يكاد يكون محمود رضا، الفنان الوحيد الذي وضع أطر ومحددات للفن الاستعراضي الشعبي في البر المصري كله، فقبل ظهوره في خمسينيات القرن الماضي، كان هناك خلط بين الرقص البلدي بشكله المثير والمُستهجن، والرقص الإيقاعي المدروس وفق قواعد علمية، تخضع لمنهج وأسلوب يوازن ما بين الابتكار الفني ولغة الجسد، في التعبير عن ثقافة المجتمعات البيئية، وما يسفر عنها من إبداعات الحضارة والفلكلور الشعبي، المرتبط بالعادات والتقاليد، والمميز للجغرافيا والتاريخ، باعتباره نمطا ثقافيا يتحدد بالميول والرغبات والمواهب، التي تفرزها البيئات المختلفة، وتنشأ على أثرها الفروق الجوهرية بين الفنون الإقليمية.
ولد الفنان الراحل محمود رضا عام 1930، وتخرج في كلية التجارة عام 1954، وقد تأثر في فترة التكوين الثقافي والمعرفي، بشقيقة الأكبر علي رضا، الذي كان يهوى الموسيقى والاستعراض، ويميل بطبيعته للفن الشعبي فحذا حذوه في التعلق والارتباط بالألوان الفنية الفريدة، بينما خالفه في الاتجاه والتطبيق، حيث لم يقنع بمجرد الممارسة لهواية الرقص، وإنما ذهب إلى تعميق الموهبة بالدراسة والعمل بها، من خلال نظام مؤسسي يقوم على استقطاب الموهوبين وتدريبهم، وتكوين فرقة متخصصة في هذا الصنف من الإبداع على وجه التحديد، لاسيما بعد رحيل نعيمة عاكف في سن صغيرة، وخلو الساحة تماماً من أي منافس.
وبالفعل تأسست الفرقة، التي حملت اسمه وبفضل نشاطه الفارق ذاع صيتها، وأصبح لها كيان فني كأول فرقة تعتني بتقديم التابلوهات الشعبية الاستعراضية، وتهتم بنقل الثقافات المختلفة من جموع الأقاليم، شمالاً وجنوباً، فتصبح الأكثر توثيقاً للفن الشعبي بمكونه الموسيقي والغنائي، وفي غضون سنوات تحتل فريدة فهمي بطلة الفرقة المكانة الجماهيرية والشعبية لنعيمة عاكف، ليتجدد مره أخرى تراث الرقصات الفلكلورية، ويتعرف الجمهور المصري والعربي على أشكال وألوان من الإبداع الاستثنائي المجهول، كرقصة الحجلة والتحطيب والسامر والبمبوطية والنوبة والمراكبي، وغيرها من تشكلات الإبداعي البيئي والإقليمي النادر والنفيس.
تبلورت رحلة الفنان الراحل محمود رضا وموهبته، لتضيف مكوناً خاصاً لمكونات الفن الشعبي، بمواصفاته المصرية الاستعراضية بطابعها المميز وماركتها المُسجلة.
وبعد سنوات من الشهرة الواسعة لفرقة رضا وأبطالها، تحدث عملية التأميم عام 1961، وتدخل نشاطاتها الفنية ضمن اختصاصات وزارة الثقافة المصرية، ويتم تعيين محمود رضا وفريدة فهمي عنصرين مهمين من عناصر الإدارة والإشراف الفني، بوصفهما مؤسسين ومتخصصين، وبالتكليف المباشر والتنسيق مع قيادات وزارة الثقافة، تقدم الفرقة عروضها على مسرح متروبول وسط القاهرة، وينضم المايسترو علي إسماعيل للفرقة مسؤولا رئيسيا عن تلحين الأغاني الاستعراضية، وقائداً للفرقة الموسيقية المصاحبة، وهنا تدخل الفرقة وأعضاؤها المختارون من خريجي الجامعات والمعاهد العُليا مضماراً جديداً، فقد أصبحوا في حكم السفراء المفوضين من الدولة، لتقديم الثقافة النوعية المختلفة للجماهير العريضة داخل وخارج البلاد كنوع من مد جسور التواصل بين العاصمة والأقاليم من ناحية، ومن ناحية أخرى تحقيق المُستهدف من انفتاح مصر على الثقافات الأخرى للدول الشقيقة والصديقة، العربية وغير العربية تماشياً مع سياسة المد الثقافي، التي كانت مُتبعة آنذاك لتوطيد العلاقات السياسية والدبلوماسية.
وبناءً على ذلك أسفر التعاون الإبداعي ما بين علي إسماعيل ومحمود رضا وفريدة فهمي عن تكوين أوركسترا من كبار العازفين والموسيقيين، لتقديم عدد من الأوبريتات ذات المستوى الفني والموسيقي المُبهر، والتكلفة المادية الكبرى، حيث تم رصد ميزانية وفيرة لكافة النشاطات اللازمة لإنجاز الأعمال الفنية، كالديكور والملابس والإكسسوارات، وأحدث وسائل الإضاءة والتأثير، ما أدى إلى تطور الفرقة تطوراً ملحوظاً، وجعلها واحدة من الفرق الدولية المهمة في مجال الفن الاستعراضي الشعبي، فقد خرجت عملية التوظيف الإبداعي عن إطارها المحلي الإقليمي لتصبح عابرة بالثقافة المصرية للقارات الثلاث، أسيا وافريقيا وأوروبا، وينسى محمود رضا بتأثير النجاح الكبير غُصة التأميم التي أصابته في بادئ الأمر، ويُصبح فخوراً بما أنجزه في ظل رعاية الدولة لمشروعة الثقافي المهم.
ويحصل بموجب تفوقه على عدد من الجوائز الذهبية من مهرجانات دولية وعالمية، وتُمنح الفرقة عن جدارة شهادات تقدير للكفاءة والتميز.
ولا شك في أن السينما كان لها دور بارز في بلورة المسيرة الفنية وحفظ التراث الغنائي والموسيقي والاستعراضي، الذي حوته أفلام مهمة شكلت علامات أساسية على طريق التنوير والتثقيف، وربطت الجمهور بالميراث الحضاري، ويأتي أشهرها متمثلاً في التجارب السينمائية الآتية.. «لا تذكريني ـ وفاء إلى الأبد ـ إجازة نصف السنة ـ غرام في الكرنك ـ حرامي الورقة ـ عروسة وجوز عرسان».
وهكذا تبلورت رحلة الفنان الراحل محمود رضا وموهبته، لتضيف مكوناً خاصاً لمكونات الفن الشعبي، بمواصفاته المصرية الاستعراضية بطابعها المميز وماركتها المُسجلة.
٭ كاتب من مصر