برناديت حديب في «ماغما» أدارت المأساة بحرفية

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: «ماغما» أو البركان تسمية مختارة «حفراً وتنزيلاً» على مقاس الانفجار، الذي شاهدناه من الممثلة برناديت حديب على مسرح دوّار الشمس. كأنها خزّنت بداخلها لقرون كلّ مآزم الحياة وما تبتكره من مآس، إلى أن حلّت لحظة اختراق الحمم للصفائح التكتونية، فظهرت على الملأ. وبدت الممثلة بكامل لياقتها وقدراتها الكبيرة على امتلاك الخشبة وحيدة.
للمرة الأولى تظهر ممثلة وحيدة على المسرح. قدّمت نصاً لا يعنيها وحدها. فلو بحث كلّ من المتفرجين في داخله عن سيل الاشكاليات التي مرّت عليها برناديت حديب، لوجد على الأقل أنه يتشابه معها بعشرة.
مثّلت على مدى ساعة من الزمن عصفاً من العناوين السلبية التي تواجهنا بها الحياة. راكمت بداخلها تنمراً وتحديات، ومشكلات اقتصادية، واجتماعية، وتنموية وتربوية. واجهت الاعتداء الذكوري اللفظي في الشارع بساعدين متينين، ولسان يُتقن التحدي. بصقت لحدود التعب على الحال الذي نحن فيه كمواطنين. لكنها في النهاية كانت ممسوكة بحزن دفين في داخلها، لم تخفه بعض الكوميديا التي تطايرت من صلب النص وأطرافه.
من على سرير أبيض كبير محشور وحيداً دون فضاءات من حوله بدأت سرديتها بتوتر عالٍ. إمرأة تهوى النوم، وتكره الصباحات. واجبها اليومي اصطحاب طفلها الوحيد إلى المدرسة بسيارتها. وتبدأ وجبات التوتر بالتوافد إليها. تستحضر السلوك البشري العنصري من خلال معادلة الليل والنهار «ليه بيبحو الأبيض أكثر من الأسود مع إنو الأسود أقوى شي». وتسمي الأشياء بأسمائها حين تسمّي الإنسان الأبيض من خلال ممارساته المتأصّلة «استعمار واحتلال». يستحثها صوت زوجها للاستيقاظ والانفتاح على الحياة. ببساطة نعتته «يا جحش نايمة نايمة». يُقلقها كل ما يحيط بها فتدور وتدور حول كلمة «قلق» مؤكدة أنها بـ«القاف». قلقها يخرج من الذاتي ليتواصل مع العام، حيث لا شيء مريح. قبول الواقع يسود الغالبية. وجود المسلخ قريباً من المرفأ ليس وليد صدفة. من المرفأ إلى المسلخ يسير الغنم..غنم.. غنم.
عصام بوخالد صاغ نص «ماغما»، تلك الفكرة التي راودت برناديت حديب «زوجته» فإذ به يخلص إلى نص مشحون ومعبأ. نص فيه حشد من الأفكار والعناوين القوية المتماسكة والمترابطة. سوداوية مطلقة تسيطر على النص. هذا دأب عصام منذ بداياته. نص عن حياة منكسرة، أدته الممثلة بقوة حضور، وبتغيير سريع للحالات التي أدتها، لم تهن، ولم تتعب. بقيت على عصبها المشدود من البداية إلى النهاية.
في فضاء أسود قاتم صارعت الفنانة كي يشكل حضورها وحدها عامل جذب للجمهور. كانت وحيدة برفقة شراشفها البيضاء وسريرها. زينت محطات من نصها الأسود بكلمات بسيطة فعلت فعلها في كسر حدّة التراجيديا. وكسر ثوبها الأبيض حدّة الدراما السوداوية.
تراجيديا عصام بوخالد مولودة من رحم انفجار المرفأ. الحدث المأساوي الذي ما يزال يثقل بقوة على مجموعة كبيرة من البشر، وسيستمر. سوداوية برناديت حديب المطلقة تكمن في طفلها الوحيد الذي تركته على شرفة المنزل، يراقب الدخان المنبعث من المرفأ. عادت لتجد الدخان الأكبر وقد ابتلعه.
منذ لحظتها الأولى ومع تململها على السرير، ندرك أنها إمرأة في جسد يفتقد طاقة على الحياة، ونفس تفتقد الحافز الذي يأخذ بيدها للخروج من عتمة غرفتها. حاجتها ماسة للسكينة وعدم الحركة. الحياة اعدمت فيها كل أمل. غاصت في الختام بسريرها الذي ابتلعها، كما يبتلع الموت غير الطبيعي الناس.
هكذا عرّف المخرج «ماغما»: قلق، توتر، ضغط، سترس، هستيريا.. هي نايمة.. نايمة مسكرة عيونها.. مسكرة الشبّاك.. مسكرة الباب.. مسكرة ع حالها.. مسكرة بوجها.. مسكرة معها.. مسكر راسها!! فاقت فتحت عيونها وتطلّعت بالعالم.. فتحت تمها لتفش خلقها، قاموا الكل سكّروا دينيهم!
كتابة واخراج عصام بوخالد. تصميم اضاءة وصوت سرمد لويس. عرضت في مسرح «دوّار الشمس» في بيروت. عمل مسرحي ناجح ومميز في هذا الموسم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية