بريطانيا: ليز تراس والتركة الثقيلة والتحديات الاقتصادية

صادق الطائي
حجم الخط
2

توقع خبراء الاقتصاد والمحللون الماليون أن يغرق الاقتصاد البريطاني في أطول فترة ركود منذ الأزمة المالية التي ضربت العالم عام 2008.

عندما دخلت وزيرة الخارجية البريطانية السابقة ليز تراس إلى 10 داوننغ ستريت كرئيسة للوزراء يوم الثلاثاء 6 أيلول/سبتمبر الجاري، وضعت في حساباتها أنها ستواجه سلسلة من التحديات الهائلة في الداخل والخارج والتي ستحدد مسار رئاستها الصعبة للوزراء، والتي وصفها بعض المحللين بأنها أصعب مرحلة تمر بها المملكة المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لكن تراس وقفت أمام مقر رئيس الحكومة وقالت بتحد واضح: «أثق أننا نستطيع معاً تجاوز العاصفة، نستطيع أن نعيد بناء اقتصادنا، ونستطيع أن نصبح بريطانيا الجديدة المتألقة التي أعرف أننا نستطيع أن نكونها». وأضافت «سأقدم خطة جريئة لخفض الضرائب وتنمية اقتصادنا. سأعالج أزمة الطاقة، وسأتعامل مع فواتير الطاقة التي يعاني منها الناس، سأعالج أيضاً المشكلات طويلة الأمد لدينا بشأن إمدادات الطاقة».
أولى التحديات في قائمة تراس هي الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالمملكة، إذ حذر بنك انكلترا من أن التضخم المتوقع سيرتفع إلى أكثر من 13 في المئة، وتوقع خبراء الاقتصاد والمحللون الماليون أن يكون مستوى التضخم أعلى من توقعات بنك انكلترا، ومن المتوقع أن يغرق الاقتصاد البريطاني في أطول فترة ركود منذ الأزمة المالية التي ضربت العالم عام 2008.
وكنوع من الحلول المقترحة، رفع البنك معدلات الفائدة في آب/أغسطس الماضي من 1.25 في المئة إلى 1.75 في المئة وهو أكبر ارتفاع تشهده المملكة المتحدة منذ 27 عامًا، هذا الأمر سيزيد من الضغط على تمويل الأسر من أصحاب الرهن العقاري. وقد أعلن بنك انكلترا أنه من المتوقع أن يتقلص الناتج المحلي الإجمالي، وهو مقياس لحجم الاقتصاد، كل ثلاثة أشهر من تشرين الأول/أكتوبر إلى بداية عام 2024، بما يصل إلى 2.1 في المئة.
ارتفاع الأسعار أوصل الاقتصاد البريطاني لحالته القاتمة التي يعاني منها المستهلكون بشكل كبير، إذ ارتفع متوسط ​​فواتير الطاقة السنوية بنسبة 80 في المئة في تشرين الأول/أكتوبر من 1970 إلى 3549 جنيها إسترلينيا. وقالت كارولين باين، كبيرة خبراء السلع الأساسية في «كابيتال إيكونوميكس» في تصريح إعلامي، إن المملكة المتحدة «تسير على حبل مشدود تماماً هذا الشتاء» حيث سيجبر المستهلكون على الاختيار ما بين طهي الطعام أو التدفئة، الأمر الذي سيعرض حياة الملايين للخطر. لذلك أصبحت حالة الغضب تمثل ملمحا عاما بين البريطانيين بسبب تدني الأجور التي فشلت في مواكبة الزيادات الكبيرة في الأسعار الناتجة عن التضخم .وقد قامت حملة ليز تراس للفوز برئاسة حزب المحافظين ورئاسة الوزراء على مجموعة وعود بحل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالمملكة، وذلك عبر خفض الضرائب بدلاً من تقديم المساعدات، لكن حجم الأزمة التي تواجه الأسر والشركات يعني أنه ستكون هناك حاجة لحزمة دعم حكومية بمليارات الجنيهات الإسترلينية لمنع انهيار الاقتصاد البريطاني. لذلك حددت تراس هدف نمو سنوي يبلغ 2.5 في المئة، ووعدت بتخفيضات ضريبية وإلغاء القوانين المستمدة من الاتحاد الأوروبي لتحقيق هدفها. ووفقاً لمحللي شركة «كابيتال إيكونوميكس» فإن خطط تراس لتخفيض الضرائب والدعم الفوري للأسر التي تكافح مع فواتير الطاقة يمكن أن تضيف حوالي 1.3 في المئة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وإن لم يكن ذلك كله في عام واحد، لكن في المقابل فإن تحقيق ذلك سيكلف الخزينة حوالي 50 مليار جنيه إسترليني.
ونتيجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في بريطانيا، اشتعلت الاضرابات في العديد من القطاعات مثل إضراب العاملين في شبكات النقل، والمحامين الجنائيين في انكلترا وويلز، ومن المتوقع أن يتخذ عمال القطاع العام مزيدًا من الاضرابات والإجراءات الاحتجاجية، بمن فيهم العاملون في قطاع الصحة والمدرسون وموظفو الخدمة المدنية.
لذلك اتهمت تراس «النقابيين المتشددين» بعدم التعاون لمواجهة «التحديات الاقتصادية التي يواجهها الوطن» ووعدت بمجموعة من الإجراءات للحد من الإضرابات. إذ سيكون هناك حدا أدنى من الخدمة على البنية التحتية الوطنية الحيوية، وسيتم رفع الحد الأدنى للتصويت لصالح الإضراب من 40 في المئة إلى 50 في المئة من القوة العاملة، وسيتم رفع فترة الإخطار من أسبوعين إلى أربعة أسابيع.
أما في مجال خدمات الصحة والرعاية والاجتماعية، فإن ليز تراس تواجه مجموعة كبيرة من التحديات، إذ ما زال قطاع الصحة الوطنية في المملكة المتحدة يعاني من الضغوط الهائلة التي تسببت بها ظروف جائحة كوفيد-19 والتي تمثلت في اكتضاض المستشفيات، وطول فترات الانتظار في قطاعات خدمات الطوارئ والإسعاف. وسيتعين على رئيسة الوزراء الإشراف على إدخال نظام الرعاية الاجتماعية الجديد اعتبارًا من تشرين الأول/أكتوبر 2023 مع التعامل أيضًا مع شيخوخة السكان والطلب المتزايد على خدمات الصحة، ووعدت تراس بإعادة تخصيص مليارات من الأموال الإضافية المخصصة للخدمات الصحية، ووضعها في الرعاية الاجتماعية بدلاً من ذلك. إذ صرحت في خطابها الأول في داوننغ ستريت: «لدينا أشخاص في مستشفيات الصحة الوطنية سيكونون أفضل حالًا في الرعاية الاجتماعية، لذا سنخصص هذه الأموال الإضافية في قطاع الرعاية الاجتماعية».

تحديات السياسة الخارجية

عندما أجرى بوريس جونسون حملته الانتخابية كان شعاره الأول: «الحصول على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي» لكن الواقع أفرز تعقيدات كثيرة منذ خروج بريطانيا من الاتحاد حتى الآن. لذلك يتوقع المراقبون أن تراس ستخاطر بمزيد من التوتر في العلاقات مع بروكسل من خلال المضي قدمًا في مشروع قانون بروتوكول أيرلندا الشمالية، ما يسمح لحكومة المملكة المتحدة بتجاوز عناصر الاتفاق بينها والاتحاد الأوروبي، وهو أمر من المرجح أن يثير معركة برلمانية شرسة في بريطانيا. وفي الوقت نفسه، فإن الرغبة في الاستفادة من فرص خروج بريطانيا من الاتحاد من خلال تمزيق الروتين المستوحى من بروكسل يمكن أن يعزز الأعمال التجارية، ولكن يبدو إن تراس ستخاطر بإقامة المزيد من الحواجز مع فرنسا أقرب شريك تجاري للمملكة المتحدة.
وفي موضوع الحرب الدائرة في أوكرانيا، من المتوقع أن يستمر التزام المملكة المتحدة بدعم حكومة كييف، ولكن بعد ستة أشهر من الحرب مع روسيا، هناك خطر يتمثل في أن الإرهاق الذي أصاب الحلفاء الغربيين سيؤدي الى تراجع دعم الأوكرانيين في حربهم ضد موسكو. وسيتعين على تراس أن تلعب دورًا رائدًا في ضمان محافظة الحلفاء على الدعم العسكري والدبلوماسي لكييف في وقت يؤدي فيه الصراع إلى ارتفاع أسعار الغاز والتسبب في مشاكل اقتصادية في جميع أنحاء أوروبا. ومن المتوقع أن تذهب تراس قريبا إلى أوكرانيا في أولى زياراتها الخارجية كرئيسة للوزراء لإظهار استمرار دعم المملكة المتحدة لكييف. وقد أعلنت رئيسة الوزراء خلال أول مكالمة هاتفية مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، الثلاثاء الماضي، أن بلادها تتطلع إلى العمل مع الولايات المتحدة على معالجة المشكلات الاقتصادية الناجمة عن الهجوم الروسي على أوكرانيا. وجرت المكالمة الهاتفية بُعيد ساعات فقط على تولي رئيسة الحكومة البريطانية الجديدة منصبها خلفاً لبوريس جونسون.
أما بالنسبة لموقف السياسة الخارجية البريطانية من الصين، فقد وصفت المراجعة الشاملة للسياسة الخارجية والدفاعية التي تم إجراؤها في عهد بوريس جونسون الصين بأنها «منافس منهجي» بينما وصف المفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف الناتو بكين بأنها «تحدٍ» لـ«مصالحنا وأمننا وقيمنا». لكن النفوذ الاقتصادي الصيني يعني أنه سيكون من الضروري تحقيق التوازن الحذر بين الفوائد التجارية المتحققة من التجارة مع الشركات الصينية من ناحية والدوافع السياسية لبكين من ناحية أخرى. كما أن خطر تفاقم التوترات بين الصين وتايوان سيظهر بشكل كبير في مخاوف السياسة الخارجية لرئيسة الوزراء الجديدة. وقد وصفت تراس إدارة شي جين بينغ «الحازمة بشكل متزايد» و «الاستبدادية» بأنها «مصدر قلق أمني عميق للغاية».
ويبقى تدفق المهاجرين على الجزيرة البريطانية موضوعا مؤرقا في أروقة السياسة البريطانية، إذ وصل عدد الأشخاص الذين خاطروا بعبور القنال الإنكليزي هذا العام إلى أكثر من 23000 وهم في طريقهم للتغلب على الرقم القياسي لعام 2021 على الرغم من الجهود المبذولة للحد من هذه المشكلة. ويرى المراقبون أن على تراس إتباع موازنة حرجة بين تدفق المهاجرين غير الشرعيين القادمين على متن قوارب الموت من ناحية، والنقص الحاد في العمالة الذي نتج عن خروج شركات الاتحاد الأوروبي بعد بريكست حيث يمثل نقص العمالة أحد الشواغل الرئيسية التي أعرب عنها أرباب العمل في العديد من القطاعات الصناعية والانشائية في المملكة المتحدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية