للمفارقة، إن الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت قبل نحو شهرين والمصيبة التي أوقعها على عاصمة لبنان كان المحفز الذي أدى إلى تغيير القرص في أوساط أصحاب القرار في قيادة الدولة. فقد جعلهم يستوعبون أن منع الانهيار المتواصل للاقتصاد اللبناني، الذي وصل إلى الإفلاس والعجز عن تسديد الديون، لن يكون ممكناً ألا من خلال زيادة كبيرة لمداخيل الدولة من حقول الغاز التي اكتشفت في البحر المتوسط. وثمة خلاف بين لبنان وإسرائيل حول قسم من الحقول، مما منع شركات الطاقة الكبرى التوقيع على اتفاقات لفتح حقول الغاز في مجال المياه الاقتصادية للبنان، وبذلك زيادة المداخيل التي يتوق لها. منذ فترة طويلة تغرق الدولة في أكوام القمامة وتعاني أزمة طاقة خطيرة تؤدي إلى توقفات شاملة للكهرباء والمياه.
وثمة افتراض بأنه لو لم يقع الانفجار، لأعلن تنظيم الإرهاب اللبناني حزب الله في خطاب خاص للأمين العام حسن نصر الله بأنه “لن تكون هناك أبداً مفاوضات مدنية أو غير مباشرة مع الكيان اليهودي المحتل. لبنان، مثل حزب الله أيضاً وكل دولة عربية، يرفض كل مؤشر تطبيع مع الكيان المسمى إسرائيل”، ولكن نصر الله ودائرة مقربيه في قيادة التنظيم الإرهابي الشيعي، الذي يسيطر على لبنان عملياً، يعرفون بأن منع المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية والبرية والخلاف مع إسرائيل سيمنع ولسنوات طويلة إمكانية أن يزيد لبنان مداخيله بشكل كبير لصندوق الدولة الفارغ.
فضلاً عن ذلك، فإن الأمين العام لحزب الله وتنظيمه الذين يعلنون عن كونهم وطنيين لبنانيين قبل كل شيء، على وعي بنقد الجماهير لهم في الشارع اللبناني. وإلى جانب النقد، تطلب المحافل الليبرالية في لبنان من حزب الله – كونه تنظيماً سياسياً شرعياً – أن ينزع سلاحه ويسمح للجيش اللبناني بتنفيذ مهام الدفاع عن الأمن الجاري للوطن.
كما أن حقيقة الولايات المتحدة ودولاً أوروبية لم تعد تميز بين نشاط الذراع السياسي لحزب الله والنشاط الإرهابي للذراع العسكري، تساهم في صمت التنظيم في كل ما يتعلق بالمفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل بوساطة أمريكية والتي ستبدأ بعد أيام قليلة في مقر اليونيفيل في بلدة الناقورة الحدودية.
محافل سياسية في لبنان ترفض كل مؤشر تطبيع مع إسرائيل، بما في ذلك رجال حزب الله، وهي مطالبة كل يوم تقريباً أن تتطرق في وسائل الإعلام العربية بشكل عام واللبنانية بشكل خاص للمفاوضات غير المباشرة. وعلى حد هذه المحافل، فإن حزب الله يصمت؛ لأنها مفاوضات مدنية تجري بشكل غير مباشر برعاية الأمم المتحدة ومحافل سياسية ثالثة، ولأن الحديث لا يدور عن اتفاق “من شأنه لا سمح الله” على حد قولهم، أن يؤدي إلى نوع من التطبيع بين الدولتين.
ولكن على خلفية الاتفاقات الإسرائيلية مع الإمارات والبحرين، وحين تصدر كل يوم تقديرات عن الدول العربية التالية التي ستطبع العلاقات مع “الكيان الصهيوني” وحين تسمح السعودية لرحلات الطيران التجارية من إسرائيل المرور في مجالها… حين يحصل كل هذا، فسيفهم لبنان وحزب الله، على حد سواء، بأن الشرق الأوسط في ذروة تغيير واسع.
في شرق أوسط تضع فيه إسرائيل ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية الخلافات جانباً لإقامة منتدى للتعاون الاقتصادي والمدني مع اليونان وقبرص في مجال الطاقة، واضح للبنانيين بأن إذا واصلت دولتهم التصرف حسب قواعد ميليشيا الإرهاب العسكرية، فستبقى بلاد الأرز بعيدة في الخلف وستضطر للمواجهة وحدها. وإذا تحقق في الأرز شيء، فماذا سيقول أذرع الإرهاب من حزب الله؟ يخيل أن صمت حسن نصر الله يجيب عن السؤال.
بقلم: دانييل سيريوتي
إسرائيل اليوم 11/10/2020