صباح بارد، شاب يرتدي قبعة وفي يده خارطة منقطة، وقف فوق تلة تطل على القريتين الفلسطينيتين شقبا ورنتيس. النقاط الموجودة في الخارطة مكتظة جداً، كانت بألوان مختلفة. الدليل واضح: كل نقطة تمثل مبنى فلسطينياً بني بدون ترخيص. الألوان تمثل سنوات البناء. ولكن بالنسبة للشخص الذي كان يمسك الخارطة، مركز “يهودا والسامرة” في جمعية “رغافيم”، مينش شموئيلي، فهذه ليست مجرد خارطة بناء، بل خارطة طرق أيضاً. في نهاية كل هذه الطرق تجسد لحلم الجمعية اليمينية خاصته، التي وجدت لها الآن موطئ قدم في حكومة إسرائيل.
يبدو أنه لا يجب بذل جهد كبير لتصطدم في أروقة الكنيست وبين مكاتب الوزراء بمن تربى في هذه الجمعية التي تدير حرباً ضروساً ضد البناء الفلسطيني في “المناطق” [الضفة الغربية]. كبير ممثليها هو بتسلئيل سموتريتش، المسؤول أيضاً عن الإدارة المدنية في وزارة الدفاع. وهو حلقة وصل قوية في هذه الحالة. وثمة اسم آخر هو يهودا إلياهو، أحد المؤسسين في جمعية “رغافيم”، وهو شخص موثوق لدى سموتريتش، تم تعيينه ليترأس الوزارة داخل الوزارة التي أقامتها إدارة الاستيطان. ولكن لم تنته قائمة الاحتلال لممثلي “رغافيم” هكذا. يخيم زيك، المدير السابق لنشاطات الجمعية، هو الآن رئيس مكتب وزير النقب والجليل إسحق فيسرلاوف. وساريا ديمسكي الذي يشغل منصب رئيس مكتب سموتريتش، كان حتى الفترة الأخيرة عضو لجنة في هذه الجمعية.
عندما تكون هذه هي الحال، فإن كل ما يحدث في هذه الجمعية يتعلق أيضاً بجدول أعمال الحكومة. مثلاً، وثيقة باسم “خط المحراث” – خطة لوقف سيطرة الفلسطينيين على المناطق المفتوحة في “يهودا والسامرة” والتي وزعت على السياسيين قبل الانتخابات وترسم استراتيجية “رغافيم” فيما يتعلق بالضفة الغربية. هذه الوثيقة تشمل عدة توصيات للحكومة الجديدة، وجزء منها وجد طريقه إلى الاتفاق الائتلافي مع “الصهيونية الدينية”. مثلاً، قرار حكومي بفتح “المعركة على المناطق المفتوحة” (تعبير جديد مغسول لمناطق ج)، وتسريع عملية المصادقة على خطط البناء في المستوطنات وإجراء إحصاء سكاني للعرب في الضفة.
إذا كان هناك نقص في الإثباتات لاختراق “رغافيم” للخطط الحكومية، عندها ستشمل الاتفاقات الائتلافية أيضاً أعلاماً أخرى رفعتها الجمعية طوال السنين. على سبيل المثال، التماس قدمته “رغافيم” في السابق لإلغاء قانون يمنع بيع الأراضي لليهود في الضفة، ترجم إلى وعد بتنفيذ تعديلات بهذا الشأن في التشريع العسكري.
لكن “رغافيم” لا تنظر فقط إلى الأمام، إلى ما سيكون بالإمكان فعله، بل تتفاخر بما سبق وعملته في السنوات الأخيرة. ربما الدليل الأفضل على الطريقة التي يتم بها تنفيذ الخط الذي تتبعه. قائمة جزئية من بين هذه الأعمال تشمل هدم مدرسة فلسطينية أقيمت داخل منطقة تدريب، وتحويل إخلاء الخان الأحمر إلى قضية مركزية لليمين، وهدم “مبان فاخرة ضخمة أقيمت في منطقة استراتيجية في شرق مستوطنة “غوش عصيون”، وتغيير إجراءات إنفاذ القانون من قبل الإدارة المدنية فيما يتعلق بهدم بيوت فلسطينية. وثمة تفاخر آخر لهذه الجمعية وجد تعبيره في الكراسة التي نشرتها على قراء “مصدر أول” وفيها احتفال بقرار المحكمة السماح بإخلاء مسافر يطا – رغم أن الجمعية لم تكن طرفاً في الالتماس في هذا الشأن.
وهناك نص آخر نشر في السنة الأخيرة، وهو كتاب ألفه المدير العام لـ “رغافيم” مئير دويتش بعنوان “بدوستان”، من إصدار المطبعة اليمينية سيلع مئير، الذي يشكل الإنتاج الرئيسي للانشغال الكثيف لهذه الجمعية بالنقب، لم يكن هذا الانشغال جديداً تماماً؛ ففي فترة الحكومة السابقة عملت “رغافيم” على وضع العقبات أمام تأهيل قرى للبدو.
لكن أساس النشاطات هو الضفة الغربية. من هنا فإن حقيقة أن سموتريتش مسؤول الآن عن وحدة الرقابة في الإدارة المدنية هي أمر جوهري، وأن الإدارة التي يقف إلياهو على رأسها هي المسؤولة عن شرعنة البؤر الاستيطانية وعن مشروع نقل صلاحيات الإدارة من الجيش إلى الوزارات الحكومية؛ وهي خطوة اعتبرت في العالم كضم فعلي للضفة. وعدت الإدارة بـ 12 تعديلاً في الاتفاقات الائتلافية، لكن صودق على 4 وظائف فقط حتى الآن. ليس مؤكداً أن هذا الرقم نهائي.
بيت ممنوع، بيت مسموح
قبل الدخول الأرضي إلى قرية شقبا في سيارة دفع رباعي، يهتم شموئيلي بتغطية قبعته بقبعة أكبر. بين أن عشرات المباني غير القانونية بنيت هناك. هذه بالطبع منطقة “ج” التي تعد فيها إسرائيل مسؤولة عن المصادقة على بناء الفلسطينيين (الأمر الذي لا يحدث تقريباً). وهو يشير إلى بيت فاخر. “هذا المبنى لا يظهر في الصور الجوية من 2022″، أشار. بعد ذلك، عبر عن موقفه في ملعب جديد لكرة القدم أقيم هناك: “هذا سيتسبب بأن المزيد من الأشخاص سيرغبون في السكن إلى جانبه. “أنت تقول. ماذا في ذلك، هل ينقصهم مكان في مناطق ب و أ؟”.
هذا السؤال دارج على لسان شموئيلي، هو لب القصة كلها. الافتراض بأن مناطق “ج” في الضفة الغربية ليست فلسطينية على الإطلاق، بل هي أراض احتياطية لإسرائيل، مناطق مخصصة للبؤر الاستيطانية والمستوطنات، أو “مناطق مفتوحة”، كما يقول التعريف الأخير لجمعية “رغافيم”. ليس عبثاً أن غرست الجمعية مفهوم “الصراع على مناطق “ج” في السنوات الأخيرة. الفكرة التي تقف من وراء هذا المفهوم الذي أصبح دارجاً على ألسنة رجال الإدارة المدنية والحكومة هو أن الفلسطينيين يطمحون إلى إقامة دولة بالفعل مع تواصل جغرافي بين جنين ونابلس ورام الله وأريحا بواسطة البناء وفلاحة الأراضي الزراعية وشق الطرق في مناطق “ج”، وأنه يجب محاربة ذلك. “يوجد في مناطق أ و ب مناطق غير مستغلة، ويوجد لهم ما يكفي من الأراضي لـ 200 سنة أخرى”، قال المدير العام دويتش في رده على سؤال أين يمكن للفلسطينيين أن يبنوا، مع تجاهل الاكتظاظ الشديد في “المناطق” التي يدور الحديث عنها، وأيضاً كون مناطق “ج” هي مناطق فلسطينية.
لكن شقبا ورنتيس هما مثال من بين عدة أمثلة على الحرب الضروس التي تدريها “رغافيم” ضد مبادرات البناء الفلسطينية. بين القريتين، شرح شموئيلي، تقع منطقة التدريب 203. ورغم أنها غير مستخدمة لأنها منطقة تدريب فيحظر البناء فيها. المرحلة الأولى، يصف ما يراه كمؤامرة فلسطينية لربط القرى، هي فتح طريق يربط بين القرى وإقامة بنى تحتية للكهرباء والمياه والمدارس في وسط المنطقة أو إقامة حدائق ألعاب.
من أجل متابعة النشاطات الفلسطينية، تنفذ الجمعية عملية متابعة في عدة مجالات. لـ “رغافيم” حوامات تمكنها من متابعة بناء الفلسطينيين بشكل متواصل حتى في الأماكن التي يصعب الوصول إليها. إضافة إلى ذلك، هذه الجمعية تشتري صوراً جوية بين حين وآخر، ومن أجل تحليلها لديها عدد من الباحثين المختصين. وهناك بالطبع أيضاً متابعة على الأرض. قال شموئيلي إنه يتجول في أرجاء الضفة في سيارته ويتابع بنفسه التطورات التي تم إبلاغ الإدارة المدنية عنها في السابق، أو أنه يتابع المناطق التي أشير إليها على اعتبار أنها مناطق بحاجة إلى متابعة. إذا اكتشف بناء “مشبوه” فإنه يقترب بسيارته كي يشاهد إذا كان يمكن رؤية آثار لتمويل أجنبي.
شموئيلي (28 سنة) هو من سكان حي سلوان في شرقي القدس. في الجولة التي قام بها لصالح الصحيفة قبل شهرين تقريباً، رافقته أيضاً المتحدثة باسم الجمعية تمار سكروئيل، وهي من سكان مستوطنة “كريات أربع”. الجمعية، تشير برضا، تجري 10 – 20 جولة في الشهر للمراسلين والسياسيين. البناء ليس الأمر الوحيد الذي تتابعه الجمعية. ثمة محطة أخرى في الزيارة، وهي مشاهدة إقامة مزرعة للألواح الشمسية تحت قرية دير أبو مشعل. هناك شرح شموئيلي بأن “الحديث يدور عن جهود لإقامة دولة فلسطينية”.
وثمة درة تاج أخرى في الحملة، وهي موقع ارتبط فيه مزارعون فلسطينيون بشكل مرتجل مع البنى التحتية لمياه “مكوروت”، وهذا ارتباط تم قطعه بعد أن أبلغ ممثلو “رغافيم” عنه. قبل نهاية الجولة، أطلق شموئيلي حوامة من أجل رؤية إحراق للقمامة في قلب منطقة يصعب الوصول إليها بالسيارة.
حوامات “رغافيم” ليست وحيدة. في السنوات الأخيرة تشغل المجالس الإقليمية للمستوطنات “أقساماً أرضية”، تقوم هي أيضاً بالرقابة والإبلاغ عن بناء ونشاطات فلسطينية. هذه الأقسام التي تعمل بالتعاون مع “رغافيم” والجمعية تقول إنها ساعدت في إقامتها، حصلت على دفعة قوية في فترة الحكومة السابقة التي خصصت لهم نحو 20 مليون شيكل. مؤخراً، نشرت وزارة الاستيطان نشرة جديدة كتب فيها أنها ستخصص 40 مليون شيكل من أجل دعم هذه الأقسام.
إبلاغ الإدارة المدنية هدفه واحد، وهو إحباط البناء الفلسطيني في مهده. هذا يعمل. “لرغافيم تأثير آخذ في التزايد”، قال مصدر رفيع في الإدارة المدنية للصحيفة “هذه عملية يمكن أن نرى فيها كيف أن تأثير منظمات أوروبية أو سفراء حل محله مع الوقت تأثير رغافيم، التي تهتم بعرض الأمور بشكل أحادي الجانب. هذا جسم هو في الحقيقة يشرف على الإدارة المدنية”.
جميع أعضاء الإدارة المدنية الذين تحدثوا مع الصحيفة أكدوا أن تأثير “رغافيم” ازداد مقابل انخفاض تأثير منظمات اليسار مثل حركة “السلام الآن” أو “يوجد حكم”، وانخفاض في تأثير الدبلوماسيين الذين يعملون في القضية الفلسطينية وفي المساعدات الإنسانية في مناطق “ج”. هذا الأمر مرتبط بالطبع بصعود قوة اليمين الاستيطاني في السياسة. وهذا حتى قبل الانتخابات الأخيرة.
وفقاً لأقوال المصدر نفسه في الإدارة المدنية، فإنه عندما يتوجه رجال رغافيم “هذا يثير رداً، ليس دائماً بالرغبة بل بالقوة، بأنك حين يكون لك طلب فعليك التعامل معه. يتمثل التأثير الفعلي في أن وسائل عمل فلسطينية ستصادر أو سيصدر أمر هدم للمبنى. الشخص الذي عمل في السابق في مكتب المستشار القانوني للجيش الإسرائيلي، قال إنه إذا كانت الشكاوى قبل “رغافيم” بخصوص البناء الفلسطيني قليلة وتأتي من أشخاص مختلفين، فهي الآن شكاوى منهجية. فالمنظومة تشعر بأن هناك يداً توجهها.
وقال مصدر عمل في الإدارة إن أحد مسارات التأثير على عملها يكون بواسطة لجان في الكنيست. “هناك عرضوا أموراً مخالفة لموقف الإدارة بشكل متحيز جداً”. يتذكر. “في الكنيست قيل بصورة صارخة من قبل موتي يوغف (عضو الكنيست السابق في البيت اليهودي) بأن “رغافيم” هي ضابط العمليات للجنة الخارجية والأمن”. ووفقاً لقوله، فإنه وفي أعقاب الضغط على الكنيست، تم إرساله لجلب بيانات من المصدر. هذا أمر يستنزف الوقت. “عندما يصدرون تقريراً أنت فعليك التعامل معه، أنت تتلقى استجواباً من سياسي أو عسكري عن سبب ما هو مكتوب حول هذا وذاك. هذا بالتأكيد أخذ الاهتمام إلى مكان آخر وتحول إلى خطاب”.
هاجر شيزاف
هآرتس 19/4/2023