبكي في «المصري اليوم»، مهزلة بدل العدوى للأطباء في مصر، فلمن لا يعرف فإن المهنة الأولى المعرض أصحابها لانتقال العدوى من المرضى هم الأطباء وطواقم التمريض، ومع ذلك فإن قيمة هذا البدل 19 جنيها (نعم تسعة عشر جنيها لا غير). ورغم المحاولات التي قامت بها نقابة الأطباء، من أجل رفع بدل العدوى، إلا أنها فشلت في تحقيق ذلك، واللافت، كما أكدت جيهان أبوالعلا، المستشارة الإعلامية للنقابة، في رسالة حول موضوع البدل، على أن وزارة الصحة استشكلت على حكم المحكمة الإدارية العليا برفع البدل من 19 جنيها إلى 1000 جنيه، وتجاهلت مطالبات النقابة بزيادة البدل، وآخرها يناير/كانون الثاني الماضي. ومع ظهور وباء كورونا وزيادة حجم المخاطر التي باتت تهدد عمل الأطباء، خاطبت نقابة الأطباء رئيس الجمهورية برسالة تطالب فيها برفع بدل العدوى الهزيل (المسخرة في الحقيقة)، وجاء فيها «إن الأطباء يعتبرون في الصف الأول لمجابهة الفيروس القاتل، وإنهم الأكـــثر عرضــة للعدوى بسبب تواجدهم الحتمي وسط المرضى لرعايتهم، وإنهم يقومون بواجبهم، على الرغم من تعرضهم وأسرهم لمخاطر العدوى المتكررة، التي تصيب البعض منهم بإصابات خطيرة، ويلقى العديد منهم حتفه بسببها». واعتبرت نقابة الأطباء أن «جهد الأطباء لا يقدر بثمن، ولا يمكن لأي أموال أن تعوضهم أو أسرهم عن الإصابة بمرض خطير، أو فقدان الحياة، وأن تقدير الدولة لدورهم من أجل زيادة شعورهم وأسرهم بالأمان والانتماء لتقدير جهدهم». وأشارت إلى أن قيمة بدل العدوى حاليا تتراوح بين 19 و30 جنيها شهريا فقط، وهذه القيمة المتدنية لم تطرأ عليها أي زيادة منذ خمسة وعشرين عاما. المطلوب من الدولة، أن تراجع فورا بدل العدوى الهزيل الذي يحصل عليه الأطباء، خاصة في ظل التحدي الكبير الذي تواجهه البلاد مع وجود فيروس كورونا، ومخاطر انتشاره، وفي الوقت نفسه، فإن شعارات وزارة الصحة عن جيش مصر الأبيض يجب أن لا «تعزلها» عن تفاصيل الواقع الحقيقية، فالوزارة مطالبة بتقديم كشف حساب عن حال المنظومة الصحية في مصر، وحجم النقص في عدد الأسرة في العناية المركزة، وشكل الإجراءات الاستثنائية. واللافت أن نقابة الأطباء هي التي أرسلت إلى الجهات المسؤولة في وزارة الصحة (وليس العكس)، تطالب بضرورة تأكد المستشفيات الجامعية من توفير جميع مستلزمات مكافحة العدوى، وكيفية استخدام الواقيات الشخصية لجميع فئات الفريق الطبي وكل المتعاملين مع الحالات المشتبه فيها والمرضية (قناع عادي- قناع عالي الحماية – قفازات – غطاء رأس- مريلة واقية – نظارة واقية)، لضمان الوقاية لمقدمي الخدمة الصحية، والحد من انتشار الفيروس في داخل المنشآت الطبية حماية للوطن. رفع بدل العدوى في توقيت كورونا ليس استغلالا لظرف صعب، إنما هو جرس إنذار لأوضاع كثيرة خاطئة يجب تصحيحها، ومنها هذا البدل المخجل لأطباء مصر».

نقاط مضيئة وسط عتمة كورونا

أما أكرم القصاص في «اليوم السابع» فيقول: «هناك عدة نقاط مضيئة في التعامل المصري مع فيروس كورونا، يلتقطه أي شخص طبيعي، حتى هؤلاء الذين يحملون دائما انتقادات أو يطلبون أكثر. هناك شكل ومضمون لإدارة الأزمة، واضح أنه يقوم على تخطيط علمي وآراء المتخصصين والخبراء، هناك تعامل علمي ترجمته قرارات وخطوات تبدو محسوبة، وباستثناء تأخر بعض الجهات التنفيذية في اتخاذ قرارات، في ما يتعلق بالتجمعات الدينية والصلوات في المساجد والكنائس، وهناك أيضا مقاومة وتعامل باستهتار مع قرارات غلق المحلات والمقاهي، البعض يتعامل باستهتار ربما تكون له آثار سلبية. والواقع أن قرارات المنع والحظر تتطلب الكثير من الصبر والحسم، والتعامل السياسي والتدرج. أمامنا أيضا منظومة صحية حكومية نجحت حتى الآن في التعامل مع الفيروس، بشكل احترافي، يسير على بروتوكولات منظمة الصحة العالمية، هزمت بسرعة شائعات وادعاءات، حاول بعضها إشاعة الرعب، ومزاعم بأرقام اتضح خطؤها وكانت الشفافية مهمة في هذا السياق، النتائج حتى الآن مطمئنة، لكنها تحتاج المزيد من التعاون من المواطنين. والأمر نفسه في ما يتعلق بآلاف الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات، وكل من فرضت عليه طبيعة عمله البقاء لأسابيع تحت حصار الفيروس، والابتعاد عن أهله وأسرته. حتى الآن أثبتت المنظومة الصحية الحكومية أنها في الصدارة بالفعل، ولم تدخل المستشفيات الخاصة في المنظومة حتى الآن، ويفترض أن تكون خطة المواجهة شاملة لإدخال المؤسسات الخاصة في العملية، حال ـ لا قدر الله ـ تضاعفت الحالات أو العدوى، لأنه لا يعقل أن تبقي هذه المؤسسات الخاصة خارج سياق المواجهة مع فيروس لا يفرق بين الناس لثرائهم، وهذه المستشفيات الخاصة يفترض أن تدخل ضمن الاستعدادات في حال كانت هناك حاجة لذلك نحن لا نقول أن نظامنا الطبي مثالي، لكنه ليس بالسوء الذي يحاول بعض محترفي «الدونية» تصديره وأبناؤنا وإخوتنا من الهيئات الطبية والتمريض، يقومون بدور مهم، ولاتزال خطة وزارة الصحة حتى الآن فعالة، خاصة المستشفيات العامة والمركزية والحميات ومستشفيات العزل، وهذه الهيئات تستحق أن يتم النظر إليهم بوصفهم خطوط دفاع أولى، وقد تكون هناك حاجة بالفعل لرفع بدلات العدوى لهذه الهيئات، وأيضا لآلاف العمال في النظافة، وغيرها ممن يضطرون يوميا لمتابعة عملهم في رفع القمامة وتنظيف الشوارع والمنازل. لقد كانت هناك مخاوف من ضعف المنظومة الصحية العامة في مصر، ولاتزال هناك مقارنات رقمية تقول إن إيطاليا مثلا فيها 8 أطباء لكل ألف نسمة، بينما في مصر 2 طبيب لكل ألف نسمة، ومع هذا فقدت المنظومة الصحية الإيطالية السيطرة، بسبب عدم التزام الإيطاليين بتحذيرات منع الاختلاط والخروج، وهي حالات الاستهتار نفسها، التي نراها في بعض شوارعنا، فضلا عن أن حوالي 29٪ من الإيطاليين فوق سن الـ60، وهو ما يصعب الأمر. وفي الوقت نفسه، يستحق الشكر كل من شارك في رسم هذه المنظومة، سواء في الحكومة أو وزارة الصحة أو الإدارات الصحية، وهي جهود جيدة تحتاج لأن نبني عليها، ونكون مستعدين لمضاعفة ميزانيات الصحة ومعها طبعا البحث العلمي، فهما أدوات التقدم والمواجهة. هناك مواطنون تجبرهم ظروف عملهم على الخروج، من العاملين في طوارئ الكهرباء والمياه والصرف والصحافيين وعمال النظافة، وفي الصدارة الأطباء والممرضون، ورجال الشرطة الذين يحاولون ضبط قرارات الإبقاء في المنازل، وطبعا رجال القوات المسلحة والحرب الكيميائية، الذين يقومون بدور بطولي في تطهير المؤسسات والجامعات والشوارع بشكل مستمر. وهؤلاء مضطرون لكن هناك أعدادا من المواطنين يفترض أن يستمعوا للنصائح والتحذيرات، ويبقوا في منازلهم، ويتبعوا إجراءات الوقاية والنظافة حتى يمكن تخطي أزمة تضرب كل دول العالم.

نظام المحتسب

«مع موجات الغلاء التي صنعها كل جشِع من التجار.. وأيضاً مع عجز القوانين عن ردع هؤلاء، وبسبب طول فترة التقاضي، بات أمر إعادة نظام المحتسب أمراً ملحاً وضرورياً، كما يؤكد على ذلك عباس الطرابيلي في «الوفد»، إذ أن أي شكوى من استغلال البعض للظروف الحالية، شكوى للشرطة، أو للنيابة، وحتى لجهاز حماية المستهلك، ثم التحقيقات والمحاكمات، هذه كلها تطول مدتها.. وربما تنتهي المشكلة قبل أن تنتهي هذه التحقيقات، وتلك المحاكمات، هنا لا بد من إجراءات فورية ورادعة. وهنا نعيد الحياة إلى نظام مفتشي التموين، وأيضاً إلى شرطة التموين، ما دام جهاز حماية المستهلك نائماً في العسل. أم تقول لنا وزارة التموين إن مصر ملتزمة باتفاقيات الجات وحرية التجارة، وإذا كان البعض يطالب بمحاكمات عسكرية عاجلة وفورية، فإن الأفضل أن نعيد نظام المحتسب الذي عرفناه من أيام الخلفاء الراشدين – والخليفة الثاني عمر بن الخطاب – وبه استطاعت الدولة مقاومة التجار الجشعين، أو المتلاعبين بالموازين والمكاييل.. فالعقوبة فورية، وربما يتم تنفيذها في الأسواق نفسها، لتكون رادعة. والمحتسب كان يجمع – في يديه – سلطة مراقبة الأسواق من خلال رجاله المنتشرين في الأسواق، ثم يعقد وفوراً جلسات المحاكمة، وفي الحال وتصدر الأحكام ويتم تنفيذها فوراً. لهذا كان المحتسب يجمع في يديه بين سلطات وزير التموين ووزير الداخلية، ووزير العدل، وأيضاً سلطة جهاز تنفيذ الأحكام، وكان كبير التجار يحضر هذه المحاكمات، وكانت الأحكام تبدأ بالإنذار، ثم مصادرة السلعة، ويتولى المحتسب وكبير التجار الإشراف على عرضها في الأسواق بالسعر العادي.. وعند «العود» أي ارتكاب التاجر الجريمة نفسها مرة أخرى، هنا تتم عملية التجريس، أي يتم وضعه على ظهر حمار أو بغل ويمسك بذيل الحمار.. ويطوف محروساً، في الأسواق وشوارع المدينة، والمنادي يكشف الجريمة التي ارتكبها.. وحوله الأطفال والصبية يهتفون – مع دقات الطبول- ليفضحوا التاجر، بينما رجال المحتسب يضعون لافتة كبيرة على المحل الذي شهد واقعة جريمة هذا التاجر.. وهذا كله وبالطبع عملية «التجريس» بالطبل والزمر البلدي، لإعلام الناس أي جريمة ارتكبها هذا التاجر، وبذلك يتعرض هذا التاجر لهروب الناس، من التعامل معه.. فتبور تجارته. إن أقسى ما ينزل بهذا التاجر هو ابتعاد الناس عن الشراء منه، ولكن هل يتم ردع الجشع بحرمانه من الزبائن؟ أم يمكن أن تمتد العقوبة إلى مصادرة أموال التاجر وإيداعها، إما في الخزانة العامة أو أعمال الخير، كنوع من التبرعات أو الزكاة. وما دمنا في حالة حرب بسبب كورونا، فلماذا لا نستخدم القضاء العسكري لسرعته في الردع لنحمي الناس من جرائم كل الجشعين».

مطالبات بالإفراج

وإلى السجون وازدياد المطالبة بالإفراج عن المسجونين السياسيين والمحتجزين على ذمة التحقيقات، وهو ما دعا محمد السيد صالح في «المصري اليوم» للمشاركة في المطالبة به بقوله: «لقد بحثت طوال الأسبوع الماضي، لكي أوثق الأرقام والمعلومات التي سأقدمها إليكم عن واقع السجون في مصر. صعوبة الأمر أن قيادات وزارتي العدل والداخلية، ورغم تواصلهم اليومي مع الرأي العام، لا يتوقفون طويلا عند بيانات السجون، رغم أهمية الأمر محليا ودوليا. في مصر 68 سجنا مركزيا- وفقا لأرقام وإحصاءات 2019 المركز الدولي لدراسات السجون نشر قبل عامين أن مصر فيها نحو 62 ألف سجين، أما النائب علاء عابد رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب، فقال في حوار صحافي مع جريدة «الوطن» في 20 يناير/كانون الثاني 2018 أن لدينا في السجون المصرية 65 ألف سجين، بينهم ما بين 25 إلى 30 ألف محبوس احتياطيا. أما التقرير الوطني الأخير الذي تقدمت به الحكومة، خلال آلية المراجعة الدولية أمام مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، فأكد على أن رئيس الجمهورية، استخدم حقه المقرر بمقتضى المادة 155 من الدستور، في العفو عن بعض العقوبات، وأطلق سراح 56 ألف سجين، بموجب عفو رئاسي. هذا ملخص لما استطعت الوصول إليه. لا أرقام آنية عن المحبوسين احتياطيا، أو المسجونين الجنائيين، ولكن هناك دلائل على اهتمام قوي بالملف، يبدأ من رئيس الجمهورية شخصيا، وذلك بتحسين واقع السجون والمسجونين إنسانيا وحقوقيا، ومعلوم أن انتقادات هائلة كانت توجه لمصر على مدار عقود حكم مبارك، في ما يتعلق بالمسجونين سياسيا، وكل المعتقلين، ثم عادت هذه الانتقادات لتتزايد مؤخرا حول استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة مستقلة ضد الخصوم السياسيين، كما ظهرت شكاوى متواترة عن سوء معاملة نسبة كبيرة من المسجونين، على ذمم قضايا سياسية. الاقتراحات والمناشدات التي أشرت إليها في بداية المقال تكررت أمامي على عشرات المواقع الشخصية، لسياسيين وصحافيين وحقوقيين، قرأتها في بيانات لتجمع 25/ 30 البرلماني، ومن المفوضية المصرية لحقوق الإنسان ومن النائبة نادية هنري ومن ناصر أمين عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان وآخرين. وهنا ألخص ما جاء في هذه البيانات: مناشدة النائب العام بإطلاق سراح المحبوسين احتياطيا، مع تفعيل الإجراءات الاحترازية عند الضرورة، إصدار عفو صحي للمرضى وكبار السن، إغلاق ملف سجناء الرأي تماما بتحريك قضاياهم المعلقة. وتزيد النائبة نادية هنري على ذلك بمناشدتها للسيد الرئيس بالإفراج عن كل الغارمات. علينا أن نشجع كل هذه المطالبات والمناشدات ونبرزها، ما أروع أن نتفاعل مع الأفكار البناءة من عقول مصرية مخلصة، فذلك أفضل ألف مرة من أن تأتي داخل إملاءات دعايات السلبية، أتمنى قرارا مصريا ناجزا وسريعا في هذا الملف الذي يحتاج كل السرعة والحسم».

بادرة طيبة

أما الدكتور أسامة الغزالي حرب في «الأهرام» فقد عبّر عن سروره بقرار الرئيس الإفراج عن مسجونين سياسيين فقال: «القرار الذي صدر يوم الخميس الماضي باخلاء سبيل خمسة عشر من الناشطين السياسيين البارزين، وعلى رأسهم الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، و14 معتقلا آخرين- أشهرهم حازم عبد العظيم وشادي الغزالي حرب- حرك المياه الراكدة في الحياة السياسية المصرية، وتقبله البعض بقبول حسن، مؤكدين على أنه بادرة طيبة من النظام، في ظل أوضاع عصيبة تمرّ بها البلاد، بعد الفزع الذي تسبب فيه فيروس كورونا. أسر المفرج عنهم أبدت سعادتها بعد الإعلان عن القرار السعيد، داعية الله أن يتم نعمته عليهم وعلى ذويهم. فاطمة هشام مراد زوجة شادي الغزالي حرب، أحد الذين تم إخلاء سبيلهم، كتبت في حسابها على الفيسبوك داعية: «يا رب يا رب كملها على خير يا رب، قرار اخلاء سبيل شادي لكنه لسة مترحلش ومعنديش أخبار زيادة للأسف يا رب». الفقيه الدستوري الشهير نور فرحات رحب بقرار إخلاء السبيل وكتب معلقا: «خالص التهاني للسياسيين المفرج عنهم، نرجو أن يتبع ذلك الإفراج عن كل سجناء الرأي، الذين يدفعون ثمن الكلمة والموقف، كبداية لانفراج سياسي وتصالح مع شركاء الوطن، الذين لم يتورطوا في عنف». في السياق ذاته تساءل عدد من الناشطين عن الموقف من المعتقلين الإسلاميين والمتعاطفين معهم وهل ستطالهم قرارات إخلاء السبيل؟ أم سيبقون في غياهب السجون إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا؟».

خريطة للتحرك

«مؤخرا أنهي سامح شكري، وزير الخارجية، جولته الافريقية في سبع من دول القارة السمراء، وكانت المحطة الأخيرة في النيجر، ونقلت صحف الصباح، كما أخبرنا عنها سليمان جودة في «المصري اليوم»، صورة الوزير وهو يسلم رسالة الرئيس إلى محمد إيسوفو، رئيس البلاد هناك. وكان القاسم المشترك في أحاديث الجولة من أولها إلى آخرها هو سد النهضة، وما يربطنا بالنيجر أنها افريقية مثلنا، وأن الدم الإفريقي يجري في شرايين مواطنيها، كما يجري في شرايين كل واحد منا بالضرورة، وأنها على جوار مباشر مع ليبيا، وأن عاصمتها تتمتع بالعضوية في الاتحاد الافريقي شأنها شأن القاهرة. ومن قبل النيجر كان الوزير في تنزانيا، التي يربطنا بها ما هو أقوى، رغم بُعدها الجغرافي عنا.. فما يجمعنا بها هو ذاته ما يجمعنا بالنيجر تقريباً، ويزيد عليه أنها دولة من دول حوض النيل الإحدى عشرة، ولأن تنزانيا دولة من دول الحوض، فإنني توقعت منها رد فعل مختلفاً في ملف السد، ولكنني توقفت أمام حديث وزير خارجيتها عن «تقديره لمرونة الموقف المصري» في المفاوضات التي جرت في الملف، وصولاً إلى اتفاق يحقق مصالح الدول الثلاث: مصر والسودان وإثيوبيا.. وهذا لا شك موقف تنزاني مشكور، إلا أنه موقف شديد التحفظ، عندما تتطلع إليه من زاوية الرابطة التي تربطنا بهم.. أقصد رابطة دول الحوض التي تضع على كل دولة منها مسؤولية تجاه الدول العشر الأخرى، وبعبارة أوضح، فإن المنتظر من دولة مثل تنزانيا، لم يكن مجرد التقدير للمرونة المصرية، لأن تقديراً كهذا يظل في ظني تحصيل حاصل، ولأن ما كنت أنتظره وما كان ينتظره كل مصري معي، أن تعلن الخارجية التنزانية رفضها التعنت الإثيوبي، بشكل واضح لا ينطوي على غموض، ولا يحاول التوازن في قضية لا تحتمل بطبيعتها التوازن الحيادي من هذا النوع. إن الهدف من الجولة الافريقية لشكري، ومن قبلها الجولة الأوروبية، ومن قبلهما الجولة العربية، ليس مجرد امتداح موقفنا الذي التزم «صبراً استراتيجياً» يميز الإيرانيين وحدهم عن سواهم، ولكن الهدف هو تعرية الموقف الإثيوبي، الذي تعامل مع جولة المفاوضات الأخيرة في واشنطن، بقدر من الصلف والعجرفة، غير مسبوق، ومما يؤسف له أن صخب كورونا قد غطى على أنباء جولة الوزير في 16 عاصمة، رغم أن كورونا سوف يرحل ذات صباح، ورغم أن النيل بقي في حياتنا وسوف يبقى.. ولا بد أن شكري قد عاد من رحلته الممتدة، وفي جيبه «تقدير موقف» سوف يمثل خريطة للتحرك مستقبلاً في هذه القضية، التي هي قضية مصير في أي معيار».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية