يبدو لمن يقرأ قصيدة «في انتظار البرابرة»، لقسطنطين كافافي، أن الصورة والمعاني فيها تتصادى، بأكثر من طريقة، مع عناصر الغرابة في المشهد المهيب المفاجئ لسقوط نظام آل الأسد. تصوّر القصيدة حال امبراطورية واقعة في أزمة عميقة، إلى درجة أن خبر اقتراب هجوم «برابرة» على حدودها يفتح أملا بالتغيير لجميع سكانها.
يتوقف أعضاء مجلس الشيوخ عن سنّ القوانين «لأن البرابرة سيسنّون القوانين»، ويتكلل الامبراطور بتاجه ويجلس عند «البوابة الكبرى للمدينة» لتوجيه خطبة يخلع فيها أوسمة وألقابا على قائد البرابرة، ويرتدي القنصلان الرئيسيان ملابس حمراء مزركشة وأساور وخواتم زمرد لامعة، لأن «أشياء كهذه تدهش البرابرة»!، ويختفي الخطباء المفوّهون، لأن البرابرة «تسئمهم البلاغة والخطب».
ماذا سيحصل لنا من دون برابرة؟
بعد هذا التحضير الكبير للحدث الذي سيطيح عمليا بالمدينة، تعبس وجوه الناس ويكتئبون وتخلو الشوارع والساحات ويعود الجميع إلى دورهم غارقين في التفكير «لأن الليل هبط، ولم يأت البرابرة/ ولأن رجالنا الذين قدموا من الحدود/ وقالوا إنه ليس ثمة برابرة». يختتم كافافي قصيدته الرائعة بجملة «والآن.. ماذا سيحصل لنا من دون برابرة؟ لقد كان هؤلاء نوعا من الحل»!
تمثّل القصيدة التي كتبها كافافي عام 1898، مثالا بديعا للحفر التاريخي الذي ينطلق من العصور القديمة، ليعيد سبر وقائع الحاضر بعمق فلسفي، وكان لهذه القصيدة جاذبية كبيرة واقتباسات في أعمال أخرى، أهمها رواية بالعنوان نفسه للكاتب الجنوب افريقي جون كويتزي، قدّمت أيضا كفيلم سينمائي، وأعمال عديدة أخرى. تخبئ القصيدة، كما مجمل أعمال كافافي ألغازا ثقافية، تشبه علاقته الوجودية بالتراث الإغريقي القديم، فرغم أن والديه يونانيّا اللغة وأرثوذكسيا الدين، فهما تركيّان بالمولد، ومصريان بالإقامة، حيث هاجرا من إسطنبول إلى الإسكندرية عام 1845، وتنقل كافافي، مع عائلته (ووفاة أبيه)، عدة مرات مجيئا وعودة، من بريطانيا وتركيا، إلى مصر، ليبقى فيها موظفا في وزارة الري 34 عاما.
سلفيّون وأكراد ودروز!
يقدّم سقوط نظام بشار الأسد، يوم الأحد الماضي، في رأيي، مشهدا سياسيا – عسكريا غرائبيا شبيها بوضع تلك الإمبراطورية التي وصفها كافافي وهي تنتظر «البرابرة» ليحلّوا أزمتها الشاملة. قامت «فصائل المعارضة»، ذات الطابع الإسلامي السلفي، بالانطلاق من محافظة إدلب شمال سوريا، مخترقة، بشكل مذهل وبسرعة هائلة، مدنا مليئة بالكليات الحربية والمطارات العسكرية ومصانع الأسلحة ومقارّ المخابرات، فاحتلّت حلب، التي استغرقت النظام وحليفيه الروسي والإيراني 4 سنوات لاسترجاعها من المعارضة، خلال أيام، ثم دخلت حماة، المدينة الاستراتيجية جغرافيا، وذات الثقل الرمزي التاريخي للسوريين، وفيها مقرات عسكرية وأمنية حساسة، مثل مطارها العسكري، ومدرسة المجنزرات، وفرع الأمن العسكري، وألوية عسكرية ومدارس تدريبية، فحمص التي فيها أيضا بنى تحتية عسكرية كبرى، مثل المدرسة الحربية ومدرسة المشاة، كما أن فيها أحياء تضم حاضنة اجتماعية موالية للنظام مثل حي الزهراء. في الوقت نفسه كانت فصائل متنوعة المشارب قد سيطرت على جنوب البلاد، الذي يتألف من ثلاث محافظات فيها مواقع فرق وألوية ومرافق عسكرية كبيرة، وكان ضمن الفصائل التي تتأهب للهجوم على العاصمة، مقاتلون من طائفة الموحدين الدروز، الذين كانوا يواصلون احتجاجات شعبية منذ عام 2022.
كانت وراثة الأسد الابن للسلطة عام 2000، تطبيقا للمقولة التي كان يرددها طلاب سوريا كل يوم: «قائدنا إلى الأبد، حافظ الأسد»، لكنها كانت أيضا أحد أسباب الأزمة الكبرى التي ستحيق بالنظام. ورث الابن أيضا نزعة العداء الوجودية للسوريين، التي هي أقرب لعلاقة المحتل أو المستوطن بالسكان الأصليين لبلد. كانت مجزرة حماة نموذجا تطبيقيا وحشيا لتلك العلاقة في زمن الأسد الأب، وسيطور الابن هذا العنصر من إرثه مع احتجاجات 2011 الشعبية، ليصل بها إلى ذروة كبرى من التغوّل بين طغمة حاكمة وشعبها.
تمثال من الملح!
أدخلت هذه الحرب المفتوحة على السوريين البلاد في أزمة شاملة، بعد إخضاع السكان لإبادة وتطهير عرقي وتهجير غير مسبوق في تاريخ العالم الحديث. تقلّصت جغرافيا الدولة السورية، وتقسّمت البلاد بين بنى سياسية وعسكرية متعددة الولاءات والتبعيات، ودخلت الجيوش والميليشيات الأجنبية سوريا وسيطرت على مواردها الرئيسية، وتدمّر بنى الاجتماع والاقتصاد، وتعرّض الحكم لعقوبات دولية، وعزلة سياسية كبيرة، وأفقر السكان، وتحوّل النظام إلى ثقب عطالة أسود يمنع الضوء والحركة والمعنى، بحيث صار سقوطه هو حلّ لكل الأطراف… وهذا ينقلنا إلى لحظة الانهيار، حيث تسابقت مشاورات في قطر، للدول النافذة في سوريا، لإعطاء شريان حياة لنظام الأسد، مع زحف قوات الشمال والجنوب وداخل دمشق، وفي تلك الأثناء كان القادة وكبار الضباط وحتى الحواضن الاجتماعية للنظام تهرب من دمشق.
كانت المدن تتحرّر بسرعة، لأن فيها ثوارا سبق للنظام أن قمعهم سابقا، أو موالين أفقرهم النظام فما عادوا راغبين بالدفاع عنه، وما كان «البرابرة» يرغبون في تسوية مع الامبراطور يعدهم فيها بالألقاب والأوسمة، أو باستلام مناصب وزارية، أما قادة النظام وضباطه الكبار فأدركوا أن العائلة الحاكمة تتفاوض على تفاصيل الهروب وليس البقاء، وأن الطائرة التي ستقلّ الرئيس وحاشيته الصغيرة ستترك المسؤولين الكبار وراءها. وحين بادر مقاتلو المعارضة من دمشق، وأوائل القادمين من الجنوب والشمال، استطلاع «البوابات» الكبيرة للعاصمة المحميّة بالأبنية العسكرية والأمنية المحصّنة بالمدافع والصواريخ والدبابات والقناصات، والأجهزة القمعية التي روّعت البلاد، والبلدان العربية المجاورة، لأكثر من نصف قرن، اكتشفوا أن النظام صار تمثالا من الملح الهش، وأن رئيسه، وقادة دولته المرعبين، قد لاذوا بالفرار!
في هذه المرّة، قام السوريون بتقديم ترجمة مختلفة لقصيدة كافافي، فجاء «البرابرة» فعلا، وتجاوزوا الامبراطور المكلل بتاجه، والقناصل ذوي الصولجانات وخواتم الزمرد، وأخذوا كافافي معهم إلى «قصر المهاجرين»، الذي تركه الأسد ليقدّم «لجوءا إنسانيا» في روسيا!
كاتب من أسرة «القدس العربي»