«بطل» للإيراني أصغر فرهادي: تناقضات مجتمعية تكشفها حفنة عملات ذهبية

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

كان ـ «القدس العربي»: في فيلمه «بطل»، المنافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي في دورته الرابعة والسبعين (6 إلى 17 يوليو/تموز الجاري) يزج بنا المخرج الإيراني أصغر فرهادي في أعماق معضلة أخلاقية كاشفة، تميط اللثام عما يعتمل في نفوس أبطاله، كما تكشف الكثير عن المجتمع الإيراني ذاته. يذكرنا «بطل» بفرهادي في فيلميه «انفصال» (2011)  و»عن إيلي» (2009)، اللذين تكشف فيهما أزمة صغيرة معدن الشخصيات الرئيسية، وتختبرهم كما تختبر المجتمع بأسره وتكشف ما يعتمل فيه من أزمات أخلاقية ومتناقضات.
يلقينا فرهادي في اليم منذ بدء الفيلم، أو ربما يلقي لنا خيطا نتشبث به، ونحن نوشك على الغرق. البداية هي العثور على حقيبة تحوي عددا من العملات الذهبية، عملات لن تجعل من يجدها صاحب ثراء واسع، ولكن بمقدورها أن تنتشل من عثر عليها من ضائقة مالية زجت به في السجن. يختبرنا الفيلم ويجعلنا نتساءل ترى ماذا سيكون تصرفنا إذا عثرنا على هذه الحقيبة؟ يزج بنا فرهادي في آتون اختبار أخلاقي صعب، ويضعنا وسط أزمة إنسانية موجعة.
يبدأ الفيلم بشاب يبدو على قسماته الإجهاد والإعياء والحزن، يغادر السجن. ولكن هذه النظرة المليئة حزنا وانكسارا لا يمكن لها أن تكون لشاب في مقتبل العمر حصل على حريته بعد فترة أمضاها في السجن. سنكتشف لاحقا أن هذا الشاب الذي تحلقت عيناه بالأسود، جراء الإجهاد هو «رحيم» (أمير جديدي) في أداء مميز للغاية، الذي يغادر السجن في عطلة بموافقة سلطات السجن، والذي يتوجب عليه العودة بعد يومين لاستكمال عقوبته. رحيم في السجن لعدم قدرته على سداد دين، وكل ما اقترفه من ذنب هو افتقاره للمال لسداد دينه. فور وصول رحيم إلى بلدته شيراز، يذهب مباشرة للقاء الوسيط بينه وبين دائنه، ليعده أنه يستطيع تدبير جزء كبير من قيمة الدين. يحدو رحيم الأمل في تجنب العودة للسجن، بعد أن عثرت حبيبته «فرخندة» (سحر غولدست) في الطريق على حقيبة امرأة تضم عددا من العملات الذهبية. يمني رحيم نفسه بالعودة إلى ابنه من زواج سابق وإلى حياته وحبيبته بعد سداد الدين، ولكن الأمر ليس بالسهولة التي يتخيلها.
نكتشف لاحقا أن العثور على العملات الذهبية تلك ليس حلا للمشكلة السابقة، بقدر ما هو معضلة أخلاقية، واختبار لرحيم وللمجتمع بأسره، وفي عصر تتحكم فيه شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت ووسائل الإعلام، فإن مصير رحيم ليس مرهونا فقط بسداد دينه أو الإخفاق في ذلك، بل يتحكم في مصيره الصورة التي تُخلق له في وسائل الإعلام وفي شبكات التواصل الاجتماعي. نكتشف لاحقا أن رحيم لا حول له ولا قوة في تشكيل مصيره الخاص، بل هو صنيعة شبكات التواصل الاجتماعي، التي بإمكانها أن تصوره ملاكا أو تحوله إلى شيطان، وبإمكانها أن تصوره بطلا أو تطيح به أرضا وتلطخه بالوحل.
يحاول رحيم في بادئ الأمر بيع العملات الذهبية لسداد الدين الذي أثقل كاهله وزج به في السجن، ولكنه بعد اكتشاف أن قيمة العملات لن تكفي لفك كربه، يقرر أن يبلغ الشرطة عن عثوره على الحقيبة حتى تعيدها إلى صاحبتها. ومنذ قراره إعادة الحقيبة يتحول رحيم المسكين إلى دمية في يد وسائل الإعلام والرأي العام، اللذين يرفعانه إلى مصاف الأبطال ليهويا به إلى الأرض. بعدما يقرر رحيم إعادة الحقيبة تثني عليه إدارة السجن، حيث يمضي عقوبته، وفي محاولة منها لتجميل صورة السجن بعد انتحار أحد السجناء، تقرر إدارة السجن الاتصال بوسائل الإعلام للإشادة بالسجين الأمين، الذي تخلى عن الذهب ولم يغره بريقه حتى يعيد الحق إلى أصحابه. وبين ليلة وضحاها يتحول رحيم إلى بطل صنعته وسائل الإعلام ولمعت صورته، وأغدقت عليه من الاهتمام الكثير. ولكن صورة رحيم التي صنعها الإعلام لها من التداعيات الكثير على رحيم وعلى المحيطين به.
لا يصور فرهادي الأمور الأخلاقية كأبيض وأسود، فهو يعلم أن الكثير من الأمور ملتبسة، وأن النفس البشرية يتنازعها الخير والشر والخطأ والصواب. لكن ما لا فرار منه هو أن أي قرار له تبعاته الأخلاقية والإنسانية. تتلقف شبكات التواصل الإعلامي رحيم وحركاته وسكناته، ويصبح كل ما يقوله أو يفعله محل تقييم وتفسير وتحليل، ولكن ما يعني رحيم حقيقة هو تسوية دينه والخروج من محبسه، ليكون قرب ابنه والمرأة التي يحب. تتقاذفه الأيدي، فثمة من يعده بعمل، وثمة من يجمع التبرعات ليسد بها دينه، وتتقاذفه القناعات الأخلاقية والدينية لمن يحاولون مساعدته، ليضيع هو وسط كل هذه التفسيرات لأفعاله. لا يملي فرهادي علينا وجهة نظر إزاء موقف رحيم من العملات الذهبية، التي عثر عليها، ولا يلقي علينا عظات أخلاقية، بل يجعلنا نتساءل فقط: ترى ماذا كنا سنفعل لو كنا في معضلة رحيم؟ ترى ماذا كنا سنفعل لو وجدنا العملات الذهبية؟ ترى كيف سنتصرف حيال صورتنا التي تعبث بها الأيدي في وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي؟
يصور فرهادي، في عصر شبكات التواصل الاجتماعي، تحول الجميع إلى قضاة وجلادين، يوزعون العقاب هنا وهناك، ويدينون هذا أو ذاك أو يرفعونه ويعلون من شأنه ثم يعودون وينقلبون عليه. كل الذين يتعامل معهم رحيم يخضعونه لمعاييرهم الشخصية للصواب والخطأ، ويخضعونه لمصالحهم وتحيزاتهم الشخصية ومعاييرهم الأخلاقية، وهو لا حول له ولا قوة، إلا في الكلمات وفي محاولة استمالة الجميع، حتى ينجو من الذل والسجن. يحاول رحيم قدر جهده أن يخطب ود ذلك الرجل الذي يدين له بالمال، ويحاول أن يستدر عطفه، ويحاول أن يتعامل مع الأضواء التي سُلطت عليه، ولكنه بشر يخطئ ويصيب ويتعثر، حتى ابنه الصبي الصغير لم يسلم من الأذى المعنوي، وفي مشهد نحسبه أكثر مشاهد الفيلم تأثيرا نرى الصبي الصغير يتلعثم باكيا أمام الكاميرا في محاولة لقول كلمات منصفة لأبيه، كلمات تنقذه من إدانة الناس له.
بطل فرهادي ليس بطلا خارقا، بل بطولته تكمن في إنسانيته، وفي عدم انهياره وسقوطه، وسط كل هذا الكم من التدخل في حياته. بطل هو من يحتفظ بعقله وإنسانيته وسط حمى الرأي العام، ووسط مجتمع ينصب نفسه قيّما على أفعاله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية