تجهد الصين للقفز فوق المحاولات الأمريكية لحصارها، عبر إقناع حلفاء واشنطن وخاصة بريطانيا بعدم جدوى الإجراءات التصعيدية بما فيها محاولات منعها من الوصول إلى الرقائق والأجهزة والتقنيات المتقدمة.
لندن ـ «القدس العربي»: تلبدت سماء العلاقات البريطانية الصينية بغيوم الاتهامات التي وجهتها لندن إلى بكين إثر الإعلان عن اعتقال باحث في العلاقات الدولية داخل البرلمان البريطاني، وقيل بأنه يعمل جاسوسا لصالح الصين. بينما حذرت بكين من المحاولات الهادفة لإضعاف العلاقات مع لندن بضغط من واشنطن.
وقفزت قضية التجسس إلى الواجهة مؤخرا، رغم أنه ألقي القبض على الباحث البريطاني وشخص آخر في آذار/مارس الماضي، بموجب قانون «الأسرار الرسمية».
وأوضحت شرطة العاصمة لندن أنه: «ألقي القبض على رجلين اثنين، أحدهما في الثلاثينات من عمره، ويقيم في أوكسفورد شاير، والثاني في العشرينات من عمره، ويقيم في مدينة إدنبرة، وأنها أجرت عمليات تفتيش أيضا في كلا العقارين السكنيين لهما، وكذلك في عقار ثالث في شرق لندن». وكان لافتا ما أعلنته الشرطة أيضا أن الرجلين نُقلا إلى مركز شرطة بجنوب لندن، ثم جرى إطلاق سراحهما بكفالة حتى أوائل تشرين الأول/اكتوبر.
ووفقا لصحيفة «صنداي تايمز» فإن الباحث كانت له علاقة بالعديد من النواب المحافظين، كما استطاع إقامة صلات مع وزير الأمن توم توغندهات ورئيسة لجنة الشؤون الخارجية أليسيا كيرنز، وشخصيات أخرى. فيما أوضحت مصادر نيابية من حزب المحافظين أن الشخص المعتقل يدعى باري جاردينر وكان يعمل كباحث منذ سنة تقريبا (داخل البرلمان البريطاني) وأن والدته تدعى كريستين لي، وتربطها علاقة ناشطة مع إدارة عمل الجبهة المتحدة التابعة للحزب الشيوعي الصيني، ولديها أيضا علاقات مع شخصيات مؤثرة في البرلمان بهدف منع النواب الآخرين من التسبب بمشاكل للنظام الصيني.
وسارعت وزارة الخارجية الصينية إلى نفي صحة ذلك الاتهام، وطلبت من لندن الكف عمما وصفته «الألاعيب السياسية المناهضة للصين، وعمليات التشهير الخبيثة ضدها».
كذلك رفضت السفارة الصينية في لندن تلك الاتهامات ووصفتها بأنها «ملفقة بالكامل وافتراء خبيث».
وجاء الرد الصيني بعدما تفاعلت القضية على أعلى المستويات، فأعرب رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك عن مخاوفه بشأن ما وصفه «التدخل الصيني». وقال متحدث باسمه: «إن رئيس الوزراء التقى برئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ خلال قمة مجموعة العشرين في الهند، وأعرب عن مخاوفه الكبيرة بشأن التدخل الصيني في الديمقراطية البرلمانية في المملكة المتحدة».
وكان سوناك قال قبل أشهر في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»: «إن الصين دولة ذات قيم مختلفة اختلافاً جذرياً عن قيمنا وتمثل تحدياً للنظام العالمي، ولهذا السبب من الصواب أن نكون متيقظين لذلك ونتخذ خطوات لحماية أنفسنا والدفاع عن قيمنا وحماية مصالحنا».
لكن عددا من حلفاء سوناك في حزب المحافظين داخل البرلمان، طالبوه باتخاذ سياسة متشددة تجاه الصين، ومن هؤلاء كان النائب المحافظ إيان دنكان سميث الذي قال: «لقد اخترقت الصين العديد من مؤسساتنا وخاصة الجامعات، والآن اخترقت برلماننا، ومع ذلك لا تزال الحكومة ترفض الإشارة إليها على أنها تهديد دائم. ونتيجة لهذا فإن الصين تنظر إلينا الآن باعتبارنا نقطة الضعف السهلة في حلف شمال الأطلسي». وشدد قائلا: «يبدو أن سياستنا تستلزم عدم إزعاج الصين. ومع ذلك، فإن اعتقال هذا الجاسوس يشكل صفعة في وجه سياسة المملكة المتحدة الضعيفة في التعامل مع الصين». ويختم قائلا: «إن حقيقة وجود جاسوس صيني في البرلمان (البريطاني) هي لحظة للتفكير مرة أخرى في سياستنا تجاه الصين».
تحالف لندن واشنطن لحصار بكين
ورغم حدة الانتقادات التي تلقتها حكومة سوناك، فلم تُقدِم على خطوة عملية لتغيير سياستها البراغماتية تجاه الصين، لكن مع التأكيد على المضي قدما إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية في مواصلة الضغط تجاه بكين على خطين، أحدهما عسكري في المحيطين الهندي والهادئ، والثاني تكنولوجي على مستوى العالم.
على الخط الأول العسكري، اتفقت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا عام 2021 على صفقة لتزويد أستراليا بغواصات تعمل بالطاقة النووية، وهي الصفقة المعروفة باسم اتفاقية «أوكوس» وذلك في إطار جهد مشترك لمواجهة القوة العسكرية الصينية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
أما على الخط الثاني التكنولوجي، فإن بريطانيا والولايات المتحدة، تُنسقان جهودهما لحرمان الصين من التقنية المتقدمة، وقامت المملكة المتحدة بإجراءات عدة بما في ذلك منع الاستثمار الصيني في القطاعات الحساسة مثل مشروع أشباه الموصلات.
ولا تقلل الصين من خطورة الخطوات البريطانية الأمريكية، لكنها تقول: «على الرغم من الخلافات القائمة بين الصين والمملكة المتحدة، فإن حقيقة بقاء باب الحوار مفتوحا على مستويات عالية، تُظهرُ عزم البلدين على توسيع المصالح المشتركة مع تعزيز التنمية المطردة وطويلة الأمد للعلاقات الصينية البريطانية ذات المنفعة المشتركة».
وخلال اجتماع على هامش قمة مجموعة العشرين في نيودلهي يوم الأحد الماضي، أبلغ رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ، رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك: «أن الصين ترحب بقيام المملكة المتحدة بتوسيع التعاون العملي مع الصين التي ترغب أيضا في تعميق التعاون مع بريطانيا في مجالات عدة مثل التجارة والاستثمار والتنمية البيئية والتبادلات الشعبية والعلوم والتكنولوجيا».
وسبق هذا اللقاء أيضا زيارة هامة قام بها إلى بكين، وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي أواخر الشهر الماضي، وهي أرفع زيارة لمسؤول رسمي بريطاني إلى الصين منذ عدة سنوات.
لكن المصادر الصينية ومنها «تشاينا ديلي» تسجل تراجعا في العلاقة، «بعد أن بدأت لندن في اتباع خط واشنطن بشكل وثيق في أعقاب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث أخذت العلاقات الصينية البريطانية في التراجع. ورغم ذلك فإن المحاولات الرامية إلى عرقلة تنمية العلاقات الطبيعية بين الصين والمملكة المتحدة لم تكن مجدية».
وتضيف: «طالما أن الجانبين يتعاملان مع خلافاتهما بشكل صحيح، ويدعمان روح التعاون المتبادل، ويحترم كل منهما المصالح الأساسية والقضايا الرئيسية للآخر، فإن العلاقات الصينية البريطانية لا تزال تتمتع بمستقبل مشرق».
وتجهد الصين للقفز فوق المحاولات الأمريكية لحصارها، أملا في تجنب تأثيرها، ولإقناع حلفاء واشنطن وخاصة بريطانيا بعدم جدوى الإجراءات التصعيدية بما فيها محاولات منع وصول الصين إلى الرقائق والأجهزة والتقنيات المتقدمة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، احتفت السياسة الصينية كثيرا بإطلاق شركة هواوي لهاتفها الجديد Mate 60 Pro الذي يعتبر أحدث هاتف ذكي من إنتاج الشركة الصينية، ورأت في هذا الإنجاز صدمة لواشنطن.
وعن ذلك كتب صحيفة «تشاينا ديلي»: لقد ادعى السياسيون في الولايات المتحدة الأمريكية قبل بضعة أشهر فقط، أن إنتاج هواوي للهواتف الذكية G5 قد توقف. وإذا كانوا يعتقدون حقاً أنه من الممكن إجهاض تقدم الصين في مجال التكنولوجيا من خلال ضوابط التصدير، فسوف يواجهون المزيد من الصدمات كهذه الصدمة». وتضيف: إنه على الرغم من أن المعالج 7 نانومتر الذي يحتوي عليه الجهاز الذي أنتجته شركة SMIC لتصنيع الرقائق الصينية، لا يزال يتخلف جيلا واحدا عن الرقائق ذات قياس 5 نانومتر المستخدمة في التكنولوجيا الأمريكية، إلا أنه يكفي لتذكير واشنطن أنه لن يتم إحباط الصين. فواشنطن تبالغ في تقدير قدراتها وتقلل من قدرات الصين، وإن تصميم الأمة وقدرتها على الوقوف على قدميها، وتحقيق الابتكارات العلمية والتكنولوجية اليوم لا ينبغي أن يكون موضع شك، فواشنطن هي التي ترفض قبول المنافسة العادلة مع الصين. ولا يمكن لها أن تحرم الدول الأخرى من حقها في التنمية».
سقف بريطاني للجم التصعيد
وإزاء تلك التطورات والسجالات الأمريكية الصينية، تجد الحكومة البريطانية نفسها معنية بتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب لكن وسط حراجة موقفها، فهي طامحة إلى توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية للظفر بالسوق الأمريكية، لكنها في الوقت ذاته تريد أن تتمسك بعلاقاتها التجارية مع الصين والبالغة 93 مليار دولار سنويا، بعدما تحررت بريطانيا من قيود التجارة بخروجها من الاتحاد الأوروبي في الأول من كانون الثاني/يناير 2021 وهذا ما قد يدفعها إلى وضع سقف للتصعيد السياسي مع بكين لكي تتجنب الإضرار بالمصالح الاقتصادية البريطانية.