البيان عن تشخيص المصابين الأولين في قطاع غزة نقل أمس القطاع من وضع الاستعداد إلى مشاعر القلق الكبير. “لقد عرفنا أنه سيصل إلينا، وهذا أدخل الجميع في حالة ضغط”، قال أحد سكان القطاع للصحيفة. ورغم أن المرضى أصيبوا في الباكستان وتم وضعهم في الحجر منذ لحظة عودتهم إلى القطاع، إلا أن السكان قلقون. “ربما تخالطوا مع أحد موظفي المعبر أو شخص آخر غير موجود في الحجر”، قال مواطن آخر، “الخوف في النهاية من فقدان السيطرة.. والكل حينئذ سيتفجر. هذا ما يضغط الجميع”.
أمس زادت مخاوف السكان بعد أن خرج بيان يقول إن 29 شخصاً، الذين كانوا على اتصال مع المرضى، سيتم وضعهم في الحجر، من بينهم قائد الأمن العام في حماس داخل القطاع، توفيق أبو نعيم، ونائبه، ومحافظ غزة. إضافة إلى ذلك تم وقف كل نشاط العيادات الخارجية في مستشفيات القطاع.
في أعقاب اكتشاف المصابين توجهت منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” بصورة مستعجلة إلى مدير عام وزارة الصحة الإسرائيلي، موشيه سيمنطوف، وطلبت منه أن يقدم لجهاز الصحة في قطاع غزة الوسائل التي لديه واستكمال نقص المعدات الذي حدث في أعقاب اعتماد القطاع على إسرائيل. “مواجهة أزمة كورونا في القطاع ترتبط بسيطرة إسرائيل على المعابر. وإزاء الحصار المستمر، فإن إسرائيل هي المسؤولة -حسب القانون الدولي- عن تقديم الوسائل المطلوبة لوزارة الصحة في قطاع غزة”، قالت غادة مجادلة، مديرة قسم المناطق المحتلة في منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان”.
مصادر مطلعة على وضع الجهاز الصحي في القطاع قالت إن في القطاع فقط 70 سريراً للعلاج المكثف، وإن المستشفيات غير مزودة جيداً من ناحية مواد التعقيم والكمامات وبدلات الحماية من أجل حماية الطواقم الطبية. إضافة إلى ذلك، حذر مدير عام التعاون الدولي في القطاع، د. عبد اللطيف حاج، من نقص في أجهزة التنفس في القطاع.
كثير من الأطباء قلقون من نقص المعدات والخبرة الطبية في غزة لمواجهة تفشي كورونا، خاصة عندما يدور الحديث عن سكان يعيشون في اكتظاظ شديد. مصادر في القطاع وفي منظمات حقوق إنسان دعت إلى رفع الحصار وتمكين إدخال معدات طبية بكمية كبيرة إلى القطاع. المتحدث بلسان وزارة الصحة في غزة، د. أشرف القدرة، قال إن الوضع يحتاج إلى ضغط دولي على إسرائيل من أجل تمكين القطاع من مواجهة نقص المعدات.
حسب الشهادات التي وصلت إلى الصحيفة، لوحظ في مدينة غزة ومدن القطاع الكبرى بطء حقيقي في حركة الناس في الشوارع بعد اكتشاف الإصابات. ومثلما في إسرائيل، فإن مواطنين كثيرين يصلون إلى البقالات، لكن لم يسجل حتى الوقت الحالي أي نقص في السلع. ومثلما في فترات أخرى، يبدو أن المشكلة في القطاع ليست نقص السلع، بل السيولة النقدية من أجل شراء السلع. فاطمة (اسم مستعار) هي أم لخمسة أولاد، لم تخف خوفها مما يمكن أن يحدث. “نسمع طوال الوقت أقوال تهدئة، وكأن كل شيء تحت السيطرة. ولكن من يعرف ما يمكن أن يحدث إذا تفشى المرض؟ والتفكير في أن دولاً عظمى تجد صعوبة في مواجهة المرض يدخلنا إلى حالة خوف فظيعة”.
مؤسسات الحكومة وحماس يحاولون في هذه الأثناء البث بأنهم يسيطرون على الوضع. الشرطة والأجهزة الأمنية الخاضعة لحماس نشرت توجيهات جديدة، بحسبها يمنع أي تجمع، بما في ذلك محلات التسوق وقاعات الأفراح والمطاعم والمقاهي ومراكز الاستجمام. وميناء غزة، بما في ذلك المقاهي، تم إغلاقه. سيسمح بخروج الصيادين، لكن سوق الأسماك ستغلق. والشرطة منعت كل تجمع في المساجد ومنعت إقامة خيام العزاء. إضافة إلى ذلك، سرى منع على تنظيم حفلات الزفاف سواء في القاعات أو في الساحات. ومنع حفلات الزفاف وجد تعبيره في صور غير اعتيادية لعريس وعروس يرتديان الكمامة، وقد خرجا من بيت العروس في سيارة ويرافقهما عدد ضئيل جداً من الأصدقاء دون حفل أو تجمع.
إلى جانب هذه التعليمات أيضاً، بدأت الوزارات الحكومية العمل في إطار نظام طوارئ وتقديم خدمات أساسية فقط، بحيث يصل الموظفون الحيويون فقط إلى العمل، بما في ذلك وزارة الصحة ووزارة الداخلية. في كل وزارة يقرر المسؤول المباشر بشأن تقليص عدد الموظفين ونطاق العمل عن بعد. الحكومة الفلسطينية أعلنت أيضاً عن تشكيل لجنة حكومية برئاسة وزارة الصحة في القطاع وبالتعاون مع وزارات الداخلية والتعليم والحكم المحلي والأوقاف والمالية لتحديد السياسة والإجراءات المطلوبة للمرحلة الحالية لمواجهة “كورونا”.
أحد التحديات الكبيرة من ناحية القطاع والخوف من تفشي كورونا هو استعداد الجهاز الصحي في القطاع لعدد كبير من المصابين. تحرص وزارة الصحة على البث بأن الأمر مسيطر عليه طالما ظل عدد المصابين قليلاً جداً. الآن، وحسب بيانات الوزارة الرسمية في القطاع، هناك 2071 شخصاً في الحجر، يضاف إليهم 1271 شخصاً في منشآت خاصة.
إضافة إلى ذلك، الـ 637 مصاباً الذين تم تسريحهم مؤخراً من حجر استمر أسبوعين بعد أن تبين أنهم غير مصابين. أقيم في القطاع 14 منطقة عزل، بما في ذلك فندقان ومنشأة مغلقة في غرب رفح. هذا إضافة إلى عدد من البؤر الطبية التي تحولت إلى أقسام عزل. مصدر رفيع المستوى في وزارة الصحة أوضح للصحيفة بأنه في حالة ظهور حاجة إلى مزيد من غرف ومنشآت العزل فإن كل الـ 700 غرفة المخصصة للضيافة والفنادق في غزة ستتحول إلى منشآت عزل، والمدارس أيضاً. هكذا، هناك استعداد أيضاً لوضع كهذا.
إضافة إلى ذلك، قال د. مازن هندي، مدير العيادات الخارجية في مستشفيات القطاع، بأن معابر غزة رغم إغلاقها أمام الخارجين إلا أن العودة ما زالت مسموحة للسكان، ولكنهم قد لا يعرفون خطورة الوضع الحالي. “المشكلة هي أنه ليس هناك استعداد كاف بخصوص عودة مرضى إلى القطاع، لأنهم يأخذون على عاتقهم مخاطرة العدوى من الخارج وإصابة آخرين في القطاع. هذا هو الخوف الرئيسي”.
الأطباء يحذرون من أن القطاع كان على شفا الانهيار حتى قبل الخوف من انتشار كورونا. ويذكرون بأن تقرير الأمم المتحدة حذر قبل خمس سنوات من وصول القطاع إلى وضع “غير صالح للسكن في العام 2020”. الخوف من وضع طوارئ يثيره تفشي كورونا يتزامن في وقت تجري فيه اتصالات مع إسرائيل ومصر في محاولة لمنع الانهيار.
بقلم: جاكي خوري
هآرتس 24/3/2020