سرعت إسرائيل في الأسابيع الأخيرة -حسب وسائل إعلام أجنبية- سلسلة هجماتها ضد إيران؛ فبعد سلسلة من هجمات الكوماندو ضد ناقلات النفط التي هربت النفط إلى سوريا، حدث انفجار أيضاً في سفينة قيادة لحرس الثورة الإيراني في البحر الأحمر، وكان شخص ما قد خبأ في منشأة نطنز النووية قنبلة أدت إلى حدوث ضرر بالغ لأجهزة الطرد المركزي التي تخصب اليورانيوم، بعد فترة قصيرة من احتفال الإيرانيين بالذكرى السنوية للنووي الوطني.
إذا كانت هذه الهجمات قد استهدفت حرف أنظار الإيرانيين عن طريقهم وفرض تنازلات عليهم في المفاوضات التي تم استئنافها بشأن الاتفاق النووي، يصعب العثور في الوقت الحالي على دليل بأن هذا الأسلوب هو أسلوب ناجح. إضافة إلى ذلك، يبدو أن الدول العظمى أيضاً غير مقتنعة. حتى أعضاء طاقم المفاوضات الإيراني وممثلو الولايات المتحدة يبلغون عن تقدم في المحادثات في فيينا التي هدفها إعادة الأمريكيين إلى الاتفاق.
ولكن في بيروت، أبلغت وكالة الأنباء الروسية (المشكوك فيها) “سبوتنيك” باللغة العربية، أن روسيا وإيران قد اتفقتا على إقامة غرفة عمليات مشتركة تضمن تحرك السفن إلى روسيا في البحر المتوسط. وإذا تبين أن هذا النبأ صحيح فستجد إسرائيل صعوبة في الاستمرار بالهجمات التي يمكن أن تعرض قواتها للخطر من خلال احتكاك محتمل مع السفن الروسية. وهذه التطورات تدل على أن إسرائيل، رغم قدرتها التنفيذية المثيرة للانطباع التي تعرضها، لا تلعب في ملعب فارغ ولا يمكنها وحدها إملاء سير الأحداث. وإيران ليست الوحيدة التي تملك استراتيجية خاصة بها وقدرة على التمسك بحزم بأهدافها؛ فالدول العظمى أيضاً لا تخضع اعتباراتها لجدول أعمال رئيس الحكومة نتنياهو.
من ناحية إيران، تولّد هنا تراكم لنشاطات إسرائيلية، التي ستقتضي رداً في هذه المرحلة أو في مرحلة أخرى. ولكن في الوقت نفسه، هناك هدف استراتيجي تصمم القيادة في طهران على تحقيقه، وهو عودة أمريكا إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات التي فرضت على إيران وضمان وجود اتفاق لا يضع قيوداً متشددة على البرنامج النووي، وكل ذلك له أولوية مقارنة مع إغلاق الحسابات. وإذا كان المدى اللازم للاختراق الإيراني لإنتاج قنبلة نووية قد تم تقديره عند التوقيع على الاتفاق في 2015 بسنة على الأقل، فإن مراكمة اليورانيوم المخصب الآن (من خلال خرق الاتفاق) تقلص هذا المدى إلى بضعة أشهر.
حسب كل الدلائل، تصمم الولايات المتحدة على مواصلة السير في القناة الدبلوماسية بهدف التوقيع على اتفاق جديد، وهو الهدف الذي وضعه بايدن عند تسلمه منصبه في كانون الثاني الماضي. وصفت صحيفة “واشنطن بوست” العلاقة بين بايدن ونتنياهو في نهاية الأسبوع بأنها “أقل دفئاً” من العلاقة مع الإدارة السابقة، وأشارت إلى أن هجوم نطنز حوّل الخلاف بين الطرفين إلى مشكلة كبيرة. إن عملية إسرائيل، كما تقول الصحيفة، ينظر إليها كعملية تخريب تهدف إلى المس بالمفاوضات بين إيران والدول العظمى. كل ذلك يحول العلاقات مع إسرائيل إلى مسألة شخصية بالنسبة لبايدن، الموضوعة مكانته الآن على كفة الميزان؛ لأنه وعد بالعودة إلى الاتفاق النووي في حملته الانتخابية. في الخطاب الذي ألقاه عشية يوم الكارثة، عاد نتنياهو وهاجم الاتفاق الآخذ بالتبلور، وأعلن بأن إسرائيل لن تكون ملزمة به. وهو لم يقل إذا كانت إسرائيل ستواصل العمل من أجل التشويش على التوقيع عليه أو تطبيقه.
تظهر في هذه الأثناء شروط في التحالف المناهض لإيران. تم التحدث كثيراً في السنوات الأخيرة عن التقارب بين إسرائيل والسعودية والإمارات، بتشجيع من إدارة ترامب. بل إن الأمور قد انتهت مع الإمارات والبحرين باتفاقات تطبيع كاملة مع إسرائيل في السنة الماضية. ولكن يبدو أن السعودية تشم رائحة التغيير الإقليمي الذي يلوح في الأفق وتعمل وفقاً له. أمس، كتبت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية بأنه وللمرة الأولى منذ خمس سنوات جرت محادثات مباشرة بين شخصيات سعودية وإيرانية رفيعة المستوى بوساطة العراق على خلفية استبدال إدارة واشنطن واستئناف المحادثات النووية.
في هذه الأثناء، تم تسجيل حادثة مهمة، فللمرة الأولى منذ بضعة أشهر عقد في القدس الكابنت الأمني لمناقشة التطورات في الموضوع الإيراني. حدث هذا بعد ضغوط شديدة استخدمها وزير الدفاع بني غانتس، والمستشار القانوني للحكومة افيحاي مندلبليت. وربما يعتقدان مثل كثيرين آخرين بأن إسرائيل تُجر إلى تغيير دراماتيكي في السياسات تجاه إيران دون توضيح الأمور بدرجة كافية. ولكن الحقيقة التالية تخبرنا عن جدية هذه الهيئة في ظل وجود حكومة انتقالية أبدية: تم أمس الاتفاق على أن الوزير يوآف غالنت والوزيرة ميري ريغف سيمثلان الليكود في الكابنت على التوالي، مرة هو سيكون عضواً وهي مراقبة، ومرة أخرى العكس. حل منطقي بعد كل شيء: الجنرال احتياط، الذي كان يمكن أن يصبح رئيساً للأركان وكان مطلعاً على أسرار إسرائيل الخفية يعادل في أهميته المسؤولة الأولى عن البروتوكولات الاحتفالية. ولكن هذا الأمر ربما يدل على أن نتنياهو يعطي لموقفهما، مثلما لمواقف وزراء الليكود الآخرين، درجة مساوية من الأهمية (صفر تقريباً).
وأجري مع جدعون فرانك، رئيس لجنة الطاقة الذرية السابق، مقابلة إذاعية أمس في برنامج الظهيرة في “كان ب”، وقال إنه لا يرى في هذه الأثناء أي تفكير استراتيجي في إسرائيل في الموضوع الإيراني. ولا يرى سوى تفكير تكتيكي. ويعتقد أن على إسرائيل أن تركز على محاولات التأثير على مواقف الولايات المتحدة في المفاوضات، وليس على تثبيت حقائق على الأرض. سألته الصحافية مجرية المقابلة، إذا كان قلقاً. “قلق جداً”، أجاب فرانك، ويبدو أن إجابته تمثل أيضاً عدداً كبيراً من المتقاعدين الكبار الذين يتابعون بدهشة معينة تصل إلى درجة الذهول، أحداث الأسابيع الأخيرة.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 19/4/2021