مكان بميزات خاصة تعاون في تحقيقه وإدارته عاشقون للحمرا وبيئة راس بيروت
بيروت ـ «القدس العربي»: سعياً إلى تفسير لكلمة برزخ في اللغة العربية وجدت أنه «الحائل بين الشيئين» أو «الحاجز بين الشيئين». وفي تفسير للكلمة من خلال علماء البحار ورد أنه حاجز يقوم بين كل بحرين ويتحرّك بينهما ويُعرف بـ«الجبهة» تشبيهاً بالجبهة التي تفصل بين جيشين. وفي مهمات «الجبهة» أو البرزخ أن يحفاظ كل بحر على خصائصه.
وفي قصيدة «بيروت» قال الشاعر محمود درويش: الحبر: نمل أسود أو سيّد… والحبر برزخنا الأمين. وفي بيروت أيضاً حيث الحياة الفنية والثقافية تسعى للصمود في وجه الرياح العاتية التي عصفت ولا تزال بلبنان، ولدت «مكتبة وفضاء برزخ». مكتبة بمواصفات مضافة إلى المكتبة الكلاسيكية شغلت مكاناً بارزاً في أول شارع الحمرا، فرغم العتمة التي تلف الخارج ثمة من يرفض الإستسلام. برزخ مكتبة وفضاء ثقافي يعرض أفلاماً وثائقية وبديلة، ويستقبل عروض شعر وموسيقى ومسرح كوميدي. إنها مكتبة برزخ «والحبر برزخنا الأمين» شعر طُبع على فاصل للكتب وباللون الأصفر المعتّق.
برزخ مكان استدعى السؤال للمعرفة، والبداية الحوار بداية مع أحد المؤسسين منصور عزيز:
○ لماذا برزخ وبيروت تئن وتنام باكراً؟
•بدأ مشروعنا كمؤسسين لبرزخ قبل أن تحلُّ العتمة. تريثنا مع بدء الأزمة الاقتصادية التي تزامنت مع وباء كوفيد. ولاحقاً كنا أمام خيار فقدان الأمل من الوطن والرحيل، أو خيار البقاء والسعي لإضاءة شمعة ولو صغيرة في هذه العتمة. يقول الشاعر التركي ناظم حكمت ما معناه لا الخبز يكفينا ولا الكتب. سؤال أو تساؤل أن ما من أحد لديه ترف القراءة، ليس في مكانه. فالملاحظ أن نسبة كبيرة من الناس تمضي أقله ثلاث ساعات تقرأ أو تُشاهد شاشة الهاتف المحمول. بالنهاية الناس يتابعون حياتهم، وهم يحاولون قراءة التاريخ وفهمه، وكذلك قراءة الشعر والاقتصاد وروايات الحب. وجميعها جزء من الحياة.
○ كيف ولد مشروع برزخ وكيف تطور؟
•نحن مجموعة تنتمي لبيئة رأس بيروت تعمل في المجال الصحافي والثقافي والأكاديمي، راقبنا التحولات التي حدثت في المنطقة منذ 20 سنة إلى الآن. حينها كانت المنطقة تنعم بمزيد من المكتبات من دون التطرق إلى دور السينما، وربما تكون الأقدم. كذلك المقاهي الشهيرة باستقطابها لرواد من أهل الأدب والشعر والفن والصحافة، إلى النوادي الثقافية التي كانت تحتضن الكثير من الفعاليات. ما حصل وبالتدريج أن الكثير من المكتبات أقفلت، وانتفى وجود المقاهي الثقافية وحلّت مكانها المصارف أو مكاتب تبييض الأموال. استرداد الطابع الثقافي لشارع الحمرا، يشكّل جزءاً من هدف يسعى لخلق مساحات مغايره للنهج الاستهلاكي النيوليبرالي. هذا النهج الذي طغى على التقليدي من عاداتنا كمثل المطاعم المحلية الطابع، لتحل مكانها مطاعم ومقاهي السلاسل العالمية. هكذا فقدت المدينة روحها، وانزاحت نحو المسار المعولم الذي لا روح له، تماماً كما يحصل في دبي ومدن أخرى.
○ من يدعم مشاريع ثقافية وترفيهية مماثلة؟
•في تسعينيات القرن الماضي كان لبيروت «مسرح بيروت» في عين المريسة، فلهذا المكان تاريخ على درجة عالية من الأهمية. كذلك في تلك الحقبة كانت نشاطات ثقافية لنوادي ثقافية متعددة. كما كانت المسارح تشهد إزدهاراً. وللمفارقة، فالمصارف حينها كانت تشارك بتموّيل الإنتاج الثقافي. أما مشروع مسرح المدينة الذي تقوم عليه نضال الأشقر ممول حالياً من بعض الأصدقاء. كما تعمل المؤسسة العربية للثقافة والفنون – آفاق لقبول طلبات الدعم والمساندة المالية للمشاريع الثقافية، وبخاصة بعد الإنهيار، وبعد التفجير. وكذلك هناك مؤسسات غربية أوروبية تدعم المشاريع الثقافية، وهذا ليس بسر. نحن في برزخ نحاول تمويل ذاتنا بذاتنا من خلال فكرة المقهى، إلى أمسيات موسيقية مرفقة ببطاقات مخصصة للبيع. وكذلك بيع الكتب في حفلات التوقيع. نأمل من هذا النشاط التجاري داخل مساحة برزخ أن يخفف عنا عبئ البحث عن التمويل الآتي من مؤسسات عربية أو أجنبية.
○ حقق المشروع شهرة من دون افتتاح رسمي. هل يُعتبر ناجحاً سلفاً؟
•نحن في مكان محدود المساحة وقدرة الإستيعاب. وكون الفعاليات متنوعة وجمهور كل منها يختلف عن الآخر عمراً، واهتمامات وخلفيات، فقد شكل الشعر والموسيقى والكوميديا والسينما ما يشبه «ميني افتتاح» مما عرّف الناس بالمكان.
جاد غزالة: مكان ثقافي مرتبط بالفن والأدب العربي والموسيقى
في برزخ يبدو لافتا حضور الشاب جاد غزالة معتمراً طاقيته، ومتحركا بفعالية بخاصة قبيل انعقاد أي نشاط. يتولى جاد شؤون المكتبة ويحدثنا عن سبب الشهرة التي حققها هذا الفضاء الثقافي دون سلوكه آليات الدعاية المعتمدة. يقول: بدأت فكرة برزخ في سنة 2019 ومن ثمّ داهمها التريث، ولدى الإفتتاح وجد إقبالاً رغم الحاجة لإنجاز بعض التفاصيل اللوجستية، فيما كان الأساس قد اكتمل. برأي ينجذب الناس إلى أفكار متكاملة ومماثلة، رغم كوننا في مكان ما كنّا نرتجل، بخلاف لحظة استقبال الجمهور، فالفكرة كانت حينها منجزة.
○ من هم زبائن أو ضيوف أمكنة مماثلة؟
•نعمل للإنفتاح على جميع الناس ولا نهتم بمن هم. قد يكون مجمل الزبائن من روّاد شارع الحمرا، لكنّ الليالي الموسيقية تجمع مريدين من آخر قرى الجنوب والشمال. أبوابنا مفتوحة للجميع.
○ في برزخ فضاء رحب رغم كثافة رفوف الكتب وهو مرن بتحوله إلى مسرح أو مساحة عرض سينمائي. فماذا عن تلك الحركة؟
•تمّ تصميم المساحة بحيث تكون ديناميكية حتى قبل تحديد وجهتها. بل كان في بالنا أن لهذه المساحة قدرات يجب أن نستفيد منها للحدود القصوى. نستقبل كل نشاط يحاكي القائمون عليه الفكرة التي نقدمها. ندرك تماماً أن برزخ ليس مسرحاً، بل هو مكتبة يمكنها استقبال نشاط مسرحي. إنها ميزة المساحة المصممة لتكون ديناميكية.
○ أتى حضوركم والحمرا تغرق بالعتمة. كيف كانت ردة الفعل من الرواد؟
•نعم، يردد الرواد ما تقولينه، رغم كون ولادة برزخ أتت بهدف بعث الحياة في الشارع، وتزامن ذلك مع عتمته حدث صدفة. بيروت تحتاج لمساحات مماثلة سواء كان الإنهيار الاقتصادي والوباء أو لم يكونا. المشهد الذي يتماثل بذهني لبرزخ بعد سنة من افتتاحه أنه مكان ثقافي، له نشاط مرتبط بالفن والأدب العربي والموسيقى العربية. انها محاولة لإعادة هذه المسلمات داخل الوعي العربي.
○ تجمع المكتبة آلاف الكتب بلغات عدة ولأعمار منوعة وتتداخل مع المقاعد وقريباً من المقهى. كيف فزتم بهذا العدد من الكتب؟
•بعضها مجموعات خاصة من المؤسسين، وأخرى تمّ شراؤها، إنما النسبة الأكبر منها تبرعات ومن حول العالم.
○ تبدو كتباً مستعملة فما هو عددها؟
•بتقديري أنها تضمّ فوق الـ60 ألف كتاب، وما يزيد على 40 ألف مجلّة. المستعمل منها متاح للقراءة والشراء. وسيفتتح الأرشيف للمشاركة مع الزبائن بهدف البحث داخل المكتبة.
○ خصصتم مساحة للأطفال فهل يتسببون بالضجيج أم الفائدة؟
•للأطفال مساحتهم، وضجيجهم محبب. فالكثير من رواد برزخ لديهم أطفال. وهم يرغبون بمرافقتهم في نهاية الأسبوع إلى برزخ. ونحن منفتحون لإستقبالهم.
وماذا في وصفات مديرة المطبخ مايا عيّاش؟
منذ الصيف الماضي انضمّت مايا عيّاش إلى فضاء برزخ بعد أن شرح لها منصور عزيز الرؤيا الخاصة بالمشروع والتطلعات المنعقدة حوله للمستقبل، فوجدت نفسها معنية بالمشاركة. تقول مايا: درست الهندسة الزراعية وأحب الطهي الذي اتقنته من والدتي منذ الطفولة. أرغب جداً بتحضير الطعام ورؤية الناس يتلذذون بطعمه. وأفرح بمعاينة أحاسيسهم ومشاعرهم الدافئة والحنونة، والتي يمنحهم إياها الطعام المنزلي. تحمّست للمشروع لأن الحمرا تحتاج لهذا التضامن والتكاتف خاصة في المرحلة الحاضرة التي تتسم بالانهيار وصعوبة الحياة. مشاهدة برزخ من الشارع مُضاء تشعرني بنوع من انبعاث الحياة، وهو مشروع أحببت أن أكون من ضمنه، خاصة وأن الحمرا تشكل جزءاً مني فقد درست في مدارسها، وتخرجت من الجامعة الأمريكية.
○ تتولين إدارة المطبخ في مكان غير كلاسيكي. كيف جرى التنسيق بين الطعام والشراب والكتب؟
•كنت أمام تحدي تشغيل المطبخ وتقديم الطعام للزبائن. ولم أكن بوارد طلب المساعدة من أحد، بل قلت بأنها فرصتي ويجب أن أخوض التجربة. كانت الفكرة الأولى تتمثل في تقديم ما هو غير موجود في الحمرا. ورغم خوفي الدائم من العجينة والخَبز، خضت التجربة بقلب قوي. ثمة محاولات كثيرة فاشلة وأخرى ناجحة. حجم الفشل تراجع مع الوقت.
○ ما هو الطبق الأكثر ملاءمة للكتاب برأيك؟
•كافة أنواع الشوربا. الكتاب دافئ والشوربا المنزلية كذلك دافئة خاصة في الشتاء. وهذا الطبق سيتم استبداله من دون شك في الصيف، وأنا بصدد البحث عن البديل.
○ ما هو الحساء الأطيب بالنسبة لك؟
•أنا في تجارب دائمة. أحببت شوربة البندورة المزينة بجبنة الموتزاريللا. كذلك اليقطين والبطاطا. مع الإشارة إلى أننا نشتري الخضار من مزرعة تعتمد الزراعة البيولوجية. في فصل الشتاء الحساء هو الطبق اليومي، مضافاً إليه لمن يرغب مجموعة منوعة من السندويشات. وأحب السندويشات إلى قلبي الباذنجان.
○ ومما يتكون؟
•باذنجان وكوسا، وفليفلة حمراء وبعض من جبنة الفيتّا، تطهى عبر شيّها. المكان الذي نسميه مطبخاً تفوح منه رائحة القهوة، والخبز الذي أعده بنفسي، وتختلط بذكائها مع رائحة الكتب. هذا ما عبّر عنه منصور عزيز لدى تشاورنا بهدف التعاون، أراد خلطاً بين رائحة الكتب والقهوة والخبز. مع العلم أن خبزنا يعتمد الخميرة المعدّة يدوياً وبصبر. تلك الخميرة تساعدنا في صناعة خبز الفوكاتشيا الإيطالي الحاضر يومياً في مطبخنا. أفرح كثيراً عندما أسمع أحدهم يقول «ريحا حلوة جوعان».
○ والختام؟
•برزخ حالة خاصة، إنه خارج التسميات، هو يعطينا ونحن نعطيه. أملي أن يترسخ لتصير له شهرة واسعة.