إسطنبول: سجلت الانتخابات البرلمانية في الجزائر، التي جرت السبت، أدنى نسبة مشاركة في الانتخابات التشريعية على الإطلاق، لكن ذلك قد يعكس “نزاهتها”، بعد اتهامات للمعارضة في انتخابات سابقة بتضخيم نسب المشاركة لصالح أحزاب الموالاة.
ولأول مرة منذ برلمانيات 1997، لم يتضح الحزب الذي سيفوز في الانتخابات مسبقا، ما يعطي انطباعا بأنها الانتخابات الأكثر “نزاهة” وإن كانت الأقل مشاركة.
رغم تحفظات بعض الأحزاب والمترشحين وحتى المقاطعين، وأيضا سلطة الانتخابات من بعض الممارسات، وعدم احترام نسبة من المقترعين للبروتوكول الطبي المتعلق بالاقتراع.
بعد 24 ساعة.. الفائز مجهول
في هذه الانتخابات يسود نوع من الإثارة والترقب والتساؤل حول هوية الأحزاب الفائزة، وهل سيتمكن الإسلاميون من قيادة الحكومة المقبلة؟ أم أن قوائم المستقلين ستُحدث المفاجأة وتشكل تكتلا داعما للرئيس عبد المجيد تبون، وبالتالي يحق للأخير تعيين وزير أول، وتشكيل حكومته؟
أما السيناريو الآخر، فيتمثل في فوز حزبي جبهة التحرير والتجمع الوطني بأغلبية المقاعد، مستغلين عدم مشاركة 70 في المئة من الناخبين المسجلين في الانتخابات.
أعلن الأمين العام لجبهة التحرير أبو الفضل بعجي، مساء الأحد، أن المعطيات الأولية تبشر بأنهم سيكونون في المرتبة الأولى.
وفوز جبهة التحرير الوطني، بالمرتبة الأولى، من شأنه تأجيج الحراك الشعبي، والتأكيد على صحة وجهة نظر المقاطعين الداعين إلى تغيير جذري لكن ليس عبر البرلمان.
لكن حركة مجتمع السلم، أكبر حزب إسلامي، أفادت في بيان عقب يوم من الانتخابات، أنها فازت في أغلب الولايات والجالية، وحذرت من أنه “ثمة محاولات واسعة لتغيير النتائج وفق السلوكيات السابقة”، في إشارة إلى إمكانية تزوير الانتخابات لصالح أحزاب أو قوائم موالية للسلطة.
ودعت حركة مجتمع السلم، الرئيس تبون، لحماية الإرادة الشعبية المعبر عنها فعليا.
كما نشر ناشطون معارضون فيديوهات قالوا إنها تجاوزات تمس نزاهة العملية الانتخابية.
ففي الانتخابات البرلمانية الستة التي جرت خلال العقود الثلاثة الماضية، كان من السهل التعرف على الحزب الفائز بعد ساعات قليلة من بدء عملية الفرز، ليعلن وزير الداخلية بعد ظهر اليوم التالي النتائج النهائية غير الرسمية للأحزاب الفائزة، لكن يبدو الأمر مختلفا هذه المرة.
ولأن الجزائريين تعودوا أن يكون الفائز أحد أحزاب الموالاة، سواء التجمع الوطني الديمقراطي (1997) أو جبهة التحرير الوطني (2002، 2007، 2012، 2017)، فإن الانتخابات فقدت إثارتها لدى الناخبين، ويئس الكثير منهم من إمكانية أن يلعب صوتهم دورا في تغيير المشهد السياسي.
دخلت الانتخابات البرلمانية منذ 1997، نفق الرتابة القاتلة، التي نفّرت الناخبين من صناديق الاقتراع، وساد الاعتقاد بأن كل الانتخابات مزورة، وأن النتيجة معروفة مسبقا، والمشاركة في الانتخابات لا تعني سوى منح شرعية للنظام الحاكم.
لكن أنصار أحزاب الموالاة كانوا يشاركون بكثافة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية خاصة في المناطق الداخلية والصحراوية والأرياف، المتأثرين بجبهة التحرير الوطني، التي قادت حرب الاستقلال (1954-1962).
كما أن أصوات الجيش والدرك والشرطة والحماية المدنية، التي تقدر بنحو مليون صوت، لعبت دورا في ترجيح كفة أحزاب الموالاة ورفع نسب المشاركة، قبل أن يتم إلغاء التصويت داخل الثكنات في 2004.
المشاركة الأقل لكنها أعلى من الاستفتاء
جرت هذه الانتخابات في أجواء استثنائية غير مسبوقة، ميزها حراك شعبي أطاح بالولاية الخامسة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في 2019، ودعوة فئات منه لمقاطعة الانتخابات، بينما شاركت أطراف أخرى منه في العملية الانتخابية.
الأمر الثاني الذي ميّز هذه الانتخابات هو وباء كورونا، الذي فرض شروطا صحية على التجمعات الانتخابية، وتم اعتماد بروتوكول طبي يوم الاقتراع، مما لم يُحمس الكثير من الناخبين على المشاركة في الانتخابات.
الحملة الانتخابية كانت على العموم باهتة، ميزها تجمعات انتخابية في القاعات للأحزاب، بينما اختار المرشحون المستقلون العمل الجواري، فيما هيمن الخطاب المقاطع للانتخابات على شبكات التواصل الاجتماعي، ووصل إلى حد تخوين وتسفيه مواقف المشاركين، بل وتكسير صناديق الاقتراع وحرق أوراق الاقتراع في ولايتين بمنطقة القبائل.
وهذا ما دفع الرئيس تبون إلى القول: “من حق أي مواطن أن يقاطع الانتخابات. شريطة أن لا يفرض المقاطعة على الغير”.
وهذا الوضع الاستثنائي، سياسيا وصحيا، كان له تأثير سلبي على نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 30.20 في المئة، وهي أقل من نسبة المشاركة في رئاسيات 2019، التي جرت قبل وصول كورونا إلى الجزائر، وبلغت نحو 40 في المئة.
غير أنها أعلى من نسبة المشاركة في الاستفتاء على مشروع الدستور الذي جرى في 2020، في ذروة انتشار الوباء، ولم تتجاوز نسبة المشاركة حينها 23.7 في المئة.
وبالمقارنة مع انتخابات برلمانية سابقة، فإن هذه الانتخابات الأقل من حيث نسبة المشاركة، حيث شهدت أول انتخابات برلمانية مشهود لها بالنزاهة في 1991، مشاركة 59 في المئة، لترتفع في برلمانيات 1997 إلى 65 في المئة، حيث اتهمت المعارضة السلطة بالتزوير وتضخيم نسبة المشاركة.
لكن هذه النسبة تراجعت بشكل كبير في 2002، لتبلغ 46 في المئة، ثم نزلت في 2007 إلى 36 في المئة رغم اتهام لجنة مراقبة الانتخابات، أحزاب الموالاة بتزوير الانتخابات في أكثر من مركز.
وفي انتخابات 2012، ارتفعت نسبة المشاركة إلى 42.9 في المئة، لكن لجنة مراقبة الانتخابات وصفتها بأنها “غير شفافة حيث شابها الكثير من التجاوزات والاختلالات من بدايتها حتى نهايتها”.
قبل أن تتراجع نسبة المشاركة مجددا في انتخابات 2017 إلى 35.7 في المئة.
لذلك فنسبة 30.2 في المئة في انتخابات 2021، منطقية بسبب ظروف الوباء، وأيضا ارتفاع أصوات المقاطعين، ومنح سلطة تنظيم الانتخابات لهيئة مستقلة بدلا من وزارة الداخلية من شأنه تضييق الخناق على المزورين، وإنهاء أو تقليص عملية تضخيم نسب المشاركة.
الانتخابات آمنة باستثناء القبائل
من الناحية الأمنية جرت الانتخابات في أجواء هادئة باستثناء منطقة القبائل، التي عمل المقاطعون فيها على حرق وكسر صناديق الاقتراع، والاصطدام بقوات الأمن، ما تسبب في توقيف الانتخابات، التي سجلت أقل من 1 في المئة نسبة مشاركة.
حيث اعتادت بلديات منطقة القبائل المنتشرة في ولايتي تيزي وزو وبجاية، وفي الجزء الشمالي الشرقي من ولاية البويرة، على مقاطعة الانتخابات، لكن هذه المقاطعة كانت عنيفة وتمت عرقلة عملية الانتخاب بالقوة، مع وقوع اشتباكات محدودة مع قوات الأمن، التي تفضل في مثل هذه المناسبات عدم التصعيد.
ومما ساهم في تعطيل العملية الانتخابية في منطقة القبائل، مقاطعة جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية للانتخابات، وهما حزبان متجذران في المنطقة، لكن تأثيرهما بدأ يضعف.
وينشط في منطقة القبائل تنظيم “الماك” (الحركة من أجل الحكم الذاتي لمنطقة القبائل) الذي صنفته السلطات مؤخرا على قائمة التنظيمات الإرهابية، بعد أن اتهمته بمحاولة القيام بتفجيرات لاستهداف مسيرات الحراك الشعبي.
لكن في بقية الولايات الـ56 جرت الانتخابات في هدوء عام، وإن تم تسجيل تفاوت في نسب المشاركة من ولاية إلى أخرى، حيث سجلت 6 ولايات نسبة مشاركة تفوق 50 في المئة، وعلى رأسها ولاية سجلت أكثر من 72 في المئة، بحسب السلطة المستقلة للانتخابات.
أما الولايات التي تراوحت نسبة المشاركة فيها ما بين 30 و50 في المئة فبلغت 17 ولاية.
وعادة ما تسجل الولايات الجنوبية نسبة مشاركة مرتفعة، أما الولايات الداخلية فتكون النسبة متوسطة، بينما في العاصمة وبعض الولايات الساحلية فالنسبة تكون أقل من المعدل الوطني، بينما تسجل تيزي وزو وبجاية أقل نسب مشاركة.
ومن المرتقب أن تظهر النتائج النهائية غير الرسمية للانتخابات الإثنين أو الثلاثاء على أكثر تقدير، على أن يفصل المجلس الدستوري في الطعون خلال 10 أيام كحد أقصى، لتعلن بعدها النتائج الرسمية.
(الأناضول)