بن كسبيت هو الوسط الإسرائيلي. له بيت في “هود هشارون”، وهو عدو ليانون مغيل، وصحافي ذو علاقات، ومهم وناجح. في نهاية الأسبوع، كتب مدير عام “نحطم الصمت”، افنر غبرياهو، في “اكس”: “لا توجهوا أنظاركم، مراسلة “سي.ان.ان” ذهبت إلى جنوب القطاع وفتحت نافذة على جهنم غزة”. هكذا رد كسبيت، المعتدل والعقلاني في نظر نفسه: “لماذا نوجه الأنظار؟ هم كسبوا جهنم هذه بحق. ولا أملك ذرة تعاطف إزاءهم”، كسبيت كالعادة، يتكلم باسم التيار العام في إسرائيل.
7 آلاف طفل هم المذنبون بموتهم. 20 ألف شخص هم المسؤولون عن قتلهم. 2 مليون شخص تسببوا بتهجير أنفسهم. هكذا دائماً يتحدث الثري عن الفقراء، الناجح عن المتخلفين، المعافى عن المعاقين، القوي عن الضعفاء، الأشكنازي عن الشرقيين: هم الذين يتحملون الإثم بكونهم ضحايا. في إسرائيل بعد 7 تشرين الأول، يمكننا اتهام عشرات الرضع والأطفال بموتهم، دون أن يكون لإسرائيل أي ذرة من مسؤولية وذنب عن موتهم المخيف. في إسرائيل بعد 7 تشرين الأول يمكننا الشعور بأننا أبرياء من كل ذنب، لأن حماس هي التي بدأت الأعمال الفظيعة الأولى.
أرض مدمرة وكل سكانها يعيشون في جهنم، ومن جلب هذا الجحيم لا يتحمل أي ذنب حتى لو كان صغيراً أو بصورة مشتركة مع حماس. ولكن لا يوجد أي “مليغرام واحد من التعاطف” في قلب الإسرائيلي – العادي تجاه الأطفال مبتوري الأرجل كما جاء في المقال الشجاع والفظيع لغرليسا فيرد من داخل المستشفى في رفح. ليقطعوا الأرجل وليموت الأطفال وليتخلف الغزيون وليخنقوا في جهنم، لا علاقة لنا. هم يتحملون ذنب كارثته. عثر كسبيت هنا على شيء: الضحية هي المذنبة في وضعها.
اتركوا الذنب والمسؤولية جانباً، فكل ذلك ملقى على حماس، ولا شيء تتحمله إسرائيل، التي يهيج جنودها وطياروها في غزة منفلتي العقال. لا يد لنا في ذلك. الأساس هو عدم الشعور بأننا مذنبون بشيء. لكن الأمر بحاجة إلى قدر كبير من قسوة القلب والوحشية والبربرية، كي لا تشعر بالقليل من التعاطف مع الأطفال الذين يحتضرون، الأشخاص الذين يحتضرون على الأرض في المستشفيات، الأب الذي يصرخ فوق جثة ابنه، والطفل الذي يعلوه الغبار من أنقاض بيته ويبحث عن شخص ما في العالم، الناس الذين يعيشون في هذا الرعب واليأس وينقصهم كل شيء منذ شهرين، الجائعون والمرضى والمعاقون والمهجرون في غزة. حتى التعاطف محظور في نظر كسبيت وأمثاله كي لا يثور التفكير المحظور والخطير بوجود بشر يعيشون في غزة. مع ذلك، لا يمكنهم التعامل، فهذا يعتبر تجاوزاً خطيراً للحدود قد تظهر أفكار غريبة للإسرائيليين حول المسافة المسموح السير فيها نحو هدف محق وحول المسموح وبالأساس الممنوع في أي سيناريو.
هناك أمور محظورة في كل سيناريو: قتل 7 آلاف طفل في غضون شهرين مثلاً. الـ “بن كسبيتيون” يريدون التصفيق لجيش الأبطال ولا ينظرون لما تفعله أيديهم. الإنسانية ممنوعة – لأننا إسرائيليون. عندما يحدث زلزال في مكان ما في العالم نرسل المساعدات ونتفاخر، لكن القتل الجماعي في غزة لا يعنينا. الأخلاق الإسرائيلية في ذروتها، تستهدف التأكيد على أن مغيل وبن كسبيت يشعران برضا ذات إزاء ما يحدث في غزة.
في مؤتمر دولي عقد في نهاية الأسبوع الماضي في إسطنبول، قلت إنني لم أخجل في أي يوم بهذا القدر من أن أكون إسرائيلياً كما شعرت عندما شاهدت الصور من غزة. هذه الأقوال نشرت في موقع إسرائيلي شعبي للتسلية. وفي نهاية الأسبوع تلقيت آلاف المكالمات الهاتفية والشتائم الخطية. أحياناً يمكن معرفة شيء عن المجتمع حسب مياه المجاري فيه، معاً سننتصر. ولكن المسافة بين مياه المجاري التي تدفقت نحوي والأقوال التي من المفروض أن تكون لائقة بكسبيت، أقل مما هو متوقع. لا فرق بين كراهية العرب وتجريدهم من إنسانيتهم باللهجة الفظة للمتحرشين الأشرار وبين أقوال كسبيت المهذبة. إسرائيل السفلى وإسرائيل العلوية فقدت إنسانيتها. هذا سبب جيد للخجل من كونك إسرائيلياً.
هآرتس 17/12/2023