المتتبع اليومي لما تقدمه المواقع العربية الإلكترونية والمحطات الفضائية سيجد أن الدسم الرئيس في المحتوى وما يجري طرحه وتناوله يكمن في السجال والخصام والكلام الذي يفتقد للفائدة.
وتحتل سجالات الربيع العربي خاصة وحرب الخصوم، حصة الأسد في تلك السجالات مع غياب واضح لأي تغطية لأي إنتاج للمعرفة أو تغطية لإنجازات أو إبداعات معرفية أو ثقافية تذكر.
وبهذا من السهل أن نستبدل المقولة العربية الشائعة ‘قـــــل لي من هم أصدقاؤك لأقل لك من أنت’، بمقـــــولة ‘قل لي أية مواقع ترتاد وأي المحطات التلفزية تتابع لأقول لك ما الذي تخسره’، من اطلاعٍ على علم ومعرفة يقدمها عالم من الذين لم يبتلهم الله بجهلٍ وحروبٍ وفتن وصراع المصالح والكراسي والمال والسلاح والبترول.
العالم العربي هو بطل العالم بالكلام وبامتياز كبير، إذ انه ومنذ عقود خلت لا يقدم للبشرية إنتاجا معرفيا يذكر، كونه يدفع اليوم فواتير الأمس من تخلف وفقر وحروب عدة، بينما يقدم أبناؤه في المهجر انتصارات نوعية متميزة في مواطنهم الجديدة. حتى المؤتمرات والاجتماعات لا يتعدى الكثير منها حديثاً لا يعدو كونه، وحسب المقولة الشائعة، ‘كلاما في كلام’ وفرصة للسياحة السياسية للبعض واستعراضا لبعض الظواهر الصوتية. أناس يتقاتلون ليرفعوا أيديهم للكلام، وإذ بهم يكررون من سبقهم دونما فائدة ودونما إجماع ودونما قرار. وحتى وعندما يؤخذ القرار فإنه وفي معظم الحالات يبقى حبراً على ورق إلا تلك القرارات التي تتبناها الزعامات فتنفذها أو القرارات التي تتقاطع مع رغبات العالم الذي يريد أخذها وتنفيذها.
لقاءات تلو اللقاءات وعلى الفضائيات ومن دون الفضائيات يحتدم فيها السجال والنزاع وصولاً إلى التشهير والتنكيل المعنوي بتهمٍ جاهزة وأحكام غيبية عدمية مطلقة دونما دليل ولا تمحيص.
أما الخطب فمليئة بالشعارات و’الكليشهات’ غير المفهومة والمفردات الجوفاء. فما المقصود بالقول: ندعو العالم إلى تحمل مسؤولياته مثلاً؟ وما الفائدة بأن يقال ان ‘كذا’ خطٌ أحمر بعد أن تكون الخطوط الحمراء والقرمزية وما في حكمهما قد انتهكت ومزقت؟ وما المقصود بالدعوة لأن يكون فلان على مستوى الحدث؟ أو أن يغلب المصلحة الوطنية العليا؟ كلام أجوف يملأ الفضاء أمام جمهورٍ استملكه اليأس بشكل بات فيه هذا الكلام أسطوانة مشروخة وحديثاً ممجوجاً لا يحمل أي معنى.
لذا فإن الكلام بغرض الكلام لا يقدم سوى وسائل لإعاشة أصحابه أمام جمهورٍ تعود أن يتمترس مقابل الشاشات داعياً ربه أن يأتيه خبر يشرح الأسارير فلا يأتي.. وربما لن يأتي إلى حين!!
‘ كاتب فلسطيني