بعد “الطوفان”: 4 مسارات فاشلة وأتباع نتنياهو يخوّنون اليسار “فتحتم البوابات لحماس”.. وهيئة الأركان تلعب اللوغو  

حجم الخط
3

قبيل نهاية اليوم الثاني على الحرب في غزة تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة صعبة جداً. هجوم حماس المفاجئ ­والفعال، الذي ما زالت نتائجه الرهيبة تشاهد في كل أرجاء غلاف غزة، يقتضي رداً عسكرياً ساحقاً. ولكن إسرائيل ما زالت تأمل بشكل ما أن تفعل ذلك دون التورط في حرب متعددة الجبهات تشمل أيضاً “حزب الله”. للمرة الأولى، مطلوب منها مواجهة واقع جديد، حيث يحتجز العدو عشرات المخطوفين الأسرى وعدداً كبيراً من جثث الجنود والمدنيين الإسرائيليين.

عدد القتلى الذي ينشر بالتدريج آخذ في الارتفاع. هذه هي وتيرة العدد الأكبر من المصابين منذ حرب يوم الغفران، وذلك ينبع من نجاح حماس في توجيه جزء كبير من الهجوم القاتل على مدنيين أبرياء. قام المخربون بمذابح فظيعة في الحفل الجماعي الذي جرى في الهواء الطلق وفي بيوت “الكيبوتسات” والمدن القريبة من الحدود. هذه مشاهد لم نرها في حياتنا، وتثير الغضب والشعور بالغثيان. من يحاول المساواة بين جرائم القتل هذه وبين القصف الإسرائيلي الذي يأتي رداً على ذلك، لن يصيب كبد الحقيقة. حماس هي المعتدية في هذه الحالة، وقد ارتكبت بشكل متعمد جرائم حرب ضد السكان المدنيين.

لكن المقارنة بجرائم الإبادة أو المذابح ضد اليهود في روسيا ليست في مكانها. رغم الفشل الذريع، ثمة جيش قوي يمكنه الدفاع عن المدنيين، وقد تم إدخاله الآن إلى العمل. والهجوم المخيف لا يبشر بخراب الهيكل الثالث، بالضبط مثلما لم يؤدّ وباء كورونا إلى إنهاء الجنس البشري. يفضل أن لا تزيد وسائل الإعلام الرعب أكثر من الوضع البائس والصعب أصلاً. وكان يمكن استخلاص هذا الدرس منذ الجولة الثانية.

إلى جانب الصدمة التي أثارها الهجوم، وتقديرات خاطئة للاستخبارات وجهاز الأمن، بقي أمامنا حبة جوز عصية على الكسر. هناك عدة إمكانيات أمام أنظار القيادة الإسرائيلية: مفاوضات سريعة للتوصل إلى صفقة لتبادل الأسرى ستطلب فيها حماس تحرير السجناء – القتلة (وتسجل لنفسها انتصاراً معنوياً عظيماً آخر)؛ أو قصف أهداف حماس في القطاع من الجو، الذي سيصاب في إطاره آلاف المدنيين الفلسطينيين؛ أو تعزيز الحصار وضرب البنى التحتية في القطاع إلى درجة الخوف من كارثة إنسانية والتدخل الدولي؛ أو القيام بعملية برية واسعة ستؤدي إلى خسائر كثيرة في الطرفين، وقد تفشل.

في الساعة الثالثة ظهراً، بدأ قصف كثيف من الجو للقطاع. ولكن من غير الواضح أين سيؤدي ذلك على المدى البعيد. ولا خيار من هذه الخيارات ناجح، لكن هذه هي طبيعة المعضلات الصعبة، وهذا هو اختبار القيادة. هذا محك يجب أن يجتازه الآن رئيس الحكومة الذي أدخلنا إلى هذا الشرك من البداية، ورؤساء أجهزة الأمن الذين يعانون من أزمة ثقة صعبة معه، والوزراء الذين في معظمهم ليست لهم تجربة سياسية أو أدنى قدر من المسؤولية، وجميعهم لديهم خلفية عسكرية ضئيلة جداً.

التسريبات من جلسة الحكومة ظهرت في البداية محرجة إزاء مستوى هذه النقاشات. ولكن لهذا السبب كان لها أهمية في أوساط الجمهور. فقد أثبتت مدى عدم ملاءمة أعضاء الحكومة لمناصبهم، لا سيما في هذا الوقت الصعب. بعض الوزراء تبين أنهم، من خلال الاقتباسات، زمرة من الأشخاص المشاكسين. وإذا لم يكن هذا كافياً فقد أعلن نتنياهو أمس، بعد أن مد الوقت طوال سنة، عن تعيين منسق جديد لشؤون الأسرى والمفقودين، العميد احتياط غال هيرش. ما الذي يميز هيرش عن عشرات رجال الأمن الآخرين بنفس رتبته؟

       آلة ­السم استيقظت

بقيت الصورة الاستراتيجية الشاملة معقدة جداً؛ فـ “حزب الله” يعطي إشارات من لبنان بواسطة إطلاق قذائف الهاون على مزارع شبعا، وأن منظمته ألقت عليه المسؤولية. الجيش الإسرائيلي رد بقصف جوي للخيمة المختلف عليها، التي أقامها “حزب الله” جنوب الحدود في مزارع شبعا. من غير الواضح كيف سيرد “حزب الله” على تجديد العملية الإسرائيلية في غزة. في هذه الأثناء، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن، بأن الولايات المتحدة لن تكتفي بتأييد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها والرد، بل سترسل فوراً قوة بحرية إلى شرق البحر المتوسط – هذا تصريح مهم جداً في إطار محاولة ردع “حزب الله”.

في ظل تردد إسرائيل حول كيفية التصرف يطرح سؤال هل سنعرض حياة المخطوفين للخطر: كيف سنوازن بين حياة الأقلية التي قد تتضرر في أسر حماس، ربما بمبادرة متعمدة من قبل الخاطفين، وبين الخطر على حياة عدد أكبر إذا سمح لهذه المنظمة بمواصلة نشاطاتها بدون إزعاج؟ إلى أي درجة يمكن للجيش النظامي الذي لم يجرب منذ خمسين سنة أعداداً كهذه من المصابين، أن يجتاز هذا الاختبار الصعب لفترة طويلة ويواصله أيضاً بعملية برية في الجبهة الداخلية للعدو في قطاع غزة؟

لم يحسم نتنياهو الأمر حتى الآن، ولكن آلة السم الموجودة تحت تصرفه استيقظت من التشويش الذي ضبطت فيه. لم تمر إلا بضع ساعات وعثروا على المذنبين. جهاز الأمن ليس الوحيد الذي فشل في التشخيص وفي وقف الهجوم (مثلما حصل حقا، وفي النتائج الصعبة) بل هناك خيانة من الداخل، ربما ضابط من اليسار التقدمي، قام بفتح البوابات لرجال حماس. وإلا كيف يمكن شرح هذه الكارثة؟ هذه أقوال قيلت بمنتهى الجدية.

مما يثير الرعب في هذا الأمر، أن هذه الكذبة الفظيعة التي أطلقت في البداية عبر الشبكات الاجتماعية وتسربت بالتدريج إلى هوامش النقاشات في القناة 14، بدأت تجد من يصدقها في أوساط الجمهور. هذا يحدث من خلال نشر ممنهج ومخطط له من جانب البيبيين. وسيدوي من قبل أعضاء الكنيست في الائتلاف وأبواق في وسائل الإعلام.

هذه فرية، التي تذكر بالادعاءات في ألمانيا حول غرز سكين في ظهر الجنود في الجبهة كتفسير للهزيمة والاستسلام في نهاية الحرب العالمية الأولى. ويجب على رؤساء جهاز الأمن وآلاف الضباط والجنود الذين يضحون الآن بأنفسهم في الجنوب، أن يواجهوا هذه الخدعة النفسية، حتى لو لم يصوت بعضهم لأحزاب الائتلاف. من نافل القول أن نتنياهو يسمح لهذه الفرية بأن تمتد وتنتشر. بعد ذلك، سيقيل شخصاً ما بسببها، بعد أن يتأكد من استيعاب الانطباع. على خلفية تفاقم الأزمة، كان يبدو أن جهوداً لتشكيل حكومة طوارئ تتقدم في المساء. لم تكن واضحة أكثر من أي وقت مضى الحاجة إلى المزيد من الأيدي المجربة والهادئة.

خلل مقرون بالإهمال

أمس الأحد، تواصلت في مستوطنات الغلاف، ببطء يثير الإحباط، الجهود العسكرية لإعادة سيطرة إسرائيل على المنطقة وضرب الخلايا الإرهابية التي ما زالت تختبئ في المنطقة. هناك صعوبة في “تطهير” المنطقة من المقاومة، بسبب اختراق الجدار في عشرات النقاط. في كيبوتس باري، وهو أحد النقاط التي تعرضت للضربة الأكثر قسوة، تم تطهير المقاومة في الفجر. بعد الظهر اقتحمت خلية كبيرة لحماس الجدار مرة أخرى، وتطور في المكان تبادل شديد لإطلاق النار.

في الوقت نفسه، استمرت الصعوبة في تهدئة الجهود الأخرى. نجاح حماس أثار فوضى كبيرة سيحتاج الجيش وقتاً طويلاً ليستيقظ منها: ضخ القوات، وإعدادها لمهمات جديدة، وبذل الجهود اللوجستية، وحتى الاتصال مع عائلات القتلى والمفقودين والمصابين.

إحدى القضايا التي يجري الآن حولها نقاش سياسي ساخن، تتعلق بحجم القوات المحدود التي تم تكليفها بحماية الغلاف. بأثر رجعي، من الواضح أن هذا كان خطأ قاسياً، وضآلة عدد كتائب الحماية في نقاط اللقاء، قادت إلى قدرة حماس على الاندفاع إلى الأمام والتسبب بأضرار كثيرة. هذا خلل مقرون بالإهمال الطويل من قبل الدولة للاحتياجات الأمنية في الغلاف، وظهرت بتعامل مهمل وإشكالي طوال سنين لمسؤولي الأمن ومجموعات الطوارئ في المستوطنات الذين حاربوا، السبت، ببطولة كبيرة وأوقفوا سيطرة المخربين على المستوطنات عدة مرات، مع وقوع خسائر فادحة.

يضاف إلى ذلك الادعاء بأن الجيش الإسرائيلي أرسل قوات كبيرة إلى الضفة الغربية، بضغط من المستوطنين. هذا صحيح فقط بشكل جزئي. مضاعفة القوات في الضفة بدأت في آذار السنة الماضية، بعد موجة العمليات التي مصدرها هناك. ولكن هدفها كان تل أبيب ومدن أخرى داخل الخط الأخضر. اعتبر التعزيز أمراً حيوياً لأن خط التماس تم إهماله وبقي مخترقاً بالكامل أمام عمليات التسلل.

العقيدة العسكرية تقول إن خط الاتصال لا يجب أن يخترق. لذا، يقتضي الأمر استعداداً دفاعياً مناسباً من أجل النهوض بسرعة وصد الهجوم، حتى لو فاجأنا هذا الهجوم وحقق أفضلية كبيرة. نشأت في حدود غزة أيضاً صعوبة في الوعي. يصعب جداً على المقاتل الانتقال بتفكيره من صفر كم إلى 100 كم في الساعة في ثوان، من حدود ناعسة إلى وضع حرب، حيث لا يوجد تحذير مسبق. كل هذه العوامل عملت في غير صالح الجيش الإسرائيلي، لكن التحيز السياسي الذي يقف من خلف هذه الأمور أقل وضوحاً – الحديث عن ثلاث كتائب، التي كما يبدو نقلت من القطاع لحماية قبر يوسف، هو تفسير خاطئ للواقع.

ألعاب ملء المربعات

بدأ صحافيون أمس في إدارة ألعاب لوغو داخل هيئة الأركان، مع توصية بإعادة أبطال سابقين وكأن الأمر يتعلق بمباراة أخرى لمنتخب كرة القدم وليس بمصير أرواح. بعد الحرب، سيكون هناك مكان وضرورة لإجراء تحقيقيات عميقة، وربما حتى اتخاذ خطوات تأديبية. ولكن رئيس الأركان، هرتسي هليفي، بقي الشخص الصحيح لقيادة الجيش الإسرائيلي في أصعب الظروف في الخمسين سنة الأخيرة؛ فهو ذو تجربة ومستقيم وهادئ وعقلاني. بسبب الظروف الاستثنائية، لا خيار له سوى أن يتحدث بين حين وآخر بصورة مباشرة إلى الجمهور.

يجب القول إنه بخلاف تام للعام 2006، لم تكن هنا حالات لقادة بقوا متسمرين أمام شاشات البلازما. وبعد المفاجأة الصعبة، ضحى قادة كبار في الألوية والكتائب بأنفسهم عندما انقضوا ببسالة على رأس مقاتليهم لصد هجوم حماس وإنقاذ حياة المدنيين. العقيد روعي ليفي، قائد الوحدة متعددة الأبعاد، قتل على حدود غزة بعد تسع سنوات من إصابته بجروح بالغة في عملية “الجرف الصامد” كقائد لكتيبة دورية “غولاني”. وقد عاد للخدمة، أيضاً في هذه المرة لم يتردد في الانقضاض. فقد الجيش الإسرائيلي في المعارك عدداً من أفضل قادته، من بينهم روعي (44 سنة).

ليفي، ابن “الصهيونية الدينية”، كان حساساً بشكل خاص لأخلاق القتال. في العام 2015، بعد سنة على إصابته، اهتم باستدعاء مراسل إلى محاضرة أمام خريجي دورة لضباط المشاة، لأنه خشي من أن تضعف فيهم قيم القتال على خلفية العمليات، بما سمي في حينه “انتفاضة السكاكين”. تجمع في “هود هشارون” أمس أبناء عائلات وأصدقاء جاءوا للتعزية في بيت جندي غولاني، الرقيب غاي بيزك (19 سنة)، الذي قتل في معركة في “كيبوتس كيسوفيم”. تكبد لواء غولاني في القتال خسائر فادحة. تجند غاي للكتيبة 51 قبل سنة تقريباً، في أعقاب والده يوفال، الذي كان قائد الكتيبة في التسعينيات. وقد كان فخوراً بأنه يرث شعار الوحدة الذي حصل عليه يوفال نفسه من مقاتل غولاني في الخمسينيات.

يوفال بيزك، العميد احتياط، تم إرساله السبت بعد الظهر إلى فرقة الجليل، وهناك عمل كرئيس لهيئة القيادة. كلما مر الوقت ازداد لديه القلق على مصير ابنه في القطاع. قبل بضعة أشهر التقى بيزك الأب مع جنود الفصيل، وقال لهم: “ستضطرون إلى القتال لاحقاً”. لم يخطر بباله أن هذا الأمر سيحدث في ظروف بداية كهذه. في ساعة متأخرة في المساء، استدعى بيزك قائد فرقة الجليل، العميد شاي غلبر وهو أحد مرؤوسيه السابقين. وكان في الغرفة عميد آخر، صديق قديم في السلاح من غولاني.

ذهب بيزك إلى ابنته البكر، التي استدعيت كمجندة احتياط للواء جبل الشيخ، وأبلغها عن موت شقيقها، وأخذها من هناك في طريقه الطويلة إلى البيت لإبلاغ زوجته وابنته الصغيرة. كانت الساعة الواحدة تقريباً بعد منتصف الليل عندما وصل وأيقظ زوجته من النوم. بعد ذلك، أبلغ الأب أصدقاءه هاتفياً عن ابنه الذي سقط. نحن أصدقاء منذ أكثر من ثلاثين سنة. منذ أن كان قائد فصيل لدى قائد الكتيبة الأسطوري ايرز غريشتاين. اللقاء مع بيزك في ساحة بيته كان يفطر القلب. هذا الحدث كرر نفسه بأشكال مختلفة في مئات أخرى من البيوت في أرجاء إسرائيل في اليومين الأخيرين.

 عاموس هرئيل

هآرتس 9/10/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية