مع أجراس أعياد الميلاد واستعداد العالم لاستقبال رأس السنة الميلادية الجديدة، دخل اتفاق خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، إذ توصل الطرفان قبيل انتهاء المرحلة الانتقالية التي كانت مقررة في 31 كانون الاول/ديسمبر إلى الاتفاق التجاري للبريكست.
انه اتفاق اللحظة الأخيرة كما وصفه الإعلام، إذ توصلت بروكسل ولندن إلى اتفاق تجاري لمرحلة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، هذه الخطوة أنهت شهورا من الخلافات حول نقاط مثّل بعضها عقدة لا يمكن حلها كمشكلة الصيد البحري في المياه الإقليمية البريطانية وقواعد العمل المنظمة لها في المستقبل، وسياسات الضرائب والجمارك والتعامل التفضيلي للدولة مع الشركات المختلفة الجنسية، بالاضافة إلى المشكلة الايرلندية.
إذ أن الحدود بين طرفي ايرلندا ستمثل الحدود البرية الوحيدة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، وقد أشار تقرير أعدته شركة “كوبنهاغن إيكونوميكس” الاستشارية للحكومة الأيرلندية إلى أن 40 في المئة من منتجات جمهورية ايرلندا الغذائية الزراعية تذهب إلى المملكة المتحدة، كما يمر ثلثا صادراتها عبر المملكة المتحدة للتجارة مع الاتحاد الأوروبي، والمشكلة تتمثل بما سيكون عليه وضع الحدود الدولية بين جمهورية ايرلندا، وشمال ايرلندا المقاطعة التابعة للمملكة المتحدة.
فوائد بريكست بريطانيا وأوروبيا
جاء التصريح الرسمي من 10 داونينغ ستريت “لقد انتهينا من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويمكننا الآن الاستفادة الكاملة من الفرص الرائعة المتاحة لنا” وجاء الجواب من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بقولها؛ إنه اتفاق”عادل ومتوازن”. وأضافت في مؤتمر صحافي في بروكسل؛ “كان الطريق طويلا ومتعرجا”.
ربما يعد تصريح رئيس الوزراء البريطاني التعبير الأوضح لرؤيا أنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي. ففي رسالة مصوّرة، رفع رئيس الوزراء بوريس جونسون أمام شجرة الميلاد في مقر رئاسة الوزراء في لندن مئات الصفحات التي تشكّل الاتفاق وقدّمها قائلا أنها “هدية صغيرة” للعيد، وأضاف إنّ “هذا الاتفاق يوفّر اليقين للشركات والمسافرين ولجميع المستثمرين في بلادنا اعتباراً من 1 كانون الثاني/يناير”.
بينما جاء في التصريح الرسمي من مكتب رئيس الوزراء “كل ما وعد به الجمهور البريطاني خلال استفتاء عام 2016 وفي الانتخابات العامة، العام الماضي تحقق بموجب هذا الاتفاق” وأضاف البيان “لقد استعدنا السيطرة على أموالنا، وحدودنا، وقوانيننا، وتجارتنا، ومياه صيدنا”. كما أشار إلى أن حكومة بريطانيا “قدمت هذه الصفقة الكبيرة للمملكة المتحدة بأكملها في وقت قياسي، وفي ظل ظروف صعبة للغاية”.
وأعربت بروكسل عن ارتياح امتزج ببعض الحزن والقلق من تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بالرغم من التوصل إلى اتفاق حدد الخطوط العامة لسياسات تعاطي الاتحاد الأوروبي مع المملكة المتحدة. إذ صرح كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي ميشيل بارنييه في بروكسل بالقول بعد توقيع الاتفاق “اليوم يوم للراحة، لكنها راحة ممزوجة بشيء من الحزن عندما نقارن ما توصّلنا إليه من قبل بما ينتظرنا في المستقبل”. ومن جانبها علقت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين “إنه اتفاق عادل، واتفاق متوازن، وهو الشيء الصحيح والمسؤول لكلا الجانبين، وإن الوقت قد حان لقلب الصفحة والتطلع إلى المستقبل وستظل بريطانيا شريكا موثوقا به”.
بينما قالت المستشارة الألمانية آنغيلا ميركل “إن الاتفاق أسسّ لفصلٍ جديد من علاقتنا بالمملكة المتحدة التي ستبقى شريكا مهما لألمانيا” وأضافت “تعكف الحكومة الألمانية الفيدرالية على دراسة نَصّ الاتفاق. لكننا لا نبدأ من المربع صفر؛ المفوضية تُطلعنا على سير عملية التفاوض منذ بدايتها”.
الاضرار والمخاوف والحلول
ما تزال هناك بعض المؤشرات على نقاط لم تحسم بشكل واضح حتى بعد توقيع اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبما أن 70 في المئة من التبادل التجاري البريطاني يتم عبر المدن الساحلية الفرنسية كاليه ودنكرك، فان الخوف الأكبر بريطانيا كان العرقلة التي ستشهدها عملية استيراد المواد الغذائية من دول الاتحاد الأوروبي واحتمالية تأخرها بسبب إجراءات الرقابة والاجراءات الكمركية.
لكن المعلومات التي صرحت بها رئاسة شرطة منطقة “أوت دو فرانس” في شمال فرنسا، التي تريد الحفاظ على تدفق حركة المرور لمنع تحول التدفق التجاري نحو الموانئ البلجيكية أو الهولندية طمأنت من يشعرون بالقلق حيال هذا الأمر. إذ سيتعين على الشركات القيام بإجراءات رسمية في كلا الاتجاهين، والتصريح عن بضائعها للجمارك بشكل مسبق عبر الإنترنت عن طريق النظام الإلكتروني الذي يدعى “الحدود الذكية”. كما صرحت جهات مطلعة أنه من المتوقع أن يتعين فحص ما بين 10 و 12 في المئة من إجمالي الشاحنات في مركز المراقبة البيطرية والصحة النباتية على الحدود ، كما سيتم توقيف أقل من 1 في المئة من مركبات البضائع الثقيلة على أساس تحليل المخاطر، وسيتم استخدام نظام الحدود الذكية في جميع الموانئ الفرنسية الواقعة على ساحل بحر الشمال.
نقطة أخرى كانت تمثل توترا وقلقا للشركات العاملة بين ضفتي المانش وهي التعريفة الجمركية، وقد ذلل الاتفاق المبرم مؤخرا هذه النقطة، إذ لن تكون هناك أي رسوم أو حصص على المنتجات البريطانية والأوروبية، التي يتبادلها الطرفان. وسيبقى على الصادرات البريطانية الامتثال لمعايير الصحة والسلامة التي يضعها الاتحاد الأوروبي، بينما تحكم قواعد صارمة المنتجات المصنوعة من مكوّنات مصدرها خارج المملكة المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. وقد أشادت المملكة المتحدة بغياب الرسوم كنقطة إيجابية رئيسية في الاتفاق ستساعد في الوقت ذاته في المحافظة على جزء من الميّزات التي تمتّعت بها بريطانيا أساسا كعضو في التكتل.
حصة الصيد البحري لشركات دول الاتحاد الأوروبي في المياه الإقليمية البريطانية الغنية بالثروة السمكية كانت إحدى معضلات الاتفاق التجاري للبريكست، ومثل هذا الملف قنبلة متفجرة في الحوار بين لندن وبروكسل منذ 2016 حتى الآن، فقد أصرّت المملكة المتحدة على رغبتها باستعادة السيطرة الكاملة على تجارة الصيد في مياهها الإقليمية، بينما سعت دول الاتحاد الأوروبي الساحلية من جانبها إلى ضمان حقوق الصيد في مياه المملكة المتحدة.
في النهاية، تضمن الاتفاق المبرم قبل أيام توصّل الطرفان إلى تسوية تقضي بأن تتخلى قوارب الاتحاد الأوروبي تدريجيا عن 25 في المئة من حصصها الحالية، خلال فترة انتقالية مدتها خمس سنوات ونصف. كما سيتم إجراء مفاوضات سنوية بعد ذلك على كميات السمك التي يمكن لقوارب الاتحاد الأوروبي الحصول عليها من المياه البريطانية.
ويبقى تساؤل مهم يدور في الشارع البريطاني والشارع الأوروبي حول انتقال البشر ورؤوس الأموال بين جانبي بحر المانش، ورغبة المواطنين الأوروبيين والبريطانيين في معرفة القواعد التي ستنظم وجودهم وفرص عملهم في المملكة المتحدة، وبالعكس رغبة البريطانيين في فهم الآليات التي ستتخذها دول الاتحاد الأوروبي في التعاطي مع وجودهم وأعمالهم في الأراضي الأوروبية.
فمن الواضح وفق كل جولات التفاوض أن مواطني المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لن يتمتعوا بحرية الحركة للإقامة والعمل على طرفي الحدود، إذ أكدت بروكسل على ما يلي؛ اعتبارا من 1 كانون الثاني/يناير 2021 ستتحدد “حرية حركة الناس والبضائع والخدمات ورؤوس الأموال بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي” كما أن “الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة سيشكلان سوقين منفصلين، وفضائين تنظيميين وقانونيين منفصلين. وسيخلق ذلك قيودا في الاتجاهين على تبادل البضائع والخدمات وعلى الحركة عبر الحدود”.
ويبقى ملف التعاون الأمني والقضائي والجنائي هو الملف الأخطر في اتفاق خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وستترتب على هذا الملف أولوية تبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بشبكات الإرهاب العالمية وشبكات الجريمة المنظمة الدولية، ويبدو أن لندن وبروكسل متفقتان على التمسك بالتعاون في هذا المجال نظرا لما يمثله من أولوية في المجتمعات الأوروبية التي تواجه موجات الإرهاب وضرباته المتكررة في عدة عواصم ومدن أوروبية.
وقد صرح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي بالقول إن اتفاق الخروج “يؤسس لإطار عمل جديد لإنفاذ القانون والتعاون القضائي في المسائل الجنائية وتلك المرتبطة بالقانون المدني” كما أشارت جهات بريطانية مسؤولة من جهتها إلى أن الطرفين سيواصلان مشاركة المعلومات المرتبطة بالحمض النووي والبصمات ومعلومات الركاب، كما سيتعاونان في إطار وكالة تطبيق القانون الأوروبية “يوروبول.” ويعتقد المراقبون أن أحد المحركات الأساسية التي دفعت وسرعت من خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي هي رغبة البريطانيين بتحرير نظامهم القضائي من سطوة القوانين الأوروبية الملزمة التطبيق في دول الاتحاد الأوروبي، لذلك ترى بروكسل أنها “يمكن أن تعلق التعاون الأمني في حال حدوث انتهاكات من جانب المملكة المتحدة لالتزاماتها، في ما يتعلق بمواصلة الامتثال إلى الميثاق الأوروبي”. وفي النهاية يبدو أن الطرفين ما زالا قلقين من أن “تغييرات كبيرة” مقبلة اعتبارا من 1 كانون الثاني/يناير بالنسبة للأفراد والأعمال التجارية ستظهر في أنحاء أوروبا برغم التفاؤل بتوقيع الاتفاق.