برامج استقطاب الجمهور بـ(الاستفزاز): عن التحرّر الجنسي في بلاد لم تذق طعم الحداثة

حجم الخط
4

يعرف تماماً القائمون على (معظم) التلفزيونات اللبنانيّة بأنّهم يتنافسون في سوق ضيقة، وأن الطريق لاستقطاب الجمهور إلى شاشاتها، وهي المنحازة أبداً سياسياً وطائفيّاً، لا يمرّ بالموضوعيّة المهنيّة، أو الطرح المتوازن كما ينبغي لأي وسيلة إعلاميّة محترمة، بل بمُطلق (الاستفزاز): أي من خلال تقديم مقاربات فجّة، تتسم بفجور العداوة، أو تجزيئ الحقائق أو – بالطبع – التوظيف المخلّ لبضاعة (الجنس) تجارة كل من لا تجارة له.
ولعل أحدث مثال على تلك البرامج الحواريّة التي أتقنت اللعب على أوتار الاستفزاز ويعرض على إحدى القنوات اللبنانية تحت اسم (فوق الـ 18) وفيه تستضيف المحاورة عديد الشخصيات للتداول في مسائل اجتماعيّة تدور معظمها في فضاء (الجنس) أو تجلس في ظلّه، ودائماً في إطار تبريري يقوم على مفهوم الحريّة الشخصيّة المحض على النسق الليبرالي ما بعد الحداثي، وأفكار المحاورة الذاتيّة حول الصواب أو الخطأ. وهي تنجح دائماً في إثارة الاستفزاز عبر التمسّك بتقديم النماذج الشاذة والاستثناء في المجتمع وطرح آراء مسرفة في تطرفها من ضيوف غالبهم عديم التّأهيل، وتتضمن دعماً مباشراً أو مبطناً لتحرر الأفراد الجنسي بكافة أشكاله وصولاً إلى حدود التفاهة أحياناً.
ولا شكّ، في أن أيّ محاولة إعلاميّة تستهدف نقد الظواهر الاجتماعيّة المتخلفة – العديدة في مجتمعاتنا – وكسر ربقة البطريركيات التي تمسك برقاب ناسنا خدمة لأنساق السلطة القائمة أمر محمود يصنّف في خانة التنوير والطليعيّة والشجاعة الأدبيّة ويستحق الاحتفال والتأييد. لكن ما يقوم به (فوق الـ 18 ) – وأقرانه من برامج التراند السائدة – لا يمكن بأي حال هضمه في ذلك الاتجاه مهما صفت النيّات وحسنت التوقعات: لا على صعيد الشكل المحض، ولا في حسابات المضمون.
من يُنَظّر على من؟
تغرف التلفزيونات اللبنانية – كما شاشات عديدة عبر الفضاء العربي – أفكار برامجها، بلا تحفّظ ولا تصرّف غالباً، من شاشات غربيّة وأجنبيّة. وفي تلك البرامج المماثلة لـ (فوق 18 ) يُستدعى عادة ضيوف متعددو المشارب ذوو صفة تمثيليّة ما ترتبط بموضوع الحلقة، لمناقشة قضيّة (حساسة) تمس ثقافة مجتمع محدد – مرتبط بسياق تاريخي وسياسي واجتماعي معين – وتقديم مروحة من وجهات النّظر، المتناقضة غالباً، بشأنها.
الصيغة الملبنَنة من تلك البرامج – أو المعربنة أحياناً -، تقوم بجراحة استئصال ونقل لذات الأفكار المتداولة في النسخ الأجنبيّة ومن ثمّ زرعها في فضاء مجتمعات لمّا تستكمل عبورها بعد من المزاج القروسطيّ، ولم تعرف معنى الحداثة – سوى بقشورها الماديّة، ولا الطعم الحقيقّي للحريّات، فيما يتم تصعيد ضيوف لطرح وجهات نظر معظمهم بلا تأهيل حقيقي، ورصيدهم يكاد يقتصر على تواجد رثّ على ناصية من نواصي مواقع التواصل الاجتماعيّ أو مفرق من مفارق عالم التّفاهة المتمدد في أزقة إعلامنا الرديء.
لكن دعك من الشكل، فهذه التلفزيونات المحسوبة دائماً على مراكز قوى ونفوذ طبقيّ وطائفيّ وسياسي لن تُعنى حتماً باستضافة مثقفين حقيقيين، أو خبراء متخصصين، أو حتى أشخاصاً متوازنين للاستماع إلى آرائهم ببساطة لأنهم لن يخدموا نظريّة استقطاب الجمهور بالاستفزاز، وقد تتعارض طروحاتهم في وقت ما مع التموضع الذي يريد القائمون على تلفزيون معين الالتصاق به. فماذا عن المضمون؟

تقمّص مشاكل الغرب، وديكتاتوريّة المنطق النيوليبرالي

أنتجت الرأسماليّة النيوليبراليّة المتأخرة السائدة في الغرب فيما أنتجت مناخاً من الاضمحلال الأخلاقي تمظهر وجوهاً كثيرة من تفشي التّهتّك الجنسي، إلى تفكك العلاقات العائليّة وانكماش مؤسسة الزواج وانتشار الطلاق إلى تضاعف أعداد الأفراد الذين يعيشون وحيدين، وانتشار مواقع التعارف والعلاقات الجنسيّة العابرة عبر تطبيقات الأنترنت وتجارة الأجساد وغيرها توازياً مع هيمنة أفكار الحريّة الشخصيّة (الفرديّة المحض) بالمفهوم المابعد حداثي – المتفلت من أيّة قيود والميّال إلى قبول أيّ تنويعات مهما تطرفت وشذّت -، وسيطرة النّزعات الاستهلاكية على سلوك الأكثريّات.
أقل إلمام بأوضاع المجتمعات الغربيّة يدفع لملاحظة التأثير المتزايد لمنتجات الثقافة الشعبية (التي تنتجها النخب حصراً) – ومنها البرامج التلفزيونيّة ووسائل التواصل الاجتماعي وتجارة العلاج السيكولوجي وأيضاً الرأسمالية الاستهلاكية على شعور الأفراد بالاغتراب والوحدة والحيرة والتشتت وغموض الهويات الجنسيّة وفقدان الإشباع وقصر مدّة الارتباطات التي تغلب على العلاقات العاطفيّة المعاصرة لتشكلّ ظاهرة عريضة معقدة أصبحت لا تهدد الصحة العقليّة للأفراد فحسب، وإنّما تؤثر سلباً على قدرة المجتمعات والدّول عموماً على تجديد ذاتها وتطوير اقتصاداتها وتوفير مستويات كريمة من رعاية الأجيال الأكبر سناً، والتماسك في مواجهة استحقاقات هائلة على صعيد المناخ والبيئة والأوبئة والصراعات السياسيّة والتنافس الاقتصادي. ومع ذلك، فإن تلك الظاهرة ابنة تاريخيّة للاتجاهات التي أخذت بزمام تلك المجتمعات ونتيجة متوقعة ربما لانتقالها التراكميّ من عصر ثقافة الحداثة والحريّات الليبراليّة (الأوروبيّة) إلى زمن ما بعد الحداثة والنيوليبراليّة (الأمريكيّة).
جريمة التسطيح التي ترتكبها برامج (الاستفزاز) اللبنانيّة تتلخص في أنهّا تحاكي مشاكل عويصة نتجت عن نسق تاريخي واجتماعي معيّن غريب عن بيئتنا وتطورنا الاجتماعيّ، وتنقلها دون تمحيص – وسوء فهم أحياناً – إلى مجتمعات لمّا تستكمل مقومات الحداثة بعد وتغرق في ألف مسألة ومسألة من التحديات البنيوية لتحصيل الأساسيّات قبل أن تمتلك رفاهيّة التنظير للحريّة الفرديّة المتطرفة في عرض الأجساد أو الحصول على المتع الحسيّة.

ليست جرائم ثقافيّة، بل وإذلال طبقي
ّ
ولكيلا نظلّ في إطار التنظير المجرّد، فلنأخذ مثالاً من حلقة (فوق الـ 18 ) التي عرضت هذا الأسبوع. الموضوع جراحات التجميل، والغاية المعلنة هي (تنوير) الأمّة حول المخاطر التي قد تترتب عليها. ولمناقشة القضيّة الحاسمة – في وقت أشرف فيه ثلاثة أرباع المجتمع اللبناني على الجوع بعدما انهارت الطبقة الوسطى تماماً والتحقت بركب الفقراء والمعدمين – جمعت المحاورة ثلّة من الشخصيّات المتورطة لأبعد من أجسادها الحقيقية بالتجميل وتغيير الخلقة، من إعلامية عربية مشهورة تقف لتستعرض للجمهور ما فعلته يد الجراحين بمؤخرتها، إلى شاب (ذكر) بذل الغالي والرخيص في العملّيات التجميليّة للوصول إلى الشكل الأنثوي المثالي.
والنتيجة التي خلُصنا إليها: أن (جراحة) التجميل حريّة شخصيّة تامّة، ومتطلّب أساس للظهور في المجتمع المعاصر، وأن الخلل الممكن يحدث في نطاق (الاسترخاص) فحسب، وأنّ النماذج التي استعرضت تجاربها المقيتة والشاذة أمام الجمهور أيقونات لممارسة تلك الحريّات الفرديّة وقبول مختلف الآراء.
ربّما كانت المعايير والنصوص والرموز التي أذن بها الدّين ومجتمع النخبة التي ما زالت تهيمن على بلادنا نسقاً من سلطة أبوية بطريركيّة، لكنها كانت مع ذلك مساراً يوجّه الشباب في اتجاه ممارسات المغازلة والغراميّات في نطاق الخيارات التي تؤدي غالباً إلى الزواج وتكوين الأسرة، التي تظلّ في غياب شبكات الأمن الاجتماعي وهشاشة الدول الوظيفيّة الحاليّة ضمانة أكيدة نهائيّة لاستمراريّة التضامن الوطني ومنع السقوط في التوحش. لكن أن تقوم الوسائل الإعلاميّة عديمة المسؤوليّة بدفع أبناء هذه البلاد المنكوبة بواقعها إلى التفكير في ذواتهم والجنس الآخر كسلع في سوق على النسق الغربيّ فتلك لعمري جريمة ثقافيّة تتحالف فيها ضمنياً مع شركات الأزياء وصناعة جراحة التجميل ومنتجي المستحضرات وتجار المواد الإباحية لتحويل (الرّغبة الجنسيّة) إلى أداء مرئي مسطّح. عند هؤلاء فإن عرض الأجساد المثيرة – ولا سيما النساء – من أجل الربح أمرٌ مقبول في مجال الإعلان وأماكن العمل، وغدت مساحة الترويج والترفيه والسياحة التجميلية والجنسيّة مكوناً أساسياً من هيكليّة الاقتصاد اللبناني.
لكن الأمر لا يقتصر على هذه الجرائم الثقافيّة، إذ أن طرح مثل هذه البرامج (الاستفزازيّة) على التلفزيونات تروّج لصيغ مستوردة من العلاقات العاطفيّة الأقرب لتسوق المواد الاستهلاكيّة سريعة الدّوران ويخلق جواً من عدم الالتزام وغياب الاستقرار والخيانة يؤدي إلى الاستغلال الجنسي للنساء وتشيئيهن، وإذلال الأقل حظاً جمالياّ وطبقيّاً – الفقيرات- منهن في سوق العرض والطلب القاسية والمتطلبّة هذه، في وقت ما زالت فيه المرأة تحديداً واللبنانيّة قبل الأخريات ضحية تخلّف اجتماعيّ واقتصاديّ وحقوقي.

 إعلامية وكاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية