بشير السباعي… ليل السجن ونوافذ الحياة

كثيرا ما أفكر في ألم ما الذي جعلني أحب الكتابة وتفتح لي هذا العالم الواسع من المعرفة والبشر. ألم يكن أفضل لو ظللت إنسانا عاديا يذهب إلى عمله ويعود إلى بيته يمضي وقته بين أسرته وتنحصر معارفه فيها وبعض الأصدقاء من الجيران. لم يكن هذا السؤال أبدا بسبب العنت والأمور الصغيرة التي يقابلها المثقف من بعض الأغبياء من أبناء المهنة، الذين يحلو لهم إغلاق الطرق على الموهوبين أو التنافس غير الشريف من أجل أشياء زائلة مثل المال أو المنصب. هذه الأمور في كل الحِرف لكن قسوتها تزيد قليلا في عالم الكتابة، ليس لاختلافها لكن لحساسية الكاتب المبدع الحقيقي الزائدة، فهو يتصور أن العالم كما يكتبه، لا كما هو عليه. تفكيري في ما لو كنت مواطنا عاديا سببه هو كثرة الفقد من الأعزاء والأحباء. ففي كل شهر وأحيانا كل أسبوع وأيضا كل يوم تسمع عن فقد كاتب أو فنان عرفته يوما، أو صادقته، وفي كل الأحوال أحببته. ففي شهر واحد تقريبا في مصر افتقدنا ثلاثة من أجمل الناس هم الفنان محمود الجندي، ثم المخرج الفنان سيد سعيد، وأخير المترجم والإنسان النبيل بشير السباعي. كنت أحب محمود الجندي وأعرف أنه أيضا مثقف جميل، وكنت أحب سيد سعيد الزاهد الفنان المُجدِد في السينما. ثم وقع عليّ خبر وفاة بشير السباعي كالصاعقة فهو الأكثر فيمن رحلوا ممن التقينا معا، ربما لأربعين سنة.
كان بشير السباعي أكبر من كونه مترجما أو كاتبا لأعمال عظيمة، فاقت الستين كتابا من أجمل كتب العالم كأنه كان وحده يريد أن يقيم وطنا. لقد كان صاحب تجربة سياسية كبيرة فكان تروتسكيا تلتف حوله دائما جماعة من التروتسكيين يتمتعون بأكبر قدر من الثقافة والمعرفة، ولم يغيبوا أبدا عن النضال السياسي مؤمنين بالثورة الدائمة. لكن بشير كان من بينهم المترجم والكاتب، الذي يقيم معبدا من الفكر إلى جوار مشاركاته السياسية. كنت أعرف أنه مولع بغير المألوف وأحب ذلك جدا فيه فهو باحث في تاريخ الفن في مصر عن جماعة السيرياليين، أو جماعة الفن والحرية الذين تقريبا كانت مصر نسيتهم لولا جهود بشير في إحياء أسمائهم وذكراهم وشخوصهم وشعرهم وفنونهم. لقد كان تروتسكي صحافيا وناقدا ومؤرخا وباحثا وقريبا في منفاه من الحركة السيريالية، رغم أنه مؤسس الجيش الأحمر بعد الثورة البلشفية ومعلن الأممية الرابعة إلا أنه من بداياته كان سابقا على كل قيود الفكر، ومن ثم هو ملهمهم. كان بشير باحثا عن النبض الخارج عن العادي، الذي لا يفصل مصر عن روح التمرد في العالم كله. ينقب بين الأدغال باحثا عن النفيس. جلسات كثيرة جمعتنا في مقهى ريش والبستان لم يظللها إلا الابتسام والأمل، ويوما ما في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، كان يأتي إلى مقهى البستان، الراحل أنور كامل آخر من بقي من جماعة الفن والحرية، أو الخبز والحرية، كما صارت تعرف في ما بعد. كان عجوزا جميلا – توفي عام 1991-ولايزال على أمل في تغيير العالم، يطبع ورقات قليلة بأفكاره عن الفن والحياة، لم يطل طبعه لها، إذ توفي لكنه كان حين يأتي يختار الجلوس جوار بشير كأنه وجد في هذا العالم شاطئا بعد أن عاشت هذه الجماعاة مع السيرياليين منشقة هامشية، وأبدعت في الفن والفكر والشعر أجمل إبداع.

كان بشير السباعي أكبر من كونه مترجما أو كاتبا لأعمال عظيمة، فاقت الستين كتابا من أجمل كتب العالم كأنه كان وحده يريد أن يقيم وطنا.

كنت أعرف أن بشير هو ملاذ لأنور كامل حين يأتي. كنت حريصا على أن أقرأ أكثر ما أستطيع من ترجمات بشير السباعي فدائما سأجد الجديد فيها في التاريخ والسياسة والفن والأدب. إليك القليل جدا من العناوين: «الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث في لبنان وسوريا ومصر» تأليف ز.أ. ليفين. و«استعمار مصر» مع المترجم أحمد حسان لتيموثي ميتشيل «وفتح أمريكا» لتزفيتان تودوروف و«الحملة الفرنسية في مصر» لهنري لورانس وآخرين و«خطاب الأفندية الاجتماعي» لزكاري لوكمان. و«المملكة المستحيلة. فرنسا وتكوين العالم العربي الحديث» لهنري لورانس و«افتح أبواب الليل» لجويس منصور و«هوية فرنسا» لفرنان برودل و«الفرنسيون والمصريون في القاهرة» لأندريه ريمون و«بين كتبة وكتاب ـ الحقل الأدبي في مصر المعاصرة «لريشار جاكمون والقائمة طويلة وأكثرها يدور حول الغائب عن الفكر الشائع، في مفاهيم الدولة والحداثة والعنصرية والطائفية وتاريخ الأديان والشعوب والشخصيات الشهيرة. الحديث يطول في ما أنجزه أو أبدعه فلم تكن الترجمة عنده غير إبداع ومحاولة لتغيير بؤس العالم من حوله. ثم شاءت هذه العلاقة التي لم تنقطع أن تجمع بيني وبينه في ظلام مفاجئ في يناير/كانون الثاني عام 1885 حيث فوجئت عند الفجر بالباب يدق ويتم القبض عليّ. كان التراث الأمني في مصر منذ العهد الناصري أن يتم القبض على المثقفين مع فجر أول يناير والتهمة الشائعة هي الشيوعية. كنا ضد تواجد إسرائيل في معرض الكتاب، وصارت هذه آخر سنة تشارك فيها إسرائيل في المعرض حتى الآن. كانت مفاجأتي أن نُسبت إلى التروتسكيين بسبب كتاب إسحق دويتشر عن تروتسكي، الذي كان من بين مقتنياتي. بينما كنت يوما مع الحزب الشيوعي المصري، وكنت ابتعدت تماما عن هذا العمل السري منذ سنوات، بعد أن استفدت منه خبرات ستتحول إلى كتاب أدبي لا إلى شيء آخر يوما ما. ولقد حدث في روايتي «هنا القاهرة» أن فعلت ذلك بعد أكثر من ربع قرن. كنا أكثر من عشرين شخصا بين أدباء فنانين في عنبر كبير، وكان بشير هو حارس الليل. فالليل طويل لا يمر. نقطع النهار بلعب الشطرنج والقراءة، لكن الليل لا يمر حتى أني كتبت قصة قصيرة في ما بعد كان عنوانها «الليل نام». كان الليل حولنا نائم لا يشعر بيقظتنا وقلقنا. وكان بشير هو المتحدث الرئيسي كل ليلة عن الثورات في العالم، وعن قادة الفكر وعن كل ما يعرفه من غير المتوافقين مع المجمتعات، ورغم أن بيننا الكثيرين ممن يهتمون بما يتحدث فيه، لكننا كنا نستمع إلى بشير في هدوء ومحبة وحديثه هو الدفء المقبل من السماء في ليال باردة، ويمضي معظم الليل بنا سعداء يفصلنا عن العالم وعن عبث القبض علينا. والحقيقة لم يطل هذا السجن. تم الإفراج عني بعد أكثر من عشرين يوما أنا واثنين أو ثلاثة وعن الباقين بعد اكتمال شهر، مع أول جلسة محكمة كانت حيثيات القاضي فيها أن وزارة الداخلية تتهم كتابا لا يملكون إلا ورقة وقلما. وحكم بالإفراج عن الجميع من سرايا المحكمة. رحمك الله يا بشير الأمل والمستقبل ستظل أعمالك رائدة وبسمتك حولي في النور والظلام فأنا على يقين أنك بما أنجزت لم تعش خمس وسبعين سنة ولكن عشتَ ألف عام!

٭ روائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية