بشهادة صمت العالم العربي: هكذا حققت إسرائيل هدفها في غزة!

حجم الخط
1

كل بحث في مسألة معاني الجولة الأخيرة يجب أن يبدأ بإزالة المعضلة المفترضة ظاهراً، عن الطاولة، ألا وهي: هل كانت تصفية أبو العطا مجدية، في ضوء الثمن الاقتصادي الباهظ المتمثل بتعطيل مناطق واسعة في إسرائيل؟ رغم الانشغال المكثف في الموضوع، فإن المسألة غير ذات صلة من أساسها: من المهم أن نتذكر أن الإحباط لم يأت لتصفية حسابات قديمة، بل كان إحباطاً لنوايا وقدرات مسؤول الجهاد الإسلامي على تنفيذ عمليات بحجم كبير. لو تحققت لفرضت على إسرائيل الرد بيد قاسية، مما سيشعل جولة مواجهة مشابهة في حجمها إلى هذا الحد أو ذاك. ليست إسرائيل هي التي اختارت خيار التصعيد، بل الجهاد الإسلامي، كجزء من نمط أوسع من النشاط التي تبادر إليه ايران وتنفذه بواسطة فروعها.

إذا كان هكذا، فهل تحققت أهداف إسرائيل (في إطار فهم إدارة النزاع)؟ أولاً وقبل كل شيء: هل رمم، وإن جزئياً، الردع؟ في الوضع الذي نحن فيه، ليس هناك بل ولن تكون أجوبة غير قابلة للتأويل على هذه الأسئلة.

من حيث الجوهر، الردع هو وضع نفسي غامض وغير مستقر، وليس غرضاً مادياً يمكن أن يقال عنه بشكل ملموس إن كان موجوداً أم لا. على الرغم من ذلك، ثمة أمور يمكن الإشارة إليها: أولاً وقبل كل شيء، القرار الواضح والثابت لقيادة حماس بعدم الانضمام إلى القتال يعكس ليس فقط العداء المتبادل بينها وبين الجهاد الإسلامي، بل أيضاً يعكس الردع الذي نجحت إسرائيل في خلقه بالفعل. فلو اعتقدت حماس بأن الثمن سيكون متدنياً، ما كانت لتتردد في تثبيت موقعها كـ “الأخ الأكبر” وأخذ الصدارة في إدارة المعركة مع إسرائيل. أما إنهم لم يفعلوا فلذلك معنى عملي ورمزي بعيد الأثر.

صحيح أن رافق ذلك نوع من “الجزر” في شكل حقائب مالية من قطر وترتيبات توريد للوقود والبضائع من إسرائيل: ولكن تتعاظم الرسالة في ذلك. منظمة أقيمت قبل 30 سنة لغاية كفاح جهادي لإبادة إسرائيل، لم تقترب بصفتها هذه من تحقيق أهدافها، وتنطوي حالياً، عملياً، في نوع من “الهدنة” المتواصلة – مقابل الاحتياجات المادية للسكان الخاضعين لإمرتها.لإسرائيل ولغيرها مصلحة في ذلك. وفي إطار ذلك، ثمة علامة استفهام حول شرعية الإسلام السياسي الراديكالي كطريق أيديولوجي، بينما في الوقت نفسه تتراكم آثار أحداث أخرى، بما فيها تصفية أبو بكر البغدادي.

بالنسبة للجهاد الإسلامي نفسه، فهو يدعي أنه “انتصر” وفرض معادلة جديدة، ولكن الدخول في دائرة المفاوضات مع مصر كان يعني أن اسرائيل حققت هدفها الأساس. فالتعهد بوقف النار معناه أن التنظيم يتخلى – تحت الضغوط المتداخلة من مصر وحماس، وبأثر خسائره أيضاً– عن نيته في إثارة، بتكليف من ايران، استفزازات متزايدة التعاظم. وكما أسلفنا، كان يفترض بهذه أن تتداخل مع محاولات النظام في طهران لهز المنظومة الإقليمية والدولية لفرض مفاوضات نووية متجددة وفقاً لشروطها والخروج من الضائقة الاقتصادية المحتدمة عقب العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب. إذا كانت الحملة أدت، حتى ولو لفترة زمنية محدودة، إلى شطب قدرة الجهاد الفلسطيني على تقديم خدمات من هذا النوع لأسياده في طهران، فإن خطوات إسرائيل تكون قد خدمت جيداً مصلحتها الاستراتيجية ومصلحة غيرها، وصمت العالم العربي يثبت ذلك.

أمام كل هذا يقف ادعاء زعيم الجهاد الإسلامي، زياد النخالة، بأنه “حقق” تنازلاً إسرائيلياً في مسألة إطلاق النار الحي في أثناء المواجهات على الجدار. ولكن المعنى العملي لهذا “التنازل” محدود. فعلى أي حال لا يستخدم الجيش الإسرائيلي النار الحي إلا بانعدام الخيار، والكثير منوط الآن بالطريقة التي سيعمل فيها رجال حماس أيام الجمعة القريبة المقبلة. فإذا لم تكن لهم بالفعل مصلحة في المواجهة، مثلما أثبتت سلوكهم في أحداث الأيام الأخيرة، إذن فلديهم مصلحة في تفعيل اللجم كي لا يضعوا وقف النار قيد الاختبار.

بقلم: د. عيران ليرمان

رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن

نائب رئيس الأمن القومي ومسؤول كبير في شعبة الاستخبارات سابقاً

اسرائيل اليوم 15/11/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية